في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن حلا قطيفان (18 عاماً) تتوقع أن تتحول شاشة صغيرة في قاعة المركز الثقافي بمدينة درعا إلى "باب يعيدها" إلى طفولتها المفقودة. وبينما تتابع فيلماً وثائقياً عن الثورة السورية، كانت تستعيد والدها ووالدتها وشقيقها الذين غابت وجوههم في ذاكرة الحرب.
تقول حلا قطيفان للجزيرة نت إن الفيلم لم يكن مجرد مشاهدة، بل مواجهة مباشرة مع ذاكرة لم تغب عنها رغم السنوات. وتضيف: "بعض المشاهد أعادتني فوراً إلى والدي ووالدتي وشقيقي"، وهي تستعيد لحظات لم تفقد حضورها في داخلها.
كانت حلا طفلة عند اندلاع الثورة، ولم تكن تدرك سوى مشاهد متقطعة وصوت خوف دائم. ومع مرور السنوات، بدأت تتشكل لديها صورة أوضح عما جرى، قبل أن يأتي الفيلم ليعيد ترتيب تلك الذاكرة دفعة واحدة.
وترى قطيفان أن هذه الأفلام "مؤلمة لكنها ضرورية"، لأنها تروي ما حدث كما عاشه الناس فعلياً، وتساعد الجيل الذي لم يعش التفاصيل على فهم الحقيقة من مصادرها المباشرة بعيداً عن التشويه أو النقص في السرد.
خلال سنوات الثورة، بقيت معظم الأفلام الوثائقية السورية محصورة على الإنترنت ومنصات التواصل، بعيداً عن الجمهور داخل البلاد. اليوم، تعود هذه الأعمال إلى القاعات العامة، في محاولة لإعادة ربط السوريين بذاكرتهم البصرية داخل مدنهم لا خلف الشاشات فقط.
بدوره يشير المخرج سعد قنبر إلى أن الحاجة إلى الفيلم الوثائقي جاءت من شعور بوجود فجوة في توثيق تفاصيل الثورة، خصوصاً في درعا، فبينما يرتبط التقرير الصحفي بلحظة الحدث وينتهي عندها، يمتد الفيلم الوثائقي إلى ما بعدها، محاولاً إعادة قراءتها بعد سنوات.
ويوضح قنبر أن الفيلم الوثائقي لا يكتفي بسرد ما حدث، بل يسعى إلى نقل إحساس المرحلة وتفاصيلها الإنسانية، موضحاً أن عمل "كانون الأول/ديسمبر… نهاية المستحيل" حاول تقريب التجربة من المشاهد عبر الشهادات الحية والمواد الأرشيفية، بحيث يصبح أكثر قرباً من الأحداث على المستوى الإنساني وليس المعلوماتي فقط.
ويعتبر أن هذه الأفلام تمثل وثيقة تاريخية للأجيال القادمة، لأنها تحفظ الذاكرة الجماعية وتنقل حقيقة ما جرى خلال الثورة وما رافقها من تضحيات، لافتاً إلى أن الإنتاج الوثائقي ما يزال غير كافٍ أمام حجم القصص والمعاناة التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية.
ويلفت قنبر إلى أن أحد أبرز التحديات اليوم يتمثل في تغير طبيعة استهلاك المحتوى لدى الجمهور، خاصة الأجيال الشابة التي اعتادت على المواد القصيرة والسريعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل الوصول إليها عبر فيلم وثائقي طويل أكثر صعوبة. لكنه يعتقد أن عرض هذه الأعمال في الجامعات والفعاليات الثقافية، إلى جانب تسويقها بشكل مناسب، يمكن أن يفتح نافذة مهمة للتفاعل مع هذا الجيل وفهمه لتجربة السنوات الماضية.
داخل سجن صيدنايا، لم تكن الكاميرا تسجل مكاناً، بل تصطدم بذاكرة كاملة من الألم. هناك، بين الزنازين، بدأ أحد المعتقلين السابقين بسرد تفاصيل التعذيب والحياة داخل الجدران الصامتة.
وخلال تصوير فيلم "كانون الأول/ديسمبر.. نهاية المستحيل"، تنقل فريق العمل بين شهادات ناجين وذوي ضحايا وأماكن ارتبطت بانتهاكات واسعة خلال سنوات الثورة.
"يصف المصور تجربة التصوير داخل سجن صيدنايا بأنها من أصعب التجارب، لأن المكان لا يمثل مجرد مبنى، بل ذاكرة مليئة بالألم والغياب"
يقول المصور عيسى الحريري للجزيرة نت إن اللحظة كانت ثقيلة إلى درجة اضطرته للتوقف عن التصوير مؤقتاً، بعدما أعاد المكان إليه وجوه معتقلين ومفقودين لم تغادر ذاكرته. ويستعيد الحريري واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً خلال التصوير، حين دخل فريق العمل إلى سجن صيدنايا برفقة أحد المعتقلين السابقين، والذي بدأ بسرد تفاصيل الحياة داخل الزنازين وأساليب التعذيب والإهانة التي تعرض لها المعتقلون.
ويضيف أن تلك اللحظات أعادت إليه ذكريات أقارب وأصدقاء اعتُقلوا داخل السجن، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من متابعة التصوير لبعض الوقت بسبب شعوره بالاختناق والحزن، مع استحضار صور المفقودين والشهداء الذين مرّوا من المكان.
ويصف تجربة التصوير داخل صيدنايا بأنها من أصعب التجارب التي مرّ بها، لأن المكان لا يمثل مجرد مبنى، بل "ذاكرة مليئة بالألم والغياب".
يقول المخرج عبد الرحمن الكيلاني للجزيرة نت إن العمل الإعلامي السوري انتقل من نقل الحدث في ظروف خطيرة إلى إنتاج أكثر تنظيماً واحترافية مع الوقت.
وشهدت السينما تحولات كبيرة على مستوى الأدوات والموضوعات ومساحات العمل، موضحاً أن العمل الصحفي في البدايات كان أقرب إلى نقل الحدث بشكل مباشر في ظروف خطيرة، قبل أن يتطور لاحقاً إلى أشكال أكثر مهنية وتنظيماً مع تراكم الخبرات.
ويضيف أن صناعة الفيلم الوثائقي السوري المستقل مرت بمراحل معقدة، خصوصاً في ظل القيود الأمنية والمخاطر التي رافقت العمل داخل البلاد، ما دفع العديد من صناع الأفلام إلى العمل في السر أو مغادرة سوريا نحو الخارج.
ويرى الكيلاني أن التحول في السينما السورية لم يقتصر على الأدوات، بل شمل طبيعة الموضوعات أيضاً، إذ انتقلت من مشاهد القصف والدمار في السنوات الأولى إلى قضايا أكثر عمقاً مثل البحث عن المفقودين والذاكرة والعدالة وإعادة بناء المجتمع، إضافة إلى قضايا الهوية والعلاقة بين الداخل والشتات.
ويشير إلى أن الاهتمام العالمي بالسينما السورية ساهم في وصول بعض الأعمال إلى منصات ومهرجانات دولية، معتبراً ذلك مؤشراً على تطور التجربة رغم التحديات. لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن القطاع السينمائي ما يزال يفتقر إلى بنية تحتية حقيقية من معاهد إنتاج وتمويل، ما يجعل التجربة حتى الآن قائمة إلى حد كبير على المبادرات الفردية.
ويختم بالقول إن تطوير السينما السورية يحتاج إلى تعاون إقليمي ودولي لبناء صناعة مستدامة تقوم على التدريب والإنتاج والتمويل، معرباً عن أمله في أن يتحقق ذلك تدريجياً خلال السنوات المقبلة.
يرى مهتمون بالشأن الثقافي أن الأفلام الوثائقية السورية لم تعد مجرد وسيلة للتوثيق، بل أصبحت جزءاً من عملية استعادة الذاكرة الجماعية بعد سنوات طويلة من العنف والتشظي. فالصورة، بالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد أرشيفاً للحرب فقط، بل محاولة لفهم الماضي وربط جيل كامل بحكاية عاش تفاصيلها بين الخوف والفقد والنزوح.
بين شاشة العرض وقاعة المشاهدة، لا تستعاد الحرب كحدث مضى فقط، بل كذاكرة ما تزال تبحث عن معنى. وفي قاعات صغيرة داخل المدن السورية، يبدأ السوريون من جديد في النظر إلى تاريخهم، لكن هذه المرة عبر الصورة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة