تُستخدم نكهة الفانيليا على نطاق واسع في المأكولات و العطور ومواد التنظيف، بفضل توفر مادة "الفانيلين" الاصطناعية التي تُعد أقل تكلفة من الفانيليا الطبيعية .
تتميز الفانيليا الطبيعية بتركيبة كيميائية معقدة للغاية، إذ تحتوي على أكثر من 200 مركب عطري وهي واحدة من أكثر المحاصيل التي تتطلب جهدا بشريا كبيرا في العالم، وتعد ثاني أغلى التوابل في العالم بعد الزعفران، ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد منها بين 100 و 600 دولار أمريكي، ما يعادل (90 إلى 550 يورو).
يعود أصل نبات الفانيليا إلى أمريكا الوسطى حيث كانت تنمو بريا في الغابات الاستوائية نبتةُ أوركيد متسلقة تُعرف باسم "فانيليا بلانيفوليا"، وكانت تُطلق عليها المجتمعات هناك أسماء عدة، وتعتبر سلعة قيمة لدى هذه الحضارات، وكانت تستخدم في الطب والطقوس الدينية، ولتعطير المعابد، وفي مشروبات الكاكاو .
وأول من زرعوها هم شعب "التوتوناك" الذين استوطنوا المنطقة التي تُعرف اليوم بالمكسيك، وعندما أخضعهم الأزتيك لحكمهم، فرضوا عليهم تقديم الفانيليا كجزية، واستخدموها لإضفاء نكهة على مشروب "شوكولاتل"، وهو مشورب مقدس مُعد من الكاكاو كان مخصصاً للنخبة والمحاربين، ويعد السلف التاريخي للشوكولاتة الحديثة.
وتعرف عليها الإسبان بعد فرض حكمهم الاستعماري على وسط المكسيك، وهم من نقلوها إلى أوروبا، حيث أصبحت تُضاف إلى مشروب الشوكولاتة في البلاط الملكي الإسباني، ومن هناك انتشرت إلى باقي دول أوروبا، وأصبحت تستخدم في الحلويات والمعجنات.
حاول الأوروبيون زراعة نبات الأوركيد في الحدائق النباتية في فرنسا وإنجلترا لاستخلاص الفانيليا منه، لكنهم عجزوا عن جعل أزهارها تثمر، وحتى أنهم نقلوا الشتلات إلى الهند وجاوة والفلبين وجزيرة "ريونيون" الخاضعة للحكم الفرنسي، ومع أن الشتلات قد نمت وتفتحت أزهارها لكنها لم تُنتج قرون الفانيليا، وهو ما بقي لغزا محيرا لثلاثة قرون.
إلى أن اكتشف عالم البستنة البلجيكي شارل مورين أن نحلة عديمة اللسع موطنها الأصلي المكسيك، هي المسؤولة عن تلقيح أزهار الفانيليا، وتمكن مورين من تلقيح الفانيليا يدوياً داخل المختبر، لكن طريقته كانت تستغرق وقتا طويلا ولا تصلح للتطبيق على نطاق واسع.
حتى أتى إدموند ألبيوس، وهو طفل مستعبد يبلغ من العمر 12 عاما، كان يعيش في جزيرة ريونيون، وهو من تمكن من حل هذا اللغز من خلال طريقة يدوية لتلقيح الفانيليا.
لتلقيح الفانيليا استخدم ألبيوس إبهامه وشظية صغيرة لرفع الغطاء الصغير الموجود داخل الزهرة، والذي يفصل بين حبوب اللقاح والميسم، ثم ضغطهما معا، وهكذا، أنتجت أزهار الأوركيد قرون الفانيليا بعد فترة قصيرة.
هذه الطريقة جربها المؤرخ إريك تي. جينينغز، مؤلف كتاب "الفانيليا: تاريخ حبة استثنائية" بنفسه، وصرّح لـ DW : "مثل العديد من الاختراعات العبقرية، تبدو طريقته بسيطة بشكل مذهل بعد معرفتها؛ إلا أن جعل الأجزاء الذكرية والأنثوية للفانيليا تتلامس هو أمر أسهل قولاً من فعله".
وبفضل اكتشاف ألبيوس، هيمنت جزيرة ريونيون لفترة وجيزة على سوق الفانيليا العالمي، وبحلول أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، نقل الفرنسيون طريقة إدموند للتلقيح اليدوي إلى مستعمراتهم الأخرى، ومنها مدغشقر، التي لا تزال حتى اليوم أكبر منتج للفانيليا في العالم.
حتى أن طريقة ألبيوس أصبحت المعيار العالمي المعتمد في صناعة الفانيليا الدولية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بالرغم من أنها عملية بطيئة ودقيقة وتتطلب جهداً بشرياً كبيراً.
ومع ذلك، لم يجنِ ألبيوس أي أرباح من صناعة الفانيليا التي قامت بفضله، وتوفي فقيرا عام 1880، بينما كانت خزائن الاستعمار الفرنسي تزدحم بالأموال بفضل الطريقة التي ابتكرها وهو في الثانية عشرة من عمره.
ليس هذا فحسب، بل إن اكتشاف ألبيوس أعاد تشكيل المستقبل الزراعي لجزيرة ريونيون، وجلب لها الرخاء عبر تحويلها إلى أكبر منتج للفانيليا في العالم خلال 30 عاما من اكتشافه، وساعد في تنويع المحاصيل وفق المؤرخ جينينغز.
وقال جينينغز لـ DW : " إن هناك نصبين تذكاريين تكريما لإدموند (لوحة تذكارية وتمثال) في مسقط رأسه ببلدة "سانت سوزان" في الجزيرة، كما سُميت مدرستان باسمه أيضاً".
في عام 1858 عزل الكيميائيون الفانيلين المركب المسؤول عن معظم نكهة الفانيليا، ثم قاموا بتصنيعه في عام 1874، وهنا أصبحت الفانيليا سهلة التصنيع ورخيصة الثمن وأكثر انتشاراً، وسرعان ما انتشر استخدامها في المأكولات و المثلجات والعطور وغيرها من الصناعات.
أعدته للعربية: ميراي الجراح
تحرير: محمد فرحان
المصدر:
DW