شهد المتابعون يوم أمس الثلاثاء 7 أبريل/نيسان لقاء استثنائيا عن بعد، جمع بين بُعدين من تاريخ استكشاف الفضاء، هما طاقم مهمة " أرتميس-2″ العائد من محيط القمر وطاقم محطة الفضاء الدولية الذين يواصلون عملهم في مدار الأرض.
ولم يكن هذا الاتصال مجرد تبادل تقني للإشارات، بل لحظة جسّدت انتقال الإنسان من حدود المدار القريب إلى آفاق الفضاء السحيق.
تم الاتصال خلال مرحلة العودة من المهمة، بعد أن أكمل طاقم "أرتميس-2" التفافه التاريخي حول الجانب البعيد من القمر وبلوغه مسافة 406 ألفا و771 كيلومترا من الأرض، وبدأ رحلة الإياب نحو الأرض على متن مركبة "أوريون".
قاد الحوار من جانب محطة الفضاء الدولية رائدة الفضاء الأمريكية "جيسيكا مير" التي رحّبت بزملائها الروسي "أندريه فيديايف"، والأمريكي "جاك هاثاوي"، ورائدة الفضاء الفرنسية "صوفي أدينو". بينما تحدث من جهة "أرتميس" قائد المهمة "ريد وايزمان" إلى جانب زميليه الأمريكيين "كريستينا كوخ" و"فيكتور غلوفر" وزميله الكندي "جيرمي هانسن".
وجرى الاتصال في وقت كانت فيه المركبة تندفع عبر الفضاء بسرعة هائلة تجاوزت ألفي كيلومتر في الساعة، بعد يوم واحد من تحقيق أحد أبرز إنجازات المهمة.
أبرز ما ميّز هذا اللقاء هو الفارق الهائل في الموقع بين الفريقين. فبينما كانت محطة الفضاء الدولية تحلّق على ارتفاع يقارب 400 كيلومتر فقط فوق الأرض، كان طاقم "أرتميس-2" قد وصل إلى مسافة تقارب 325 ألف كيلومتر خلال رحلته، محققا رقما قياسيا جديدا كأبعد مسافة يصل إليها البشر، متجاوزين إنجاز "أبولو-13" في 1970 بـ 6 آلاف كيلومتر.
هذا التباين جعل من الحوار أشبه بجسر صوتي يربط بين "البيت المداري" للبشرية وبين حدودها الجديدة في الفضاء. وبسبب هذه المسافة الكبيرة، فقد كان الصوت يتأخر في الوصول مدة ثانيتين كاملتين ذهابا وإيابا، إذ الإشارة تنتقل بسرعة الضوء الذي يسير بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية.
لم يقتصر الحديث على التحيات، بل حمل بعدا عمليا مهما، فقد أكدت "كريستينا كوح" أن خبرتها الطويلة في محطة الفضاء الدولية كانت أساسا في نجاح المهمة، خاصة في إدارة الموارد والتكيف مع انعدام الجاذبية.
من جانبها، أعربت "جيسيكا مير" عن إعجابها بما حققه الطاقم، معتبرة أن هذه الرحلة تمثل امتدادا طبيعيا لما بُني على مدار عقود في المدار الأرضي.
عند سؤال طاقم "أرتميس" عن مشهد الأرض، جاءت الإجابة مؤثرة؛ إذ وصف "ريد وايزمان" الكوكب بأنه يبدو من تلك المسافة "هشا وجميلا بشكل لا يُصدق"، بينما أشار زملاؤه إلى أنه يتحول تدريجيا إلى كرة زرقاء صغيرة وسط ظلام كوني هائل.
هذا المنظور، كما أكد الرواد، يعيد تعريف علاقة الإنسان بكوكبه، ويعزز الشعور بوحدة المصير.
ورغم الطابع التاريخي للمكالمة، لم تغب عنها الروح الإنسانية، حيث تبادل الرواد بعض التعليقات الودية حول تفاصيل الحياة اليومية في الفضاء، في إشارة إلى الترابط العميق بينهم رغم مئات الآلاف من الكيلومترات التي تفصلهم.
ويأتي هذا الاتصال ضمن مهمة تمتد لنحو 10 أيام، تمثل أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من نصف قرن، وتمهد الطريق لبعثات لاحقة تهدف إلى إعادة البشر إلى سطحه.
لكن، بعيدا عن الأرقام والإنجازات التقنية، حمل هذا الاتصال رسالة أعمق هي أن استكشاف الفضاء ليس مجرد تقدم علمي، بل رحلة إنسانية مشتركة، تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة