نفى الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي علمه بتحركات عدد من مساعديه إلى العاصمة الليبية طرابلس، وذلك خلال جلسة استماع استمرت نحو ثماني ساعات، ضمن جلسات الاستئناف في قضية الاشتباه بتمويل ليبي لحملته الرئاسية عام 2007. وقال ساركوزي إنه لم يكن على دراية برحلات كل من كلود غيان وبريس هورتفو إلى ليبيا، مؤكداً سعيه للنأي بنفسه عن أي علاقات مشبوهة داخل دائرته المقربة.
وخلال الجلسة، التي عُقدت الثلاثاء 7 أبريل، شدد ساركوزي على أنه لم تربطه سوى لقاءين فقط بالوسيط زياد تقي الدين الذي توفي لاحقًا، معرباً عن استغرابه من عدم تسليط الضوء على دوره، مشيراً إلى أنه شعر بنفور منه منذ البداية، قائلًا: «لديّ ذكريات سيئة عنه، وشعرت بنفور فطري تجاه غروره»، مضيفاً: «ما يثير استغرابي هو أن أحدًا لا يبدو أنه يسأل من هو السيد تقي الدين هذا. هل أتيحت له أي فرص في وزارة الداخلية؟».
ساركوزي: قطعت علاقتي بتيري غوبير
وأكد الرئيس الفرنسي الأسبق أنه قطع علاقته بالمقرب السابق تيري غوبير منذ عام 1994، ونفى أي صلة برجل الأعمال ألكسندر جوهري خلال الفترة بين 2002 و2007، رغم ورود معطيات تفيد باستقباله 14 مرة في قصر الإليزيه ولقائه 59 مرة مع غيان.
وخلال تفتيش منزل جوهري، عثرت الشرطة على وثائق تحمل شعار قصر الإليزيه. ويؤكد نيكولا ساركوزي: «ربما كان كلود غيان هو من أعطاها له، ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك، فقد كان تصرفًا غير حكيم. لكن هذه الوثائق ذات أهمية ثانوية نسبيًا». يذكر أن كلود غيان، البالغ من العمر 81 عامًا، مريض وقد أُعفي من حضور الجلسة.
أما فيما يتعلق بسياسة المصالحة مع ليبيا، فقد قال ساركوزي إن الرئيس السابق جاك شيراك بدأها قبل زيارته لطرابلس بصفته وزيرًا للداخلية.
«اجتماعات سرية»
وتطرقت الجلسة إلى اجتماعات وُصفت بـ«السرية» جرت عام 2005 بين غيان وهورتفو مع رئيس الاستخبارات الليبية آنذاك عبد الله السنوسي، صهر معمر القذافي، وهي الاجتماعات التي قال ساركوزي إنه لم يكن على علم بها.
كما أثيرت تساؤلات حول ترتيبات هذه اللقاءات ودور الوسطاء فيها، إضافة إلى زيارة محاميين فرنسيين إلى طرابلس، في وقت تواصل فيه المحكمة التدقيق في التناقضات المتعلقة بعلم الرئيس السابق بتفاصيل هذه الوقائع، خاصة في ضوء اتهامات بوجود تمويل ليبي لحملته، وهي الاتهامات التي ينفيها بشكل قاطع.
- بسبب المصالحة مع طرابلس.. «وثائقي فرنسي» جديد يهاجم ساركوزي في خضم محاكمته
- قضية التمويل الليبي تعود مرة أخرى.. ساركوزي يمثل مجددًا أمام المحكمة الإثنين
- «بلومبرغ»: الادعاء الفرنسي يطلب مثول ساركوزي مجددا أمام المحكمة في قضية التمويل الليبي
وحسب جريدة «لوموند» الفرنسية التي نقلت كواليس المحاكمة، كان زياد تقي الدين هو من رتب الاجتماعين، إما مقابل تمويل ليبي، وفقًا للادعاء، أو للترويج لنفسه وجمع الأموال لمصلحته الشخصية، وفقًا للدفاع. وقال نيكولا ساركوزي: «لم أكن على علم بعلاقة كلود غيان الوثيقة بالسيد تقي الدين. ويبدو لي أنه أخطأ بالسماح له بالتدخل. لقد تجاوز الخط الأحمر عند هذه النقطة».
يؤكد غيان وهورتفو أنهما لم يناقشا هذه الاجتماعات، التي يصفها بريس هورتفو بأنها «كمائن»، مع وزيرهما. ويتساءل القاضي: «لكن كيف علم زياد تقي الدين مسبقًا أن هورتفو سيُدعى إلى ليبيا؟». فيجيب نيكولا ساركوزي: «تقي الدين موظف لدى السنوسي ويتقاضى راتبه منه. كان يعرف بريس، ولم يكن من الصعب إحضاره إلى هناك».
وينتقد دفاع صديقه، مشيرًا إلى أن رحلة هورتفو «لم تكن ذات أهمية سياسية أو دبلوماسية كبيرة». ومع ذلك، لا يزال القاضي يثير بعض الشكوك. فقد كان من المقرر أن يقوم بريس هورتفو برحلته في 15 نوفمبر 2005 لتوقيع «مذكرة تفاهم» بشأن تدريب ضباط الشرطة الليبية، بينما لم تُعطِ لجنة المراقبة موافقتها إلا في 25 نوفمبر.
سر زيارة محاميين طرابلس
عُقد الاجتماع أخيرًا في ديسمبر، لكن في غضون ذلك، يصر الليبيون على أن محاميين، هما تيري هيرتسوغ وفرانسيس شبينر، قدما إلى طرابلس لمحاولة إيجاد حل لمصير عبد الله السنوسي القانوني، وهو ما ينفيه المحاميان بشدة. وقال نيكولا ساركوزي: «لم أكن على علم بهذا الاجتماع، لكنني اطلعت على الملف، وأعتقد أن هذا الاجتماع محتمل».
وسأل القاضي أخيرًا: «متى علمتَ أن شركاءك التقوا السنوسي؟» فأجاب: «بالنسبة لكلود غيان، خلال استجوابي الأول. أما بالنسبة لبريس، فكان ذلك من خلال مذكرة بريسارد»، وهو محقق خاص، تراجع لاحقًا عن اتهاماته. وأشار القاضي: «هذا ليس ما ذكرته تمامًا أمام قاضي التحقيق. لقد قلتَ للقاضي، بخصوص بريس هورتفو، خلال استجوابك الأول: «أنت تخبرني بهذا الآن». ومع ذلك، في المذكرة التي نشرها موقع ميديا بارت، والتي كتبها موسى كوسا، رئيس جهاز الأمن الليبي، ورد ذكر وجود بريس هورتفو في طرابلس لتمويل الحملة.
وأجاب ساركوزي: «لم أفهم الأمر بتاتًا. كان السؤال حينها هو ما إذا كانت هناك أموال ليبية في الحملة الانتخابية". احتج القاضي قائلًا: «لكنك تقدم شكوى ضد موقع ميديا بارت. هل يؤكد هورتفو نصف القصة بقوله إنه التقى السنوسي؟». أجاب الرئيس السابق: «لم أقرأ ميديا بارت قط. إنها مسألة تتعلق بالنزاهة العامة. نُشرت مفاجأة ميديا بارت، مصادفةً، بين جولتي التصويت، ولم يكن الخبر عن لقاء بريس بالسنوسي، بل كان عن تمويل حملتي الانتخابية بمبلغ 50 مليون يورو». غير أن القاضي تساؤل كيف يمكن للرئيس السابق عدم علمه بهذا الاجتماع إلا بعد ست سنوات.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة