نجحت دراسة حديثة في وضع الإصبع على القياس الأكثر دقة لسرعة توسع الكون حتى الآن. ورغم أن هذا الاكتشاف يعد إنجازا علميا كبيرا، فقد زاد من حيرة العلماء حول لغز قديم يُعرف بـ"توتر هابل"، مما يفتح الباب لتساؤلات جديدة حول طبيعة الفضاء والزمن.
منذ عقود، يحاول العلماء الإجابة على سؤال بسيط في ظاهره، معقد في تفاصيله: بأي سرعة يتمدد الكون؟ لكن المشكلة تكمن في وجود طريقتين أساسيتين للقياس، وكل منهما تعطي نتيجة مختلفة:
الطريقة الأولى: وتعتمد على "خلفية الأشعة الكونية" (وهي بقايا الضوء الناتج عن الانفجار العظيم)، وتقول إن السرعة تبلغ حوالي 67 كيلومترا في الثانية لكل "ميغابارسيك" (وحدة قياس فلكية)، ويجعل قطر الكون المحسوب 86 مليار سنة ضوئية فقط.
الطريقة الثانية: وتعتمد على مراقبة المجرات القريبة والنجوم المتفجرة (السوبرنوفا)، وتعطي رقما أعلى يصل إلى 73 كيلومترا في الثانية، ويجعل قطر الكون المحسوب 93 مليار سنة ضوئية.
هذا التناقض بين الرقمين هو ما يسميه العلماء "توتر هابل"، وهو ليس مجرد خطأ حسابي بسيط، بل فجوة كبيرة تدل على أن هناك شيئا ما لا نفهمه في قوانين الفيزياء.
الدراسة التي نشرت في مجلة "أسترونومي أند أستروفزكس" (Astronomy & Astrophysics)، وقادها فريق دولي من الباحثين، حاولت إنهاء هذا الجدل عبر دمج الطريقتين في إطار عمل واحد وموحد. فقد استخدم الفريق شبكة بيانات ضخمة جمعت على مدار عقود لتصل إلى النتيجة الأكثر دقة وهي 73.5 كيلومتر في الثانية.
يقول "آدم ريس"، الحائز على جائزة نوبل والمشارك في الدراسة: "تأكيد هذا التوتر يجعل من الضروري جدا أن نعيد فحص أسس نماذجنا الكونية الحالية، والبحث عن ظواهر جديدة قد تكون هي المسؤولة عن تغيير تطور الكون"، وفق ما نقل عنه موقع ديلي غلاكسي (dailygalaxy) المتخصص بالفلك.
وإذا كان هذا الرقم (73) لسرعة التمدد هو القدر الصحيح، فهذا يعني أن هناك "قوة خفية" أو طاقة مظلمة تزداد قوتها مع الزمن وتدفع الكون للتوسع بسرعة أكبر مما توقعنا، وقد يعني هذا أن حجم الكون النهائي وشكله المستقبلي سيختلف تماما عما هو مدون في الكتب العلمية الحالية، أو ربما نحتاج إلى تعديل فهمنا لقوانين الجاذبية نفسها.
لم تعد القصة الآن مجرد البحث عن "رقم"، بل أصبحت تتعلق ببناء إطار عمل مشترك يجمع مجهودات المجتمع العلمي. ومع وصول الجيل القادم من التلسكوبات والتقنيات الحديثة، يأمل الفلكيون أن يقودهم هذا التناقض إلى اكتشافات مذهلة تعيد تشكيل فهمنا للكون الذي نعيش فيه.
وفي حين أصبحنا نعرف الآن "كم" يبلغ تمدد الكون بدقة أكبر، فإن هذا الرقم يخبرنا بوضوح أن "كيف" و"لماذا" لا تزال أسرارا تنتظر من يكشفها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة