في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مطلع فبراير/شباط 2026، شهد العالم الكشف عن أضخم مستودع من الوثائق الجنائية في التاريخ الحديث، حيث أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أكثر من 3 ملايين صفحة من الوثائق، و180 ألف صورة، و2000 مقطع فيديو تتعلق جميعها بقضية واحدة هي قضية "جيفري إبستين"، المتهم بالاتجار الجنسي بالقاصرات، ضمن شبكة تضم نخبة من رجال السياسة والمال في العالم الغربي.
لم تقتصر تلك الوثائق على الكشف عن الفظائع الأخلاقية، بل زلزلت عروشا سياسية في بريطانيا والنرويج، وأربكت حسابات النخبة الاقتصادية في وادي السيليكون. وعلى الرغم من هذا الحدث الجلل الذي يمس جوهر العدالة والمساءلة العالمية ويفتح الباب أمام العديد من الأسئلة المعرفية والأخلاقية الكبرى، إلا أن صخب المنصات الذي أحاط به قد تبدد تماما في أقل من 72 ساعة لصالح موجة من النوستالجيا المبرمجة تصدر فيها وسم #2016 الذي استقطب أكثر من 37 مليون منشور على إنستغرام وما يزيد على مليون مقطع على تيك توك في غضون أيام قليلة.
"نجحت خوارزميات تشتيت الانتباه في تهميش الحدث الأكثر أهمية، وتصعيد الحدث الأقل أهمية، واختار ملايين المستخدمين الانصياع لأمر الخوارزمية"
لقد نجحت خوارزميات تشتيت الانتباه في استبدال الحدث الأكثر أهمية، وتصعيد الحدث الأقل أهمية، واختار ملايين المستخدمين الانصياع لأمر الخوارزمية واستعادوا صور "سيلفي" قديمة من 10 سنوات بدلا من الانشغال بأسئلة العدالة والإنسانية واستقلال القرار الوطني التي تطرحها وثائق إبستين.
تؤكد هذه الحالة أن الوعي الرقمي عموما لم يعد قادرًا على تحمل العبء الثقيل الذي تتطلبه القضايا الكبرى، مفضلا "الترند" وما يحمله كل جديد متسارع بشكل يجعل زماننا زمنا سائلا. ونحن هنا نقف أمام مفارقة معرفية كبرى، وهي ليست مجرد صدفة تقنية أو انحراف عابر في ذوق الجمهور العالمي، بل هي على الحقيقة إعادة برمجة للذاكرة الجمعية للبشر لتكون قصيرة المدى عمدا.
إن سرعة اضمحلال الاهتمام بالقضايا الوجودية لصالح الانغماس في توافه الأمور اللحظية تشير إلى نجاح الخوارزميات المسؤولة عن تشتيت انتباهك في تفتيت الواقع والمساهمة في تشظيه، مما يسلبك القدرة على الربط بين الجزئيات المبعثرة في تفاصيل الأحداث اليومية والكليات الكبرى التي تطرحها الأسئلة الوجودية والمعرفية التي تشكل مصيرك.
"الوعي الرقمي عموما لم يعد قادرًا على تحمل العبء الثقيل الذي تتطلبه القضايا الكبرى"
عبر تاريخ البشر، ارتبطت زيادة البيانات التي يعرفها الإنسان بزيادة وعيه وذكائه وعملياته الإدراكية والمعرفية الكبرى، ولكن مع تجاوز حجم البيانات حدا معينا، حدث العكس تماما، حيث أصبحت زيادة البيانات اللحظية التي تمر أمام المرء سببا في تراجع الوعي وتضاءلت المعارف وصارت الأسئلة الكبرى رفاهية لا يصمد لبنائها نخب مثقفون ولا عوام بسطاء.
بفعل هذا الحمل المتضخم من البيانات، تحول الإنسان ذاته من فاعل تاريخي يطالب بالعدالة والحرية والقيم الكبرى، إلى مستهلك لحظي محبوس في سجن "الآن". فكيف تبني الخوارزميات -عن عمد- هذا التشتت المعرفي المدفوع بـ"الترند"؟ وكيف تحرم الإنسان من لحظات السكون المطلوبة لبناء ما عرفته الأجيال السابقة باسم الحكمة؟ وهل هناك فكاك من هذا القيد الذي يتمثل في سجن الآن وديكتاتورية اللحظة؟
كان لاختراع الطباعة أثر كبير في بنية عالم الأفكار البشري. باختراع الطباعة، بدأت أشكال نشر المعرفة النظامية المدارة من أعلى بشكل ثابت وخطي وهرمي في الظهور. وهي تدار من أعلى بشكل هرمي لأنها كانت غالبًا ما تتم بمعرفة الدولة أو حاكم الإقليم، وبشكل خطي وثابت لأنها بطبيعة الحال ناطقة عن اتجاه معرفي يدعمه هذا الحاكم ويصدق عليه المجتمع.
من خلال طباعة الكتب التعليمية والمنشورات الصحفية والطبعات الدينية، تشكلت في هذا العصر -القرن الثالث عشر- النصوص العظيمة "السميكة" التي ملأت المجال السمعي والبصري للشعوب، وألهمتها النسخة الأولى والأكثر استقرارًا من المعرفة الحديثة. صحيح أنها كانت معرفة مؤطرة وموحدة في تعريفها لذاتها وللآخرين، ولكنها منحت الشعوب طريقة لتشكيل رؤية موحدة لأسئلتها الكبرى.
"الألماني غوتنبرغ مخترع الطباعة خلق باختراعه فضاء معرفيا جديدا مختلفا تماما عن معرفة البشرية قبله"
خلق اختراع المطبعة إذن بيئة يمكن فيها استجواب الفكرة الواحدة واختبارها أو خدمتها وتعلمها وتعليمها على مدى عقود أو قرون. كان هذا عصر "الحج" كما يصفه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان: ذوات بشرية طائفة تبحث دائمًا عن معنى أعمق، وتتحرك عبر عالم مستقر وثابت. كان لاختراع المطبعة وأثره في الوعي وصف اصطلاحي معبر عن ضخامة الأثر يسميه المفكر الكندي مارشال ماكلوهان بـ"مجرة غوتنبرغ" في إشارة لأن الألماني غوتنبرغ مخترع الطباعة قد خلق باختراعه فضاء معرفيا جديدا مختلفا تماما عن معرفة البشرية قبله.
استقر هذا النموذج لقرون، وتحول إلى قانون كوني للمعرفة، حتى ظهر الانقطاع الأول فيه مع منتصف القرن العشرين، بصعود نموذج البث التلفزيوني الذي أطلق عليه المفكر الفرنسي جي ديبور "مجتمع الفرجة". لقد ظهر نمط من الاستهلاك المعرفي (المرئي) الجديد الذي قاد إلى عملية تغيير في طريقة العالم لاكتساب المعرفة في غضون سنوات معدودة بسرعة جنونية لم يستوعبها العالم حينها. كأنه تغيير يحتاج إلى قرون لكنه حدث بشكل مضغوط في عقود قلائل.
حافظ نمط مجتمع الفرجة الذي خلقه البث التلفزيوني، على المجال العام المشترك بدرجة كبيرة، فالتلفزيون يظل وسيلة معرفية تحمل نفس ثبات وخطية وهرمية المعرفة المكتوبة التي حملتها آلة الطباعة: حافظ التلفزيون على الهرمية من خلال وجود "معلم" (جهة البث / المذيع / السلطة الرمزية / السياسة التحريرية للقناة) يحتل موقعا أعلى ويملك السلطة في تقديم المعرفة المناسبة له في مقابل "متلق" (المشاهد) الذي يحتل موقع التلميذ.
كان البث التلفزيوني كذلك ثابتًا -يقدم المعرفة بشكل يقيني- كونه بثا موحدا ومتزامنا عبر كل أنحاء القطر بشكل يجعل المواطنين جميعًا يتلقون نفس الأخبار اليومية والأسبوعية بشكل متصل. إلا أن الثورة الأهم في طريقة اكتساب المعرفة والتي جعلت لحظة "مجتمع الفرجة" مختلفة عن لحظة "مجرة غوتنبرغ" كانت أنها بدأت في تحويل هذه المعرفة إلى سلعة استهلاكية.
"كان التأثير الأهم للبث التلفزيوني أنه حول المعرفة إلى سلعة استهلاكية"
يرى المنظر الإعلامي الأمريكي نيل بوستمان أن منطق التلفزيون الذي ركز لأول مرة على "الصورة"، قد حوّل الخطاب العام ذاته إلى شكل من أشكال ما يسميه "تسلية النفس حتى الموت". وقصد بوستمان هنا هو أن تحول المعرفة المنقولة للمتلقي من كونها مدونة في بطون الكتب التي يحمل عبء قراءتها القارئ الجاد إلى صورة متحركة على شاشة يصل لها المتلقي بكبسة زر، جعلت من المعرفة المقدمة عبر التلفاز سلعة هدفها الرئيس والأهم من كسب المعرفة هو التسلية، وهي ليست تسلية "غائية" أو مؤقتة للتسرية عن النفس قليلًا قبل أن يعاود المتلقي حياته الجدية، بل هي مستمرة للأبد بدون توقف طالما العرض التلفزيوني مستمر، تسلية سيظل المرء يتعرض لها "حتى الموت" فعلا.
ومع ذلك، فإن هذه الحقبة تميزت بوجود بث مستقر وثابت لكون العرض موحد عبر القطر كله؛ الاستقرار الذي بدأ يقل تدريجيًا عبر الستين عاما التالية -من الستينيات إلى عشرينيات القرن الحالي- من بث تلفزيوني موحد ومتزامن إلى تفتت خوارزمي يشاهد فيه كل إنسان محتوى يختلف عن أخيه.
على مسار هذا التقدم تطورت شبكات البث التلفزيوني المحلي أو الفضائي الدولي أو شبكة الإنترنت، وظهرت فكرة الخوارزميات الفردية التي تقدم لكل مستخدم على حدة المادة التي تعكس نمط استهلاكه. المفارقة أن تلك الخوارزميات تعطي الأولوية لكل يمنع المستخدم من اللجوء لطرح السؤال المعرفي أصلا، من خلال إعطاء الأولوية "للمحتوى الكفء".
ومعيار الكفاءة هنا ليس ما يوحي به جذر كلمة "كفء" من حسن؛ بل هو كون المحتوى (يشد الانتباه كما ينبغي)، بلا احتياج لأن يبحث عنه المستخدم. وبوصول هذا الانتباه أو هذه الكفاءة -المزعومة- لمستويات غير مسبوقة، تنجح هذه المحتويات في كسر السكون والملل عن المتلقي، فلا يمل المرء أبدًا من منصة تعرض له المحتوى الذي يحبه دون أن يحتاج للبحث عنه.
تكمن المشكلة في أن السكون والملل -الصفات التي تتلاشى بفضل هذا التطور في الكفاءة- هما للصدفة الصفتان اللتان احتاجت لهما البشرية عبر التاريخ البشري الطويل لبناء صرح "الحكمة" الذي شكل المعارف البشرية. الملل -على كراهية النفس البشرية الفطرية له- هو ضريبة طبيعية في بناء الحضارات والثقافات والمعارف، وهو شرط أساسي لكل عمل جاد وهام.
"التعلم واكتساب المعرفة ومن ثم الحضارة هي عمليات تنطوي في جانبها الأكبر على الملل والبطء والكثير من السكون والصمت"
لقد زرعت أفكار الاستهلاك في مجتمع العرض وما تلاه في نفوس البشر تصورات ساذجة تجعلهم يظنون أن بناء المعرفة والحضارة ممكن بلا ملل على الإطلاق، أو ممكن بشكل يظل "مسليا" حتى آخر لحظات حياتك "حتى الموت"، لكن الحقيقة عي نقيض هذه الفكرة تماما. التعلم واكتساب المعرفة وصناعتها وخلق الثقافة ومن ثم الحضارة هي عمليات دائمًا ما تنطوي في جانبها الأكبر على الملل والبطء والكثير من السكون والصمت.
يصف الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان هذا التحول الهام بأنه خطوة نحو "مجتمع الاحتراق". وفقا لهان حلت الأنظمة الرقمية محل عمق الكائن الإنساني ذاته. لم يعد الإنسان المعاصر قارئًا، بل أصبح مستخدمًا محبوسًا في "معسكر عمل دائم" يستنزفه. هذا المعسكر -شاشة هاتفه التي تستعبده- يتنقل معه حيث يتحرك ليحافظ على اتصاله العصبي المستمر مع الشبكة. معسكر عمل هنا وصف لكونه مستمرا منذ الاستيقاظ وحتى الوفاة، ولكنه بالتأكيد معسكر عمل مسلٍ.. مسلٍ حتى الموت كما تنبأ نيل بوستمان.
وبالانتقال إلى القرن الحادي والعشرين، وعبورنا الربع الأول منه كاملًا -إن كنتَ لم تلاحظ بعد- تغيرت أشياء كثيرة جدًا في العلاقات الاجتماعية وممارسات البشر تجاه بعضهم البعض. المثير للتأمل في هذا التغير ليس مجرد حدوثه، فالبشر كائنات دائمة التغير؛ ولكن كون هذا التغير غير قابل للعكس: بمعنى أننا لم نعد قادرين على ممارسة العلاقات الاجتماعية كما اعتاد أسلافنا أو كما اعتدنا نحن من عقود قليلة مضت، كما لو كانت ممارستنا الاجتماعية سائلا كلما تصبه في إبريق يأخذ شكله ويعجز عن الحفاظ على شكله الأول.
في السياق الرقمي مثلًا، أصبح انخراطنا مع الأخبار الاجتماعية مقرونًا بالأساس بما تحدده لنا صفحات رقمية يمكن وصفها بـ"النصوص السائلة" مثل صفحة "نيوز فيد" (news-feed) في وسائل التواصل الاجتماعي، أو الملخصات التي يصممها لنا محرك الذكاء الاصطناعي. نصوص تتغير مع كل ضغطة زر تبعا لآلاف التحديثات كل لحظة بشكل مربك، يتناقض تمامًا مع ما كانت تمثله المعرفة البشرية منذ عقود يوم كانت أكثر صلابة وديمومة و"سماكة" في شكل الكتاب والمجلة والجريدة الورقية.
"أدت السيولة المعرفية إلى تبخر الأزمات الجيوسياسية والأخلاقية على شريط الأحداث"
أدت هذه السيولة إلى تبخر الأزمات الجيوسياسية والأخلاقية على شريط الأحداث -مثل فضائح إبستين- من الوعي العام في مدة لا تزيد عن 72 ساعة. يلتهم الترند الجديد الأحداث الأكثر أهمية في الترند السابق. هذه "الأحداثية المفرطة"، أي الحصول المتتابع للكثير من الأحداث يرقق بعضها بعضًا، تخلق خطرًا حضاريًا تمنعنا فيه الذاكرة قصيرة المدى التي يتم التحكم فيها وبرمجتها بالكامل خوارزميًا- تمنعنا من مواجهة التحديات الوجودية طويلة الأمد، جيوسياسية كانت أو فكرية أو فلسفية.
مثّل الانتقال إلى صفحة "الفيد" الإلكترونية على موقع التواصل اختلافًا تامًا عن منطق صفحة (الكتاب/الجريدة/المجلة) الصلب. فـ"الفيد" هو وسط سائل، لا يعطي للأشكال الاجتماعية التقليدية وقتا كافيا للتصلب والاستقرار. ففي البيئة الرقمية الجديدة، يتحرك النص من تلقاء نفسه في شاشة ذكية بمجرد اللمس. بمجرد سحبة إصبع لأعلى تتحدث صفحة الفيد في جهازك إلى صفحة مختلفة تمامًا عن سابقتها، مما يجعل من المستحيل إعادة توليد نفس السياق والخطابات -المنشورات- السابقة.
"تحول الخوارزميات البشر من حجاج إلى سائحين. يبحث السائح عن تجارب اجتماعية عابرة ومسلية بعكس بحث الحاج عن رحلة روحية ثابتة ومستقرة"
تقوم هذه السيولة بتحويل الذات البشرية المعاصرة من "حاجّ" كما وصف باومان، إلى "سائح". يبحث السائح عن تجارب اجتماعية عابرة ومسلية بدلًا من بحث الحاج عن رحلة روحية ثابتة مستقرة عبر آلاف السنين. يتحرك السائح بخفة وعدم اتزان عبر سيل من المعلومات الممتعة وغير المؤثرة في واقعه. وفي غضون ذلك، يقلل تضخم حجم البيانات من جودة اتخاذنا للقرارات، ويشجعنا دائمًا على الاعتقاد بأن كل شيء موجود على الشبكة، فلا داعي للذاكرة البشرية.
في كتابه "تسلية أنفسنا حتى الموت"، يحدد نيل بوستمان الانتقال من الطباعة إلى الصورة بوصفه المتهم الأول بتهديد الخطاب العقلاني. يفترض بوستمان أن وسيلة التلفزيون تتطلب اختزال السياق، مع إعطاء الأولوية للحاضر على التاريخ. بعكس اقتنائك للكتاب الذي يمثل مجهودك في شرائه وقراءته تأكيدًا على استعدادك لشغل نفسك بالتفاصيل الكثيرة والمملة للكتاب والكاتب معًا.
فتحويل هذا الكتاب -إن كان رواية مثلًا- إلى عمل تلفزيوني يتطلب دائمًا حذف كثير من السياقات والأحداث الأقل تسلية لضمان أحداث أكثر قدرة على جذب انتباه المشاهد؛ فالمشاهد -على عكس القارئ- لم يبذل في جلب العمل إلا ضغطة زر واحدة لتشغيله، وبينه وبين ترك العمل إن شعر بالملل للحظة واحدة كبسة زر أخرى.
يُعدّ نقد بوستمان استكمالًا لما صاغه الفيلسوفان الألمانيان ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في كتابهما عن "صناعة الثقافة"، إذ رأيا في وسائل الإعلام "الجماهيرية" أداة لإنتاج نفوس بشرية موحدة ومنصاعة لصانع القرار في السلطة. يكمل فيلسوف ما بعد الحداثة الألماني يورغن هابرماس الرحلة في كتابه "التحول البنيوي للمجال العام" عبر وصف الأساس المعياري لهذه الحالة بدقة بالغة.
"في المجال الخوارزمي، تنتفي الندية بين المواطنين لصالح التمايز بمعيار الكفاءة الرقمي"
ففي حين يكون الشكل المثالي للنقاش العقلاني المنتج حين يلتقي المواطنون كأنداد كل واحد فيهم مساو للآخر في القوة والمنبر والرأي، يتم استبدال ذلك في العصر الرقمي، لصالح المجال العام الخوارزمي، حيث تنتفي الندية بين المواطنين لصالح التمايز بمعيار الكفاءة الرقمي: إمكانية جلب التفاعل، بدلًا من قوة الحجج، بمعنى أن أقدر المتناقشين على جلب التفاعل على محتواه هو من يربح النقاش دائمًا، إن كان ثمة نقاش أصلًا.
يشرح زيغمونت باومان في كتابه "الحداثة السائلة" تبخر أنماط المعارف الفكرية المستقرة. ففي عالم "سائل"، لم تعد المعرفة شيئًا يراكمه المرء عبر السنين بغض النظر عن الأحداث الجارية (الماجريات)، بل صارت شيئًا يجب أن يكون مناسبًا للحظة فقط. يقودنا كل ما سبق إلى "مجتمع الاحتراق" الذي يتحدث عنه الفيلسوف الكوري بيونغ تشول هان، إذ يرى هان أن النظام الرقمي الجديد يقمع الإنسان ولكن ليس من خلال القوة والعنف، وإنما من خلال الإيجابية المفرطة، أي عدم القدرة على إدارة التجارب السلبية البشرية جدًا في عصر يتميز مجاله العام بالإيجابية المفرطة والنجاح في كل شيء ووفرة الأموال ووفرة نجاحات الأشخاص ووفرة السلع عالميًا.
"وسائل التواصل والإعلام الحديثة صُممت لتكون مقاومة الإنسان للتسلية فيها في حدها الأدنى عبر التاريخ"
مع صحبة هذه الوفرة الدائمة، تجد الذات المعاصرة نفسها منهكة ومكتئبة ومنكفئة على نفسها، وتجد نفسها غير قادرة على الخروج من الذات للتفاعل مع الآخر أو العالم. لكن الإنسان المعاصر وعلى الرغم من كونه مصابا بالاكتئاب المزمن الذي يمنعه من مواجهة العالم، يظل مضطرًا ومأخوذًا بمتابعته على الشاشة طوال الوقت بشكل تستحيل العزلة عنه.
فوسائل التواصل والإعلام صُممت لتكون مقاومة الإنسان للتسلية فيها في حدها الأدنى عبر التاريخ. بمعنى آخر وكما يذكر نيل بوستمان في كتابه "تسلية أنفسنا حتى الموت" فإن أجيالنا هي أقل الأجيال البشرية قدرة على أخذ قرار العزلة. لقد نال تطور وسائل الاتصال من الخصوصية أضعاف ما قدمته من معرفة.
في كتابه "الحداثة السائلة" يشرح زيغمونت باومان تبخر أنماط المعارف الفكرية المستقرة، حيث صارت المعرفة شيئا مناسبا للحظة فقط (الجزيرة)والحقيقة، أن تقديم البشرية المعاصرة للمعرفة في حد ذاته يعد موضع شك كبير.. يوجه هان في كتابه "الإنفو-قراطية"، أي حكم المعلومات، الاتهام نحو نظم المعلومات تحديدًا، فانتشار المعلومات أنتج الانفصال لأول مرة بين المعلومات والحقيقة. كانت المعلومات مرادفة للمعرفة عبر التاريخ، كلما زادت معلومات إنسان، زادت معرفته.
ولكن في زمن ما يسميه هان بالـ "إنفو-قراطية" فإن المعلومات تقدّم للمستخدم منفصلة بلا سياق، وعابرة بلا أثر، وخالية من الاستمرارية داخل سردية واحدة، أو قضية واهتمام واحد. يتلقى الإنسان المعاصر من البيانات يوميًا أضعاف أضعاف ما كان يتلقاه القارئ المثقف منذ 100 عام. الفارق الوحيد أن القارئ المثقف منذ 100 عام كان يتلقاها جميعًا داخل كتاب واحد، وفي موضوع واحد، اختاره هو بنفسه ولم تفرضه عليه الشاشة.
"يتلقى الإنسان المعاصر من البيانات يوميا أضعاف ما كان يتلقاه القارئ المثقف منذ 100 عام، لكنها لا تجعله أكثر وعيا أو معرفة"
يصوغ الكاتب السعودي إبراهيم السكران مفهوم "الماجريات"، وهو مصطلح عربي مشتق من عبارة (ما جرى)، وذلك لشرح سياق الساحة العربية بعد عام 2001. يرصد السكران ما أسماه "الانقلاب المعياري"، حيث أدى الهوس بالأحداث اليومية ودورات الأخبار المتلاحقة إلى تهميش تراكم الحكمة المعرفي المنتظم وحاسة الاكتشاف بين صفوف المثقفين.
هذا الاهتمام المفرط بالأحداث الجارية وتعليقاتها يجعل فئات المثقفين والدعاة والقراء يضيعون وقتهم، متخلين عن الثقافة الكبرى والمعارف الفكرية العامة غير المرتبطة بالجزئيات اليومية. يقترح السكران حلًا يتمثل في التمييز بين (الكليات)، وهي المبادئ الشاملة والأعمال الفكرية الكبرى التي يجب أن تأخذ جل وقت المثقف، و(الجزئيات)، وهي الأحداث العابرة. ويضرب مثلًا بمفكرين عرب ومسلمين معاصرين نجحوا في تجاوز جزئيات الماجريات للتركيز على إنجاز مشروع فكري ضخم.
أصبحت وسائل التواصل، التي هي في حد ذاتها وسائل اكتساب المعرفة، آلية لتشويش الذاكرة بشلال من البيانات التي تنتجها الخوارزمية بشكل يمنع العقل من تسجيل أي معارف ليتحول إلى وعاء يمتلئ ويتم تفريغه باستمرار من قبل الخوارزمية. إن خوارزمية فقدان الذاكرة -إن جازت التسمية- التي أنتجتها هذه الحالة، قد جعلت من فقدان الذاكرة المستمر هذا رد فعل طبيعي تلجأ إليه المعرفة البشرية الذاتية لإدارة فيضان المعلومات. الفيضان بطبيعته يحتوي على كمية ضخمة من الماء، لكن لا يمكن لمياه الفيضان -كما لا يمكن لطوفان البيانات- أن تروي الظمآن.
"أصبحت وسائل التواصل آلية لتشويش الذاكرة بشلال من البيانات التي تنتجها الخوارزمية بشكل يمنع العقل من تسجيل أي معارف"
تخلق وسائل التواصل المعاصرة حالة من العطش المعرفي لا يرتوي فيها شارب. عطش تحمله شاشة للمستخدم تمامًا كالشاشة التي وصفها بوستمان في الستينيات، غير أن هذه الشاشة -بخلاف شاشة بوستمان- أصبحت (ذاتية) لكل مستهلك، (رقمية) في سرعة نقلها وانتشارها، (مخصصة) بما يناسب لشَغْل انتباه كل إنسان على حدة.
هذه الشاشة لم تعد نافذة للمرء على الواقع، أو حتى أداة لتوجيهه نحو منظور موحد هرمي تقوده السلطة، ولم تعد تنتج ذات المعرفة الخطية الثابتة التي ميزت العصور السابقة، بل صارت هي الحاجز بينه وبين واقعه وأسئلته، الحاجز الذي يعزل مراكز المخ العليا التي تساعد الإنسان على التفلسف والبحث عن الأسئلة الكبرى والنقد. تدير الخوارزميات البيانات، من خلال إزالة السياقات عنها، لجعل فرصة الإنسان المعاصر في طرح الأسئلة الكبرى مستحيلة عمليا داخلها.
بإجراء القياس الكمي لما يسمى بـ"فترة عمر النصف" للمنشور على منصة التواصل الاجتماعي، وهو مقياس يقيس متوسط الفترة التي يحتاجها منشور لكي يصل إلى 50% من التفاعل الإجمالي الذي يحصل عليه طوال عمره، تشير البيانات إلى تدهور مستمر في أعمار الكتابات على مواقع التواصل. على سبيل المثال تشير بيانات عام 2025 أن المنشور على منصة إكس يصل إلى نصف تفاعلاته الكلية في الـ49 دقيقة الأولى لنشره، بينما يستغرق منشور فيسبوك 81 دقيقة للوصول إلى نصف تفاعلاته.
تسجل منشورات الصور على منصة إنستغرام عمرًا أطول يصل إلى 19 ساعة لتصل إلى نصف التفاعلات الكلية، في حين أظهرت خدمة البودكاست صمودًا نوعيًا يصل إلى حوالي أسبوع لجمع نصف التفاعلات الإجمالية، أما منصة يوتيوب فيجمع الفيديو عليها نصف تفاعلاته الإجمالية في العشرة أيام التالية لنشره، وسجلت المدونات الشخصية العمر الأطول لبناء نصف التفاعل يصل إلى سنتين، في حين سجلت منصتا سناب شات وتيك توك فترة عمر النصف الأقصر على الإطلاق التي تصل إلى أقل من دقيقة.
"عندما تمتلك حضارة ذاكرة مدتها دقائق، تصبح القيم الكلية مثل العدالة مستحيلة لأن العدالة تتطلب استمرارًا للذاكرة عبر الزمن"
بإمكانك الآن تخيل الأثر الدائم الذي يصنعه فيديو على منصة تيك توك مثلًا بأخذ فترة عمر النصف مؤشرًا، لتجد أن فرصة الفيديو في صناعة الوعي تكاد تكون منعدمة في مقابل ما تقدمه المدونات الشخصية -على قلة المتفاعلين معها أصلًا- من تفاعل يمتد لسنتين كاملتين. يمكنك كذلك قياس كل ما سبق بتأثير الكتاب المنشور في أجيال ما قبل الرقمنة لتدرك كيف يتناقص الانتباه بسرعة مجنونة. عندما تمتلك حضارة ذاكرة مدتها 49 دقيقة، تصبح القيم الكلية مثل (العدالة) مثلًا مستحيلة لأن العدالة تتطلب استمرارًا للذاكرة عبر الزمن.
توفر أبحاث صوفي ليروي، الأستاذة بكلية الأعمال جامعة واشنطن، حول ما تسميه "بقايا الانتباه" دليلًا بيولوجيًا على العطش المعرفي المميز للعصر الراهن. عندما ينقل المستخدمون اهتمامهم بسرعة بين موضوعين -كما هو معتاد في العصر الرقمي- يبقى جزء من اهتمامهم مركزًا على المهمة السابقة حتى بعد محاولة الإنسان صرف اهتمامه إلى مهمة جديدة.
هذه البقايا تقلل من القدرة الإدراكية للتركيز على المهمة الحالية مما يؤدي إلى قرارات أقل جودة وانخفاض في القدرة على التذكر والاستدعاء. وفي بيئة من المقاطعات المستمرة (بسبب التنبيهات والإشعارات من مختلف التطبيقات) يكون الدماغ في حالة مستمرة من الإعاقة المعرفية التي يفرضها على نفسه.
عندما ينقل المستخدمون اهتمامهم بسرعة بين موضوعين يبقى جزء من اهتمامهم مركزًا على المهمة السابقة (شترستوك)يصف مصطلح "بقايا الانتباه" بدقة مساحات الانتباه التي تتركها المهمة السابقة وتؤثر على أداء الدماغ في المهمة الحالية. بمعنى آخر فإن المنشور السابق -سواءً أكان نصيًا أم صوتيًا أم مرئيًا- سيترك بقايا من آثار الانتباه تشوش انتباهك للمنشور التالي بشكل يحرمك من التركيز الكامل عليه. والنتيجة هي حالة مستمرة من الضغط والتآكل في صفاء الذهن تشوش القدرة على بناء الأفكار بوضوح فضلا عن الاضطلاع بالأدوار الاجتماعية أو التعليمية التي تتطلب تركيزًا طويلًا.
لهذا السبب تحديدًا يظهر الاتجاه العالمي نحو "الإيجاز": الدعوة الدائمة لتقليل طول النص وإفقار المعجم اللغوي، مع الزيادة الدائمة في المصطلحات "الترندية" السطحية بطبيعتها. يعمق هذا التشوه المزدوج -ما تسببه بقايا الانتباه وما تسببه الدعوة إلى الإيجاز- من الفقر اللغوي الدائم لصالح تعزيز "لغة الترند" التي تنشأ في أحشاء اللغة الأصلية بشكل يقتلها، لغة الترند المخلقة حديثا هي لغة أورويلية -تشبه اللغة الفقيرة التي أنتجها النظام القمعي في رواية 1984 للكاتب البريطاني جورج أورويل- لا تتعرف على الأفكار العميقة ولا تملك الكلمات التي تصفها أو تشرحها، فتمنع مستعمليها من اكتساب المعرفة بنيويًا في صمت قاتل.
"لا تتعرف لغة الترند على الأفكار العميقة ولا تملك الكلمات التي تصفها أو تشرحها، فتمنع مستعمليها من اكتساب المعرفة في صمت قاتل"
يمكننا القول إذن، بأن "الترند" لا يشغل المجال العام فقط بشكل يمنع من الاهتمام بالقضايا الكبرى؛ بل هو يمارس عدوانًا معرفيًا أعمق بالتهامه القدرة الإدراكية على فهم الأحداث في سياقها التاريخي والعالمي أصلًا. يتجلى هذا في ظاهرة بقايا الانتباه العصبية والاتجاهات الاجتماعية للانشغال بالماجريات.
هذا الميل لنسيان المعلومات بسهولة -لنقص كفاءة الدماغ في التركيز- يهون من شأنه "تأثير غوغل"، أي الميل لنسيان المعلومات إن تأكدت من إتاحتها على الإنترنت دومًا- مما يخلق اعتمادًا أكبر على التكنولوجيا غير معتاد في التاريخ البشري. تشير علوم الإدراك إلى أن الذاكرة البيانية الضخمة الموجودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي أصبحنا نتعامل معها يوميًا قد تعرض خيال الإنسان للخطر، لأن الذاكرة البشرية تعتمد في قوتها بالأساس على قدرتها على اختيار ما تنساه من خلال النسيان الانتقائي، وبالتالي فإن إتاحة المعلومات الهامة الدائمة على الشبكة تسهل على الذاكرة البشرية المعاصرة أن تنسى الأحداث الكبرى التي يجب أن تشكل الوعي -أكثر من أي وقت مضى.
علوم الإدراك تشير إلى أن الذاكرة البيانية الضخمة الموجودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي أصبحنا نتعامل معها يوميًا قد تعرض خيال الإنسان للخطر (شترستوك)في عام 1986 تأسست في إيطاليا حركة تسمي نفسها "سلو فود" (Slow Food) للدفاع عن التقاليد الغذائية التقليدية، وتعزيز تناول طعام طيب ونظيف وعادل في معارضة للوجبات السريعة (Fast Food) ونمط الحياة المتسارع. تركز الحركة على الاستمتاع بالطعام، وحماية التنوع البيولوجي، ودعم المنتج المحلي، والزراعة المستدامة.
توسعت الحركة في أكثر من 160 دولة، وتضم مجموعات محلية تعمل على تعزيز العلاقة بين الغذاء والسياسة، والثقافة، والكوكب. نقترح هنا قياسًا على نهج هذه الحركة الدعوة إلى مبادئ إطار معرفي بطيء، لا يرفض التكنولوجيا بشكل كلي ولكنه يقدم نمطًا متكيفًا من اكتساب المعرفة يعطي الأولوية للمرونة والحساسية الأخلاقية.
يتطلب الإطار إنشاء مسار بطيء لإنتاج واستقبال المعرفة بعدة تكتيكات يمكن تجربتها شخصيًا وجماعيًا، أولها هو أخذ الملاحظات والقراءة الكثيفة. يمكنك أن تباشر تصفحك لوسائل التواصل الاجتماعي، مع استعمال أداة أخذ الملاحظات المكتوبة بخط اليد لما تجده في نفسك من أفكار، تساعدك هذه الأداة -الملاحظات اليدوية- على استدعاء التركيز بشكل أفضل، وتساعد في منعك من ظاهرة إعادة التصفح -أي إعادة تحديث الصفحة الرئيسية بعد إنهاء تصفحك. تزيد فعالية هذه الخطوة إن قمت بالتركيز بشكل تدريجي على قراءة النصوص المكثفة الأطول حجمًا والأكثر عمقًا وكثافة.
"يمكنك أن تباشر تصفحك لوسائل التواصل الاجتماعي، مع استعمال أداة أخذ الملاحظات المكتوبة بخط اليد لما تجده في نفسك من أفكار"
التكتيك الثاني الذي ننصح به هو ما يعرف بـ"كتل التفكير". يعرف كثير من المحتكين بمجال المذاكرة نمط "بومودورو" (pomodoro) للتركيز الذي يعتمد على فكرة 25 دقيقة للتركيز و5 دقائق للاسترخاء. يمكن استخدام هذه الأداة نفسها في التصفح الرقمي لوسائل التواصل، فالمخ وإن كان يتلذذ بتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه يعامل هذا التصفح باعتباره نوبات من التركيز.
لذا فأخذ استراحة من التصفح لمدة 5 دقائق كل 25 دقيقة تساعد الدماغ على تجديد نشاطه والتخلص من بقايا الانتباه السابقة. بالتأكيد استعمال نمط "بومودورو" في إنجاز المهام اليومية الأخرى، والحرص على إيقاف إشعارات وسائل التواصل أثناء إنجاز المهام سيجعل ساعات التصفح تتضاءل بشكل أكثر صحية من المحاولات القسرية المباشرة لمقاطعة وسائل التواصل.
في غضون ذلك تمسك بحقك في أن تكون تعيسا. يقول هان إن من حق المرء دائمًا ألا يكون كاملا ومنجزًا ومستمرًا في الاجتهاد لتحسين ذاته. يساعدك هذا التذكر الدائم على مقاومة الانتباه لكثير من المحتوى الرقمي الذي يركز على تطوير الذات، ليخلق ذاتًا استهلاكية أكثر نجاحًا. ينصحك هان بتجاهل هذا المحتوى، واختيار التعاسة وعدم الإنتاج أحيانًا من باب التغيير. لكي تتمكن من أن تكون أكثر سواءً، وأقل مشابهةً للآلات.
"يمكنك اختيار التعاسة وعدم الإنتاج أحيانا، هذا يجعلك أكثر سواء، وأقل مشابهة للآلات"
وأخيرا في حال جهزت خططًا للمعرفة، احرص على أن تكون هذه الخطط مكونة من وحدات قابلة للانفصال عن بعضها لأي سبب، سيساعدك هذا بعد نوبات الإحباط من الانقطاع على الاستئناف من حيث انتهيت لا الاضطرار للبدء من البداية. احرص على ترك الكتاب عند نهاية الفصل لا في منتصفه. واحرص كذلك على تدوين تقدمك يدويًا لكي لا تنساه في حال اجتذبتك وسائل التواصل الاجتماعي لأي سبب في منتصف المهمة.
استعمال أداة أخذ الملاحظات المكتوبة بخط اليد أثناء تصفحك وسائل التواصل الاجتماعي يساعدك على استدعاء التركيز بشكل أفضل (شترستوك)في العام الدراسي 2024-2025 واجهت الجامعات في العالم كله أزمة ضخمة تتعلق بالنزاهة الأكاديمية، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي التوليدي كان قد وصل مستويات غير مسبوقة في إنجاز المهام وكتابة المحتوى الأكاديمي بالنيابة عن الباحثين. اضطرت المؤسسات في النهاية إلى التصالح مع وجود هذه النماذج واستحداث نماذج تعليمية هجينة تدمج بين المحتوى التعليمي التقليدي والاعتراف بدور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الهجين. في ظل هذا التحول الاضطراري، تصاعدت أصوات قلقة من أن القراءة بوصفها عملية "بطيئة ومستدامة" تتناقص باستمرار ليحل محلها الانتباه المفرط والقدرة على الانتقال السريع بين تدفقات المعلومات.
تقدم فيلسوفة التعليم الأمريكية أليسون ماكنزي اقتراحًا للحل في "نظرية المعرفة ما بعد الرقمية". تقول ماكنزي إن تعلم الطلاب استخدام التقنية الحديثة للذكاء الاصطناعي في بناء معرفة نقدية للنصوص الطويلة -تتناول النص بالتقييم والتحقق من الصحة ومقارنة ادعاءات الحقيقة وتقديم رؤى ناقدة للدفوع- سيدفع عملية القراءة إلى زاوية جديدة تتجاوز ثنائية الملل والتفاعلية. فبناء النص النقدي سيضطر الطلاب إلى زيارة النص الأصلي برؤى أكثر تحليلية مما سيسهل قراءته في نهاية المطاف.
"التآكل المعرفي للأسئلة الكبرى هو التحدي الحضاري الأبرز لعصرنا الحالي"
إن التآكل المعرفي للأسئلة الكبرى هو التحدي الحضاري الأبرز لعصرنا الحالي؛ فقد ولجنا بالفعل إلى عصر "الإنفو-قراطية" ولا فكاك من أن تلوث الخوارزميات مجالنا المعرفي. نجحت خوارزمية فقدان الذاكرة في تقصير أفق زماننا مما جعل الفهم المنهجي للسرديات الكبرى شبه مستحيل.
لا فكاك إذن للمثقف الجاد اليوم من أن يعلن الحرب على هذه الحالة، وأن يرفض فكرة أن جدوى المحتوى تتأتى من مناسبته لـ "هنا والآن" بغض النظر عن قيمته الحقيقية. كما أن الحفاظ على عضلات الذاكرة البشرية هي مقاومة هامة لأثر غوغل على الاحتفاظ بالمعلومات. ينبغي أن نبني معرفة بطيئة من الحيرة والتساؤل والهشاشة أحيانا، وأن نتعلم كيف تتوقف أفكارنا عن أن تكون حاسمة وأن توهمنا التكنولوجيا والخوارزميات أننا نعرف كل شيء.
في المرة القادمة التي تظهر لك قضية فكرية هامة أو فضيحة أخلاقية ضخمة أو حدث سياسي مزلزل، احرص على ألا يتحول إلى مجرد وسم يتلاشى بظهور وسم جديد. العودة إلى الأسئلة التي لا تموت هي السبيل الوحيد لاستعادة كرامة العقل البشري. إن استعادة السيطرة على زماننا هي فعل سياسي وأخلاقي، كما أن الدفاع عن العمق المعرفي البطيء هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة جنون الحياة السريعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة