وصل تلسكوب "نانسي غريس رومان" (Nancy Grace Roman)، أحدث المراصد الفضائية الكبرى التابعة لوكالة ناسا، إلى مركز كينيدي الفضائي في ولاية فلوريدا الأمريكية، إيذانا ببدء المرحلة الأخيرة من الاستعدادات قبل إطلاقه المرتقب في أواخر أغسطس/آب المقبل على متن صاروخ "فالكون هيفي" التابع لشركة سبيس إكس.
ويحمل التلسكوب اسم عالمة الفلك الأمريكية "نانسي غريس رومان"، التي تُعرف بلقب "أم هابل" لدورها المحوري في تأسيس برنامج التلسكوبات الفضائية في وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وقد جرى نقل المرصد من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا في ولاية ماريلاند إلى ميناء بالتيمور، قبل أن تشحنه الوكالة عبر البارجة البحرية "بيغاسوس" على طول الساحل الأطلسي وصولا إلى فلوريدا.
ويزن المرصد نحو 8200 كيلوغرام، ليصبح أحد أكبر وأهم المشاريع الفلكية التي تستعد ناسا لإطلاقها خلال العقد الحالي.
بعد وصوله إلى منشأة تجهيز الحمولات الفضائية الخطرة في مركز كينيدي، بدأ المهندسون سلسلة من عمليات التنظيف وإزالة الملوثات التي قد تكون علقت بالحاوية الواقية أثناء الرحلة البحرية.
وسيُنقل التلسكوب إلى غرفة نظيفة عالية التعقيم حيث سيخضع لاختبارات نهائية تشمل فحص الألواح الشمسية الستة، وأنظمة العزل الحراري، والمكونات المسؤولة عن إدارة درجات الحرارة في الفضاء.
كما سيجري تزويد المركبة بنحو 1100 لتر من وقود الهيدرازين، وهو وقود كيميائي سائل شديد السمية يُستخدم في أنظمة الدفع الفضائي لتوجيه المرصد إلى مداره النهائي وإجراء المناورات التصحيحية الدقيقة طوال فترة عمله.
وتستهدف ناسا حاليا موعد إطلاق لا يسبق 30 أغسطس/آب 2026، وهو موعد يأتي قبل نحو ثمانية أشهر من الجدول الزمني الأصلي للمهمة، ما يعكس التقدم السريع الذي حققته فرق التطوير والاختبار.
بعد الإطلاق سيتجه المرصد إلى نقطة لاغرانج الثانية بين الأرض والشمس، الواقعة على بعد نحو 1.6 مليون كيلومتر من الأرض في الاتجاه المعاكس للشمس.
وتتميز هذه المنطقة بتوازن الجاذبية بين الأرض والشمس، ما يسمح للمركبات الفضائية بالعمل بكفاءة عالية مع تقليل استهلاك الوقود.
ومن المتوقع أن تستمر المهمة الأساسية خمس سنوات على الأقل، مع إمكانية تمديدها لعقد كامل أو أكثر إذا ظلت الأجهزة العلمية والاحتياطيات الوقودية بحالة جيدة.
وسينضم رومان إلى نخبة المراصد الفضائية الشهيرة مثل "هابل" و"جيمس ويب" و"تشاندرا"، لكنه سيتميز بقدرته على مسح مساحات واسعة من السماء بسرعة غير مسبوقة، الأمر الذي يمنحه ميزة فريدة في دراسة البنية الكونية على نطاق هائل.
يحمل التلسكوب مرآة رئيسية بقطر 2.4 متر، وهي مماثلة تقريبا لمرآة هابل، لكنه مزود بكاميرا ضخمة تبلغ دقتها 300 مليون بكسل، إضافة إلى جهاز متطور لحجب ضوء النجوم الساطع يسمح بتصوير بعض الكواكب الخارجية مباشرة.
وتهدف المهمة إلى دراسة طبيعة الطاقة المظلمة، وهي الظاهرة الغامضة التي يعتقد العلماء أنها مسؤولة عن التسارع المستمر في تمدد الكون.
كما يتوقع أن يرصد التلسكوب مليارات المجرات، ويكتشف مئات الآلاف من الكواكب الخارجية، ويرصد مئات الثقوب السوداء، ويوفر كميات هائلة من البيانات اليومية التي ستساعد العلماء على فهم تطور الكون عبر مليارات السنين.
وتؤكد ناسا أن المرصد سيسهم أيضا في رسم خريطة لتوزيع الكواكب في مجرتنا، وتحسين فهمنا للأنظمة الكوكبية المشابهة للنظام الشمسي.
يمثل وصول تلسكوب رومان إلى فلوريدا أكثر من مجرد خطوة لوجستية تسبق الإطلاق؛ فهو إعلان عن اقتراب فصل جديد في رحلة الإنسان لفهم الكون. فبعد عقود من الإنجازات التي حققتها مراصد مثل هابل وجيمس ويب، تستعد البشرية للحصول على عين جديدة قادرة على النظر إلى مساحات أوسع وأعماق أبعد من الفضاء.
وربما تكمن قيمة هذه المهمة في أنها تذكرنا بأن أعظم الاكتشافات تبدأ دائما بسؤال. فكل مجرة جديدة يرصدها التلسكوب، وكل كوكب بعيد يكتشفه، قد يحمل جزءا من الإجابة عن أسئلة صاحبت الإنسان منذ أن رفع عينيه إلى السماء متسائلا عن أصل الكون ومصيره ومكانه فيه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة