أخبار ليبيا 24

ميزانية موحدة بـ167 مليار دينار تضع ليبيا أمام اختبار التنفيذ

دخلت ليبيا مرحلة جديدة في إدارة المال العام مع بدء تنفيذ إطار مالي موحد للعام 2026، تبلغ قيمته نحو 167 مليار دينار، في خطوة جاءت بعد تفاهمات بين الأطراف والمؤسسات الليبية المتنافسة، وبرعاية أمريكية، بهدف وضع حد لمسارات الإنفاق المتوازية التي صاحبت الانقسام السياسي والمؤسسي لسنوات.

وتتوزع الميزانية، وفق الأرقام المعلنة، على أبواب رئيسية تشمل المرتبات والدعم والنفقات التشغيلية والتنمية، فيما تستحوذ المرتبات والدعم على الجزء الأكبر من الإنفاق. وتشير البيانات المنشورة إلى تخصيص نحو 73.36 مليار دينار للمرتبات، و44 ملياراً للدعم، و10 مليارات للنفقات التشغيلية، بينما تبلغ مخصصات التنمية قرابة 40 مليار دينار.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة للمواطن الليبي، في ظل استمرار الضغوط المعيشية والحاجة إلى انتظام الإنفاق على الخدمات والسلع الأساسية، إلا أن قيمة الميزانية وحدها لا تكفي للحكم على نتائجها، إذ يبقى الاختبار مرتبطاً بكيفية التنفيذ، ومدى خضوع الإيرادات والمصروفات لآلية مالية موحدة وشفافة.

مصدر الصورة ارتفاع النفط يفتح باب إيرادات لليبيا.. لكن الإغلاقات تهدد المكاسب
ليبيا نفط

الشبلي: التنفيذ هو الاختبار الحقيقي

رئيس حزب صوت الشعب، فتحي الشبلي، قال إن الميزانية الموحدة دخلت فعلياً مرحلة التنفيذ، موضحاً أن مصرف ليبيا المركزي يتولى إدارة الإيرادات والإنفاق ضمن إطار موحد، بما يستهدف إنهاء مساري الإنفاق في شرق البلاد وغربها.

وأضاف الشبلي في تصريحات صحفية رصدتها وكالة أخبار ليبيا 24، أن إيرادات النفط تظل إيرادات سيادية للدولة الليبية، مؤكداً عدم وجود نسبة معلنة رسمياً تقسم عائدات النفط جغرافياً بين الشرق والغرب والجنوب. كما أوضح أن مخصصات التنمية تبلغ نحو 40 مليار دينار وتشمل مشروعات في مناطق مختلفة من البلاد، من بينها مشروعات في الشرق، من دون وجود حصة رسمية منفصلة معلنة باسم حكومة أسامة حماد.

ويرى الشبلي أن جوهر التفاهم يتمثل في حصول الشرق على ضمان إدراج مشروعات التنمية، مقابل توحيد المالية والإنفاق في الغرب، لكنه يضع جوهر الاتفاق أمام سؤال أكثر حساسية يتعلق بمدى تحول التفاهم المالي إلى توحيد فعلي للمصرف المركزي والميزانية والإيرادات والإنفاق.

وهذا الطرح يسلط الضوء على الفارق بين إعلان إطار مالي موحد وبين القدرة على تحويله إلى ممارسة مؤسسية مستمرة، خصوصاً أن الانقسام المالي في ليبيا لم يكن مجرد اختلاف في الجداول الحسابية، بل ارتبط لسنوات بتعدد مراكز القرار والإنفاق.

وكان مصرف ليبيا المركزي قد أعلن في أبريل الماضي اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وقال إن الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمثل خطوة باتجاه إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. كما بدأ التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق الموحد في مايو بمشاركة المصرف المركزي والجهات الرقابية واللجنة المالية المشتركة، مع بحث آليات متابعة الإنفاق والإيرادات النفطية وغير النفطية.

مصدر الصورة فتحي الشبلي، رئيس حزب صوت الشعب

الحجازي: الأرقام ليست وحدها القضية

المحلل السياسي خالد محمد الحجازي يضع الاتفاق في سياق أوسع، موضحاً أن الانقسام السياسي أنتج على مدى سنوات انقساماً موازياً في إدارة المال العام، وحوّل الميزانية إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس بين مراكز السلطة في شرق البلاد وغربها.

وقال الحجازي في تصريحات صحفية رصدتها وكالة أخبار ليبيا 24، إن اعتماد إطار موحد للإنفاق خلال عام 2026 يمثل تسوية مالية مؤقتة، لكنه يرى أن الأسئلة الأهم تتجاوز حجم الميزانية إلى طبيعة القرار المالي نفسه، ومن يملك سلطة الإنفاق، وكيف ستدار عائدات النفط، وما الذي حصل عليه كل طرف مقابل القبول بالصيغة الجديدة.

وأكد أن اعتماد الميزانية الموحدة يمثل خطوة مهمة في معالجة الانقسام المالي المستمر منذ أكثر من عقد، مشيراً إلى إعلان مصرف ليبيا المركزي اعتماد إطار موحد للإنفاق عقب التوافق بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وبمشاركة المؤسسات الرقابية والمالية في التنفيذ والمتابعة.

وبحسب الحجازي، فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في تحديد قيمة الإنفاق، وإنما في محاولة إعادة الموارد العامة والنفقات الحكومية إلى إطار مالي واحد، بدلاً من استمرار ترتيبات الإنفاق المتوازية التي رافقت الانقسام السياسي والمؤسسي.

وأشار كذلك إلى وجود أرقام متعددة متداولة بشأن القيمة الإجمالية للميزانية، تبعاً لطريقة احتساب بعض البنود والمخصصات، معتبراً أن الأهم من الرقم الإجمالي هو معرفة كيفية توزيع الأموال بين المرتبات والدعم والمصروفات التشغيلية والتنمية.

مصدر الصورة المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي

النفط خارج معادلة التقسيم الجغرافي

من أكثر الملفات حساسية في الاتفاق مسألة عائدات النفط. ويؤكد الحجازي أن الوثائق الرسمية المنشورة لا تتضمن، حتى الآن، صيغة واضحة تنص على تقسيم عائدات النفط بنسب جغرافية ثابتة بين الشرق والغرب والجنوب.

وبالتالي، فإن الحديث عن حصول منطقة أو جهة على حصة من النفط لا ينبغي تفسيره باعتباره تقسيماً رسمياً للثروة النفطية، وفق القراءة التي قدمها الحجازي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن الاقتصاد الليبي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بينما ظل ملف إدارة هذه الموارد وتوزيع عائداتها أحد محاور النزاع بين المؤسسات والسلطات المتنافسة.

وفي المقابل، فإن البيانات الخاصة بالتجارة النفطية تؤكد ارتباط الخام الليبي بصورة وثيقة بالسوق الأوروبية. وتشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن أوروبا استحوذت على نحو 79 في المئة من صادرات الخام الليبي خلال عام 2025، مع تصدر إيطاليا قائمة المستوردين.

ارتفاع الأسعار لا يعني مكاسب مستدامة

ويأتي النقاش حول الميزانية في وقت تشهد فيه سوق النفط العالمية تقلبات حادة بسبب اضطرابات الملاحة والإمدادات. فقد تجاوز خام برنت 107 دولارات للبرميل في تعاملات 28 سبتمبر، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 95 دولاراً، وسط استمرار المخاوف المتعلقة بتدفقات النفط العالمية.

ويرى الخبير النفطي محمد الشحاتي أن ليبيا قد تحصل على إيرادات إضافية مؤقتة إذا أدى نقص الإمدادات العالمية إلى ارتفاع أسعار الخام، لكنه لا يعتبر ذلك مكسباً مستداماً.

ويحذر الشحاتي في تصريحات صحفية رصدتها وكالة أخبار ليبيا 24، من أن ارتفاع الأسعار قد يؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب، وزيادة الاستثمار في البدائل وكفاءة الطاقة، إلى جانب تشجيع منتجين آخرين على رفع مستويات المعروض.

ويؤكد أن المصلحة النفطية الليبية، من وجهة نظره، لا تكمن في ارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما في وجود سوق مستقرة يمكن التنبؤ بها، تسمح للدولة بالتخطيط للإنتاج والتصدير والاستثمار.

وهذه الرؤية تضع استقرار الإنتاج والتصدير في مقدمة الاعتبارات، خصوصاً أن ليبيا تستطيع تصدير خامها من موانئ البحر المتوسط من دون الحاجة إلى المرور جغرافياً عبر مضيق هرمز، بينما تظل أوروبا السوق الرئيسية للخام الليبي.

مصدر الصورة

إغلاقات الشرارة تكشف هشاشة الإيرادات

وتظهر أزمة حقل الشرارة مدى حساسية المالية العامة الليبية أمام أي اضطراب في قطاع النفط. فقد أدى إغلاق الصمام رقم 7 على خط نقل خام الشرارة إلى الزاوية إلى انخفاض كبير في الإنتاج، قبل إعادة فتحه واستئناف تدفق الخام.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في 25 سبتمبر أن الفاقد خلال أربعة أيام بلغ 720 ألفاً و362 برميلاً، وأن الخسائر المالية المباشرة تجاوزت 75 مليون دولار، مع تحذيرها من أن استمرار الإغلاق قد يؤثر في وحدات التكرير بمصفاة الزاوية ويضغط على إمدادات المشتقات النفطية.

وبحلول 25 سبتمبر، ارتفع الفاقد التراكمي إلى 942 ألفاً و376 برميلاً، فيما قُدرت الخسائر المالية بنحو 95 مليون دولار، قبل استئناف الضخ بعد إعادة فتح الصمام.

وتكشف هذه الواقعة أن أي ميزانية موحدة، مهما بلغ حجمها، تظل مرتبطة بقدرة الدولة على حماية مصادر الإيرادات وضمان استمرار الإنتاج والتصدير، كما أن اضطراب النفط ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على تمويل المرتبات والدعم والمشروعات والخدمات.

المواطن أمام اختبار النتائج

وبالنسبة للمواطن الليبي، فإن أهمية الاتفاق لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بما إذا كانت هذه الأموال ستتحول إلى انتظام في المرتبات، واستقرار في الإمدادات، وتحسن في الخدمات، وتنفيذ فعلي للمشروعات في مختلف المناطق.

وتبرز هنا أهمية مخصصات التنمية البالغة نحو 40 مليار دينار، خصوصاً أن الاتفاق جعل المشروعات التنموية إحدى ركائز التسوية المالية بين الأطراف المتنافسة. غير أن نجاح هذه المخصصات سيظل مرتبطاً بآليات الاختيار والتنفيذ والرقابة، وبمدى وضوح الجهات المسؤولة عن الصرف والمتابعة.

كما أن توحيد الإنفاق لا يلغي تلقائياً الخلافات السياسية والمؤسسية التي أنتجت الانقسام المالي، بل ينقل التحدي إلى مرحلة أكثر عملية تتمثل في الالتزام بالقواعد الموحدة، ومنع العودة إلى مسارات إنفاق متوازية، وضمان وصول الموارد إلى مختلف المناطق وفق معايير معلنة.

وفي المحصلة، تمثل الميزانية الموحدة محاولة لإعادة جمع إدارة المال العام داخل إطار واحد، لكنها تضع المؤسسات الليبية أمام اختبار التنفيذ والرقابة والاستدامة. وبينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه يمثل خطوة لمعالجة الانقسام المالي، تبقى الأسئلة التي أثارها الشبلي والحجازي حول آلية إدارة الإيرادات والإنفاق وتوحيد القرار المالي حاضرة، في وقت تكشف فيه أزمة الشرارة أن استقرار الإيرادات النفطية يظل شرطاً أساسياً لأي قدرة حقيقية على تنفيذ الميزانية.

وبذلك، فإن نجاح الصيغة الجديدة لن تحدده قيمة الـ167 مليار دينار وحدها، بل مدى قدرة المؤسسات على تحويل الأرقام إلى إنفاق منضبط، وإيرادات مستقرة، ومشروعات قابلة للقياس، وخدمات يشعر المواطن الليبي بأثرها بصورة مباشرة.