ارتفاع النفط يفتح باب إيرادات لليبيا.. لكن الإغلاقات تهدد المكاسب - أخبار ليبيا 24
أخبار ليبيا 24
أسعار النفط المرتفعة تمنح ليبيا إيرادات إضافية وسط اضطرابات هرمز
ارتفاع الأسعار.. مكسب مؤقت لاقتصاد يعتمد على النفط
تجد ليبيا نفسها أمام معادلة اقتصادية دقيقة مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد المخاوف بشأن تدفقات النفط العالمية، إذ يمكن لارتفاع أسعار الخام أن يمنح البلاد إيرادات إضافية حتى مع بقاء مستويات الإنتاج على حالها، لكن هذه الاستفادة تظل مرتبطة بعوامل خارجية مؤقتة ولا تعني بالضرورة تحسنًا مستدامًا في الوضع الاقتصادي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لليبيا، التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على العائدات النفطية، إذ تمثل الإيرادات النفطية نحو 98 في المائة من الإيرادات العامة، ما يجعل أي تغير في أسعار الخام العالمية ينعكس بصورة مباشرة على الموارد المالية للدولة.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن الزيادة الحالية في أسعار النفط يمكن أن ترفع قيمة الصادرات الليبية، باعتبار أن ارتفاع سعر البرميل يعني عائدًا أكبر من الكميات التي يجري تصديرها، حتى إذا لم تسجل مستويات الإنتاج تغيرًا جوهريًا.
عائدات النفط تكشف حساسية المالية العامة
وتظهر بيانات الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي مدى ارتباط الإيرادات النفطية بحركة الأسعار. فقد بلغت مبيعات النفط نحو 96.1 مليار دينار، مقارنة بنحو 82.6 مليار دينار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 16.3 في المائة.
وتأتي هذه الأرقام بالتزامن مع وصول إنتاج النفط الليبي إلى مستويات مرتفعة، إذ أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو الماضي وصول إنتاج الخام إلى نحو 1.438 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ عام 2013، فيما يدور الإنتاج حاليًا حول 1.4 مليون برميل يوميًا وفق التقديرات الواردة.
نفط ليبيا
ليبيا خارج مسار مضيق هرمز
ورغم الارتفاع العالمي في أسعار النفط، فإن استفادة ليبيا من اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز تبقى غير مباشرة من الناحية الجغرافية، إذ تقع موانئ تصدير الخام الليبي على البحر المتوسط، ولا تحتاج الصادرات الليبية إلى المرور عبر المضيق للوصول إلى الأسواق.
وتتجه غالبية صادرات النفط الليبي إلى أوروبا، التي استحوذت على نحو 79 في المائة من صادرات الخام خلال عام 2025، وكانت إيطاليا في مقدمة الدول المستوردة.
ويشير الخبير النفطي محمد الشحاتي إلى أن ليبيا قد تحصل بالفعل على إيراد إضافي مؤقت إذا أدى نقص الإمدادات العالمية إلى ارتفاع أسعار الخام، لكنه لا يعتبر ذلك مكسبًا مستدامًا.
وبحسب الشحاتي، فإن استمرار الأسعار المرتفعة قد يؤدي لاحقًا إلى تراجع الطلب على النفط، وزيادة الاستثمارات في مصادر الطاقة البديلة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، إلى جانب تشجيع منتجين آخرين على رفع مستويات المعروض.
وهذه المعادلة تضع ارتفاع الأسعار في إطار مختلف عن مجرد زيادة الإيرادات، إذ إن السوق النفطية العالمية لا تتحرك في اتجاه واحد، وقد تؤدي الأسعار المرتفعة نفسها إلى تغييرات في سلوك المستهلكين والمنتجين والاستثمارات طويلة الأجل.
حرب
الاستقرار.. العامل الأكثر تأثيرًا في صادرات ليبيا
ويرى الشحاتي أن مصلحة ليبيا النفطية لا ترتبط بارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما بوجود سوق مستقرة يمكن التنبؤ بتحركاتها، بما يسمح للدولة بالتخطيط لإنتاج النفط وصادراته واستثماراته.
ويؤكد أن القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وبقدرة الدولة على الحفاظ على تدفق صادراتها، وليس فقط بارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية.
وتبرز هذه النقطة في ظل استمرار مشكلات داخلية تؤثر في الإنتاج والتصدير، وفي مقدمتها الإغلاقات النفطية المتكررة التي تحد من قدرة ليبيا على تحويل ارتفاع الأسعار العالمية إلى إيرادات فعلية ومستقرة.
إغلاقات الداخل تهدد مكاسب الخارج
شهد قطاع النفط الليبي خلال الآونة الأخيرة مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية، بعدما أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة إلى تراجع الإنتاج بنحو 130 ألف برميل يوميًا، إلى جانب توقف وحدة تكرير في مصفاة الزاوية، الأمر الذي هدد إمدادات الوقود وزاد الضغوط على القطاع.
وبلغت الكميات النفطية المفقودة خلال خمسة أيام من الإغلاق نحو 650 ألف برميل، بينما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار حتى 25 سبتمبر الحالي، وفق البيانات المعلنة.
وتعني هذه الخسائر أن ارتفاع الأسعار العالمية لا يكفي وحده لتعظيم العائدات الليبية، فإذا تراجع الإنتاج أو تعطلت عمليات النقل والتصدير، فإن جزءًا من المكاسب النظرية الناتجة عن ارتفاع سعر البرميل يمكن أن يتبدد بفعل انخفاض الكميات المنتجة والمصدرة.
أسواق الخليج تتراجع تحت ضغط توترات هرمز ومخاوف الشحن البحريصراع إدارة العائدات يعمق هشاشة القطاع
ولا ينفصل هذا المشهد عن الخلاف الأوسع بشأن إدارة الثروة النفطية وتوزيع عائداتها بين الحكومتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، في وقت تظل فيه المؤسسة الوطنية للنفط الجهة الرسمية المسؤولة عن تسويق الخام.
وقد أدت الخلافات المتعلقة بالإيرادات النفطية في مراحل سابقة إلى إغلاقات متكررة للحقول والموانئ، قبل التوصل إلى تهدئة عام 2022، إلا أن ملف النفط ظل من أكثر الملفات ارتباطًا بالتجاذبات السياسية والمالية في البلاد.
وبالنسبة للمواطن الليبي، فإن ارتفاع سعر النفط لا يتحول تلقائيًا إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة، ما لم ينعكس على استقرار الإيرادات العامة، وانتظام الإنفاق، وتحسين الخدمات، وضبط الاختلالات التي تؤثر في الاقتصاد والأسعار والقوة الشرائية.
تراجع النفط يضع إيرادات ليبيا أمام اختبار جديدإيرادات إضافية بلا ضمانات طويلة الأجل
وتكشف أزمة هرمز، في جانبها الاقتصادي، مفارقة واضحة بالنسبة لليبيا؛ فالأزمات العالمية قد ترفع سعر السلعة الرئيسية التي يعتمد عليها الاقتصاد الليبي، لكنها في الوقت نفسه تؤكد مخاطر الاعتماد شبه الكامل على النفط في تمويل الدولة.
فالمكاسب الناتجة عن ارتفاع الأسعار تظل رهينة استمرار الطلب العالمي واستقرار الإنتاج المحلي وقدرة البلاد على الحفاظ على صادراتها، بينما يمكن لأي اضطراب داخلي في الحقول أو خطوط النقل والموانئ أن يقلص أثر ارتفاع الأسعار على الخزانة العامة.
وعليه، تبدو الزيادة الحالية في الإيرادات النفطية فرصة مالية مؤقتة أكثر من كونها تحولًا هيكليًا في الاقتصاد الليبي. فاستدامة العائدات لا تتحدد بسعر البرميل وحده، وإنما بانتظام الإنتاج والتصدير، واستقرار المؤسسات، وحماية القطاع من الإغلاقات، وإدارة الموارد النفطية بعيدًا عن دورات الصراع السياسي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي أمام ليبيا ليس فقط كيفية الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، وإنما كيفية تحويل أي إيرادات إضافية إلى موارد مستقرة تخدم الاقتصاد والمواطن، بدل أن تظل مكاسب ظرفية مرتبطة بأزمات دولية لا تملك البلاد التحكم في مسارها.