قد تكون سرة البطن أكثر من مجرد تجويف تتجمع فيه بقايا الجلد والعرق، إذ تشير دراسة ألمانية حديثة إلى أن المركبات الكيميائية المتطايرة التي يمكن جمعها منها قد تحمل بصمات مرتبطة بأمراض مثل باركنسون والضعف الإدراكي البسيط، في نتيجة قد تمهد مستقبلا لتطوير وسائل فحص غير جراحية.

لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تزال أولية، ولا تعني أن رائحة السرة يمكن استخدامها حاليا لتشخيص أي مرض، إذ اقتصرت الدراسة على عدد محدود للغاية من المشاركين، وأُجريت في ظروف مخبرية محكمة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الذكاء الاصطناعي في الطب.. مساعدة أم أخطاء جديدة؟
* list 2 of 2 أكبر معمّرة أمريكية تحتفل بعامها الـ116.. ما سر الحياة الطويلة؟ end of list

لماذا يهتم العلماء برائحة الجسم؟

يطلق جسم الإنسان باستمرار مزيجا من المركبات العضوية المتطايرة، وهي جزيئات صغيرة يمكن أن تنبعث عبر العرق وزيوت الجلد والنَّفَس والبول واللعاب نتيجة العمليات الأيضية الطبيعية.

وقد تتغير تركيبة هذه المركبات بتأثير عوامل عدة، من بينها الغذاء والأدوية والحالة الصحية، وهو ما دفع العلماء إلى دراسة إمكانية الاستفادة من البصمات الكيميائية للجسم في رصد بعض الأمراض.

واختار الباحثون في الدراسة 3 مناطق من الجسم تقل نسبيا درجة تعرضها للصابون والعطور ومنتجات العناية الشخصية، هي:


* الجزء الأمامي من تجويف الأنف.
* سرة البطن.
* المنطقة المقعرة من صيوان الأذن.

وتوفر هذه المناطق مصدرا سهلا لجمع المركبات المتطايرة المرتبطة برائحة الجسم، خصوصا أن السرة قد تحتفظ بالزهم وخلايا الجلد والميكروبات والإفرازات المختلفة.

مصدر الصورة العلماء حاولوا دراسة إمكانية الاستفادة من البصمات الكيميائية للجسم في رصد بعض الأمراض (شترستوك)

كيف أُجريت الدراسة؟

أجرى باحثون -من بينهم عالم أجهزة الاستشعار ثورستن غراونكه من معهد فراونهوفر للدوائر المتكاملة في ألمانيا- دراسة شملت 24 شخصا، قُسموا إلى 4 مجموعات متساوية:


* 6 مصابين بمرض باركنسون.
* 6 يعانون ضعفا إدراكيا بسيطا.
* 6 مصابين بكوفيد-19.
* 6 أشخاص أصحاء للمقارنة.

وجمع الباحثون مسحات معقمة من الأنف والسرة والأذن، مع مسح كل منطقة نحو 10 ثوان، ثم جُمدت العينات قبل تحليلها.

إعلان

واستخدم الفريق تقنية تُعرف باسم مطيافية الامتصاص الضوئي الصوتي المعتمدة على الليزر، وهي تقنية تعتمد على تمرير الهواء حول المسحة لتحرير المركبات المتطايرة منها، ثم تعريضها لأشعة ليزر في نطاق الأشعة تحت الحمراء.

وعندما تمتص المركبات أطوالا موجية معيَّنة، ينتج عن ذلك تغير حراري يولّد موجات ضغط صغيرة يمكن قياسها، لتتشكل في النهاية "بصمة طيفية" للعينة.

بعد ذلك استخدم الباحثون تحليلا إحصائيا يُعرف بتحليل المكونات الرئيسية (PCA)، لمعرفة إن كانت أنماط العينات تختلف باختلاف الحالة الصحية.

ماذا كشفت النتائج؟

أظهرت التحليلات وجود أنماط مختلفة بين المجموعات الأربع، لكن درجة التمييز اختلفت بحسب موضع أخذ العينة.

وفي عينات السرة تحديدا، كان أوضح اختلاف بين الأشخاص الأصحاء والمصابين بالضعف الإدراكي البسيط، في حين جاءت عينات مرضى باركنسون وكوفيد-19 في مناطق متوسطة مع وجود تداخل جزئي بينهما.

وهذه نقطة مهمة، لأن الدراسة لم تثبت وجود مركب كيميائي واحد خاص بكل مرض، بل رصدت اختلافات في البصمة الطيفية الإجمالية للمركبات المنبعثة من العينات.

كما اختبر الباحثون 3 عينات إضافية لأشخاص مصابين بباركنسون، جُمعت بعد نحو أسبوعين من القياسات الأصلية، ووجدوا أنها وقعت ضمن النمط نفسه تقريبا الذي ظهر في المجموعة الأولى من مرضى باركنسون. ويقدم ذلك مؤشرا أوليا إلى إمكانية تكرار النمط، لكنه لا يكفي لإثبات دقته التشخيصية.

ومن النتائج اللافتة أن الباحثين وجدوا أن استخدام النطاق الكامل من الأشعة تحت الحمراء قد لا يكون ضروريا.

فبعد اختبار مجموعات مختلفة من الأطوال الموجية، وجدوا أن مجموعة من 5 أطوال موجية فقط حققت قدرة على الفصل بين المجموعات قريبة من تلك التي حققها النطاق الطيفي الأوسع.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة قد تفتح المجال مستقبلا أمام تصنيع أجهزة أصغر وأبسط لتحليل هذه البصمات الكيميائية، بدلا من الاعتماد على معدات مخبرية كبيرة ومعقدة. لكن الأمر لا يزال في مرحلة إثبات الفكرة، ولم تُطوَّر بعد أداة تشخيص سريرية تعتمد على هذه النتائج.

هل تكفي النتائج للتشخيص؟

رغم النتائج اللافتة، فإن الدراسة تواجه قيودا مهمة تمنع تحويلها حاليا إلى اختبار لتشخيص الأمراض.

فكل مجموعة لم تضم سوى 6 أشخاص، وهو عدد صغير للغاية، لا يسمح بتحديد حساسية الفحص أو دقته أو قدرته على التمييز الموثوق بين المرضى والأصحاء.

كما وجد الباحثون ارتباطا بين العمر والأنماط الطيفية المرصودة، في حين أن باركنسون والضعف الإدراكي أكثر شيوعا لدى الأكبر سنا، ولذلك لم يكن ممكنا في هذه العينة الصغيرة فصل أثر العمر تماما عن أثر المرض.

كذلك أُجريت القياسات في ظروف مخبرية محكمة، بينما قد تتأثر النتائج في الحياة اليومية بعوامل مثل النظافة الشخصية والعطور والصابون والملوثات البيئية والاختلافات الفردية.

والأهم أن الباحثين لم يطوروا أو يختبروا نموذجا تشخيصيا سريريا يستطيع تحديد مرض شخص مجهول بدقة، بل بحثوا بصورة استكشافية عن مدى انفصال الأنماط الكيميائية للمجموعات عن بعضها.

في النهاية، تقدم الدراسة دليلا أوليا على أن المركبات المتطايرة المأخوذة من مسحات السرة والأنف والأذن قد تحمل بصمات كيميائية تختلف بين الأصحاء والمصابين بباركنسون والضعف الإدراكي البسيط وكوفيد-19.

إعلان

لكن النتائج لا تعني أن "شم السرة" يمكن أن يكشف هذه الأمراض، ولا أن الفحص أصبح وسيلة للتشخيص المبكر.

وتتمثل الخطوة التالية في اختبار التقنية على مئات أو آلاف الأشخاص، مع مجموعات متقاربة في العمر وظروف أكثر شبها بالحياة اليومية، لمعرفة إن كانت البصمات المكتشفة ثابتة ودقيقة بما يكفي لتتحول يوما ما إلى فحص طبي عملي.