آخر الأخبار

بعض الأحلام عصية على النسيان.. ما السر وراء بقائها في الذاكرة؟

شارك

هل سبق أن ظل حلم ما عالقا في ذاكرتك رغم مرور سنوات طويلة؟ فبينما تتلاشى معظم الأحلام بسرعة، تبقى بعضُها، على نحو غريب، عصية على النسيان. ووفقا للخبراء، فإن الأحلام التي نتذكرها غالبا ما ترتبط بدرجة عالية من الانفعال العاطفي، أو بوضوح حسي لافت، أو تحدث في لحظات حاسمة تسبق الاستيقاظ مباشرة. لكن ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟

لماذا تبقى بعض الأحلام عالقة في الذاكرة؟

على عكس الاعتقاد الشائع، فإن نسيان الأحلام هو القاعدة لا الاستثناء. فمن الطبيعي أن يستيقظ الإنسان وقد اختفت أحلام ليلته تماما من ذاكرته.

وتشير أبحاث علم النوم الحديثة إلى أن الدماغ يمر خلال ليلة واحدة بأربع إلى خمس دورات من نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي المرحلة الأكثر ارتباطا بحدوث الأحلام. وهذا يعني أن الإنسان يحلم عدة مرات كل ليلة، لكنه ينسى الغالبية العظمى من هذه الأحلام فور الاستيقاظ. ومن هنا، لا يبدو السؤال المنطقي هو: لماذا ننسى أحلامنا؟ بل: لماذا نتذكر بعض الأحلام دون غيرها؟

يرى باحثو علم الأعصاب أن عدم تذكر الأحلام يعد جزءا طبيعيا من آلية عمل الذاكرة. فخلال نوم حركة العين السريعة، تكون المناطق المسؤولة عن تخزين الذكريات طويلة الأمد في الدماغ، ولا سيما الحصين، أقل نشاطا مقارنة بحالة اليقظة. ويُفسر ذلك مرور معظم الأحلام دون أن تترك أثرا ثابتا في الذاكرة الواعية.

ومع ذلك، هناك أحلام تنجح في اختراق هذا الحاجز وتبقى حاضرة في الذهن لساعات أو أيام، وأحيانا لسنوات طويلة. أحلام لا تُنسى بسهولة، وكأنها تفرض نفسها على الوعي. فما الذي يميز هذه الأحلام عن غيرها.

مصدر الصورة بعض الأحلام تتميز بوضوحها الحسي العالي وارتباطها بقضايا شخصية أو صراعات نفسية (شترستوك)

ما الذي يميز الأحلام التي لا تنسى؟

تشير الدراسات النفسية إلى أن الأحلام القابلة للتذكر تشترك غالبا في مجموعة من الخصائص، أبرزها:

إعلان

* شدة الانفعال العاطفي (خوف، نشوة، حزن، دهشة).
* الوضوح الحسي العالي (صور قوية، أصوات، إحساس بالحركة أو الألم).
* ارتباطها بقضايا شخصية أو صراعات نفسية قائمة.
* حدوثها قبيل الاستيقاظ مباشرة.

غير أن أحد أهم المفاهيم التي تفسر بقاء بعض الأحلام في الذاكرة هو ما يعرف في أبحاث الأحلام الحديثة بـ "تأثيرات الاستمرار" (Carry-over effects).

تأثيرات الاستمرار.. عندما يتسرب الحلم إلى اليقظة

تشير "تأثيرات الاستمرار" إلى المشاعر أو الاستجابات الجسدية أو الحالات النفسية التي تبدأ أثناء الحلم وتستمر بعد الاستيقاظ. وكأن الحلم لا يتوقف تماما عند فتح العينين، بل يرافق الجسد والعاطفة إلى عالم اليقظة. فعلى سبيل المثال، إذا حلمت بأن شخصا يطاردك، قد تستيقظ مع تسارع في ضربات القلب، وتعرق، ورجفة عضلية، وكأن المطاردة كانت واقعية بالفعل. وإذا حلمت بالسقوط في حفرة عميقة، فقد تصحو بإحساس جسدي حقيقي بالجاذبية التي تشدك نحو الأسفل.

هذه التأثيرات تحول الحلم من مجرد صور ذهنية عابرة إلى تجربة جسدية متكاملة، ما يزيد من احتمالية ترسيخه في الذاكرة وبقائه عالقا في الذهن لفترة أطول. وتكشف هذه الظاهرة أن الحلم ليس نشاطا عقليا صرفا، بل عملية تشارك فيها أنظمة فسيولوجية متعددة، من بينها الجهاز العصبي، والجهاز القلبي، والعضلات، وحتى الهرمونات. وخلال نوم حركة العين السريعة، تنشط هذه الأنظمة، لكن بدلا من توجيهها إلى العالم الخارجي كما يحدث في اليقظة، يعاد توجيهها إلى الداخل لبناء عالم الحلم التخيلي. وعندما يكون هذا التنشيط قويا، يترك أثره بعد الاستيقاظ، فيجعل الحلم أكثر حضورا وصعوبة في النسيان.

هل هذه الأحلام مجرد خلل عصبي؟

يفترض بعض الباحثين أن تأثيرات الاستمرار قد تكون نتيجة عرضية لاندفاع عصبي عشوائي خلال النوم، أشبه بكوب يفيض عندما يملأ أكثر من سعته. لكن هذا التفسير لا يحظى بإجماع، إذ تطرح أبحاث أخرى قراءات أكثر عمقا ووظيفية.

مصدر الصورة من الممكن تفسير الأحلام من الناحية التطورية بأنها ساحات تدريب آمنة (شترستوك)

تفسير تطوري.. تدريب دون مخاطر

من منظور تطوري، يمكن النظر إلى الأحلام على أنها ساحات تدريب آمنة يختبر فيها الدماغ مواقف محتملة دون التعرض لمخاطر حقيقية. فخلال الحلم، يعيد العقل محاكاة سيناريوهات تهديد أو صراع أو فقدان، ما يسمح للجهاز العصبي بالتدرّب على الاستجابة للخطر، واتخاذ القرارات، وتنظيم الانفعالات في بيئة خالية من العواقب الواقعية.

ووفق هذا التفسير، فإن الأحلام التي تتسم بالشدة العاطفية—مثل أحلام المطاردة أو السقوط أو المواجهة—لا تكون عشوائية، بل تمثل تمارين ذهنية تطورت عبر الزمن لمساعدة الإنسان على التكيف والبقاء. وعندما يكون التدريب مكثفا ومشحونا بالمشاعر، تزداد احتمالية أن يترك الحلم أثرًا واضحًا في الذاكرة، وأن يستمر صداه بعد الاستيقاظ.

تفسير نفسي-علاجي.. نداءات من اللاوعي

في المقاربة النفسية، تفهم الأحلام ذات تأثيرات الاستمرار على أنها رسائل ذات أولوية قصوى من اللاوعي. هي ليست أحلامًا عادية، بل إشارات تقول للوعي: انتبه، هناك أمر مهم. وغالبا ما ترتبط هذه الأحلام بصراعات لم تُحلّ، مشاعر مكبوتة، أو قرارات مؤجلة في حياة اليقظة.

لذلك، ولفهم هذه الأحلام، ينصح الباحثون بالتركيز على الاستمرارية العاطفية: ما الشعور الأساسي في الحلم؟ خوف؟ حنين؟ نشوة؟ ثم نسأل: أين يظهر هذا الشعور نفسه في حياتي اليومية؟ في علاقة، عمل، أو أزمة شخصية؟ بهذا الأسلوب، يصبح الحلم أداة تشخيص نفسي، لا مجرد ظاهرة غامضة.

مفارقة الأحلام التي لا تنسى

تضعنا الأحلام شديدة الوضوح أمام مفارقة لافتة: فالحلم غير حقيقي، لكن آثاره حقيقية تماما. فالتهديدات التي نواجهها أثناء الحلم لا وجود لها في الواقع، غير أن الخوف الذي نشعر به حقيقي بكل تفاصيله. والسقوط الذي لم يحدث فعلا، فإنه يترك رغم ذلك دوارا جسديا ملموسا لحظة الاستيقاظ.

إعلان

هذه المفارقة كانت، عبر التاريخ وفي مختلف الثقافات، سببا في أن تتحول الأحلام إلى مصدر دائم للتأمل والتفسير الروحي والفلسفي والديني، ومحاولة لفهم طبيعة الوعي وحدود الواقع، وما إذا كان ما نعيشه في اليقظة يختلف جوهريا عما نختبره في عالم الأحلام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا