في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أكثر من 20 عاما، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) عام 2004 مرصد "سويفت" الفضائي بكلفة بلغت نحو 250 مليون دولار، واضعة أمامه مهمة لا تتجاوز عامين لرصد انفجارات أشعة غاما، وهي أعنف الانفجارات المعروفة في الكون. لكن نجاح المرصد فاق جميع التوقعات، فاستمرت مهمته أكثر من 22 عاما، ليصبح أحد أهم المراصد المتخصصة في مراقبة السماء المتغيرة.
واليوم، يواجه المرصد خطرا حقيقيا بعد أن بدأت مقاومة الغلاف الجوي العلوي للأرض، التي ازدادت بسبب النشاط الشمسي والعواصف الشمسية، في سحب مداره تدريجيا نحو الأرض، ما يهدد باحتراقه في الغلاف الجوي قبل نهاية العام الحالي إذا لم يُتخذ إجراء سريع لإنقاذه.
بدلا من ترك المرصد ينتهي كما يحدث عادة مع كثير من الأقمار الصناعية، قررت ناسا تنفيذ مهمة إنقاذ جريئة تحمل اسم سويفت بوست (Swift Boost)، بكلفة تبلغ 30 مليون دولار، بالتعاون مع شركة "سبيس كاتاليست" (Katalyst Space) الأمريكية.
ومن المقرر أن تنطلق المهمة اليوم الثلاثاء 30 يونيو/حزيران 2026، عند الساعة 1:23 بعد الظهر بتوقيت مكة المكرمة، على متن صاروخ "بيغاسوس إكس إل" الذي سيُطلق جوا من الطائرة "ساترغيزر" فوق جزيرة "كواجالين" في جزر مارشال، في آخر رحلة لهذا الصاروخ التاريخي.
وستستخدم الشركة مركبة فضائية جديدة تحمل اسم "لينك" (LINK)، وهي مركبة روبوتية صغيرة بحجم ثلاجة تقريبا، مزودة بمحركات أيونية وأذرع روبوتية ومستشعرات دقيقة، لتلتحم بمرصد سويفت ثم ترفع مداره تدريجيا خلال عدة أشهر، بما يضمن استمرار عمله خمس سنوات إضافية على الأقل إذا نجحت المهمة.
وتُعد هذه أول محاولة في التاريخ لإعادة رفع مدار تلسكوب فضائي لم يُصمم أصلا لاستقبال عمليات صيانة أو إنقاذ في الفضاء.
قد يبدو إنفاق 30 مليون دولار لإنقاذ مرصد تجاوز عمره التصميمي أمرا غير منطقي، إلا أن العلماء يؤكدون أن سويفت ما يزال يؤدي وظيفة لا يستطيع أي مرصد فضائي آخر القيام بها.
فبينما يحتاج تلسكوب هابل أحيانا إلى يومين لإعادة توجيه نفسه نحو هدف جديد، يستطيع سويفت تغيير اتجاهه خلال دقائق معدودة فقط، لالتقاط انفجارات أشعة غاما التي قد تستمر ثوانٍ معدودة ثم تختفي إلى الأبد.
وقال الباحث الرئيسي للمهمة "براد سينكو" من جامعة ولاية بنسلفانيا: "الكون مكان شديد الديناميكية، ففي كل ثانية تقريبا ينفجر نجم ضخم في مكان ما من الكون".
وأضاف: "أصبح سويفت المستجيب الأول لناسا، ومن خلال تكامله مع بقية المراصد نستطيع دراسة ظواهر يستحيل على مرصد واحد فهمها بمفرده".
وخلال سنوات عمله، ساعد المرصد العلماء على تأكيد أن العناصر الثقيلة مثل الذهب والبلاتين تتشكل في الانفجارات الكونية الناتجة عن اندماج النجوم النيوترونية والانفجارات النجمية، كما رصد عام 2022 ألمع انفجار لأشعة غاما سُجل حتى الآن، والذي أطلق عليه العلماء اسم "الأعظم على الإطلاق" (Brightest Of All Time)، أو "بوت" (BOAT).
بدأت ناسا التخطيط للمهمة في سبتمبر/أيلول 2025، أي قبل أقل من عام من الإطلاق، وهو زمن قياسي لبناء مركبة فضائية جديدة بالكامل قادرة على الالتحام بمرصد لم يُصمم لهذه المهمة.
ويوضح "كيرن ويلسون"، الباحث الرئيسي لمركبة "لينك" في شركة "سبيس كاتاليست" بقوله: "كل جزء من هذه المهمة تحكمه حالة الاستعجال الاستثنائية التي فرضها وضع مرصد سويفت".
وأضاف أن الشركة اعتمدت على خبرات ناسا لتجنب الأخطاء وإجراء سلسلة طويلة من الاختبارات والمحاكاة قبل الإطلاق.
بعد وصول المركبة إلى المدار، ستقضي عدة أسابيع في اختبار أنظمتها، ثم تبدأ عملية الاقتراب من سويفت والإمساك به بأذرعها الروبوتية، قبل رفع مداره ببطء لمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر.
أما إذا أخفقت المهمة، فلن يتغير المصير كثيرا، إذ سيعود المرصد إلى الغلاف الجوي ويحترق كما كان سيحدث على أي حال، وهو ما يجعل المخاطرة العلمية مقبولة مقارنة بالمكاسب المحتملة.
لا تقتصر أهمية المهمة على إنقاذ مرصد واحد، بل تمثل اختبارا لمستقبل جديد في صناعة الفضاء، يتمثل في صيانة المركبات والأقمار الصناعية وإطالة عمرها بدلا من استبدالها.
وترى شركة "سبيس كاتاليست" أن نجاح المهمة سيفتح سوقا جديدة لخدمات صيانة الأقمار الصناعية، وقد حصلت بالفعل على عقد من قوة الفضاء الأمريكية لتطوير نسخة أكبر من هذه التقنية في مهمة مقررة عام 2027.
أما مدير قسم الفيزياء الفلكية في ناسا شون دوماغال-غولدمان، فأوضح أن الوكالة لا تنوي إنقاذ كل قمر صناعي يهبط مداره، لكنه شدد على أن "سويفت ليس مركبة عادية، بل مرصد يمتلك قدرات فريدة لا يمكن تعويضها".
وفي الوقت نفسه، أوقف فريق المهمة معظم العمليات العلمية منذ فبراير/شباط 2026 الماضي لتقليل استهلاك الطاقة وإبطاء انخفاض المدار، أملاً في كسب الوقت حتى وصول مركبة الإنقاذ.
ختاما، تجسد مهمة إنقاذ سويفت أكثر من مجرد محاولة لإطالة عمر تلسكوب فضائي؛ فهي تعكس فلسفة جديدة في استثمار المعرفة، حيث لا تُقاس قيمة الأجهزة بعمرها الزمني، بل بما تواصل تقديمه من اكتشافات تغير فهمنا للكون.
وإذا نجحت المهمة، فقد تصبح بداية عصر جديد تُصان فيه المراصد والأقمار الصناعية كما تُصان المختبرات على الأرض، لتظل المعرفة البشرية تتقدم بخطوات أكثر استدامة، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي ليس في المعدّات، بل في استمرار رحلة الاستكشاف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة