الدولار يضغط على الدينار الليبي.. فجوة الصرف تتحول إلى أزمة معيشية - أخبار ليبيا 24
أخبار ليبيا 24
الدولار يواصل الضغط على الدينار وسط عجز المعالجات الرسمية
فجوة الصرف تضغط على الدينار وتثقل كاهل المواطن الليبي
تشهد السوق الليبية استمرارًا لافتًا في الفارق بين سعر الدولار في السوق الرسمية وسعره في السوق الموازية، في تطور يعكس ضغوطًا متراكمة على الدينار ويمتد أثره مباشرة إلى أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية للأسر.
وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي ، بلغ سعر بيع الدولار في السوق الرسمية في 28 سبتمبر الجاري نحو 6.41 دينار، فيما أظهرت بيانات منشورة عن السوق الموازية خلال سبتمبر مستويات قاربت 9.6 دينار للدولار، ما يعكس فجوة واسعة بين القناتين الرسميتين وغير الرسميتين لتداول النقد الأجنبي.
فجوة تتجاوز حدود المضاربة
الخبير الاقتصادي والمالي أبوسيف أغنية يرى أن استمرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي يرتبط بمجموعة متداخلة من العوامل الاقتصادية والمالية والنقدية، معتبرًا أن التعامل مع الأزمة يتطلب الانتقال من التوصيف العام إلى تحليل أسبابها وآليات معالجتها.
وأوضح أغنية أن الفجوة تنشأ عادة من اختلالات هيكلية في دورة النقد الأجنبي وعلاقتها بالنقد المحلي، مشيرًا إلى أن هذه الاختلالات تتيح للمضاربة التحول من تفاعل بين العرض والطلب إلى استنزاف منظم للسوق.
وأضاف أن شبكات المضاربة تستفيد من غياب الشفافية وحالة عدم اليقين المتعلقة بالاحتياطيات والسياسات النقدية، فيما يؤدي عدم انتظام نشر المعلومات إلى ترك الأسعار عرضة للتوقعات والشائعات.
وقال إن احتجاز العملات الأجنبية خلال فترات التوتر، بالتزامن مع تكثيف عمليات الشراء خلال فترات فتح المنظومات، يؤدي إلى ما وصفه بـ«الأثر الارتدادي»، بحيث يعاود سعر العملة في السوق الموازية الارتفاع حتى بعد ضخ النقد الأجنبي.
وأشار إلى إعلان مصرف ليبيا المركزي ضخ نحو 3 مليارات دولار، معتبرًا أن بقاء أسعار العملات الأجنبية مرتفعة رغم ضخ السيولة يعكس، من وجهة نظره، محدودية الاعتماد على ضخ العملة وحده في معالجة الاختلالات القائمة.
وكان المصرف قد أعلن بالفعل عن خطة تستهدف ضخ نحو 3 مليارات دولار ابتداء من أكتوبر، مع السعي إلى خفض سعر الدولار في السوق الموازية إلى أقل من 9 دنانير، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالاعتمادات والأغراض الشخصية وتوحيد جدول المرتبات. ( المدى )
أدوات نقدية أمام أزمة أوسع
وفي تقييمه لأدوات السياسة النقدية، قال أغنية إن الإجراءات الحالية محدودة، وإن معالجة الأزمة من منظور نقدي بحت لا تكفي، خصوصًا مع ضعف انتقال أثر الأدوات التقليدية للسياسة النقدية في ظل حالة عدم اليقين وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي.
وأضاف أن الأفراد والتجار وغيرهم يحتفظون بجزء كبير من أموالهم خارج الجهاز المصرفي، الأمر الذي يرفع حجم السيولة النقدية خارج القطاع المصرفي ويحد من قدرة المصرف المركزي على إدارة المعروض النقدي بواسطة الأدوات التقليدية.
ويرى أغنية أن الاستجابة الفعالة تتطلب حزمة متكاملة تجمع بين السلطات النقدية والمالية والتجارية، مع التركيز على إدارة الطلب على النقد الأجنبي وتسهيل الإجراءات الرسمية بما يقلص دوافع اللجوء إلى السوق الموازية.
أرقام تكشف حجم الفارق
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الكاديكي إن حركة الدولار خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن المشكلة تتجاوز المضاربة، وترتبط بفجوة مستمرة بين الطلب على النقد الأجنبي وحجم المعروض عبر القنوات الرسمية، إلى جانب الإنفاق العام وسرعة الحصول على العملة الأجنبية ومستوى ثقة المتعاملين.
ووفق الأرقام التي أوردها الكاديكي في المادة الأصلية، بلغ الدولار في السوق الموازية نحو 9.56 دينار مقابل نحو 6.41 دينار في السوق الرسمية في 24 سبتمبر، بفارق يقارب 3.15 دينار، أو ما يناهز 49 في المئة.
وبهذه المستويات، فإن مستوردًا يحتاج إلى 10 آلاف دولار سيدفع نحو 95.6 ألف دينار في السوق الموازية، مقابل نحو 64.1 ألف دينار بالسعر الرسمي، بفارق يقارب 31.5 ألف دينار.
كما أشار الكاديكي إلى ارتفاع الدولار في السوق الموازية من نحو 8.71 دينار في بداية أغسطس إلى 9.56 دينار في منتصف سبتمبر، بزيادة تقارب 9.8 في المئة خلال نحو ستة أسابيع.
النفط يمول الاقتصاد.. والدولار يضغط على الأسر
وأظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي المنشورة حاليًا وجود اعتماد كبير على الإيرادات النفطية ضمن الموارد العامة، فيما يظل الاقتصاد الليبي شديد الارتباط بعائدات النفط لتوفير النقد الأجنبي وتمويل الإنفاق. كما يواصل المصرف نشر بيانات الإيرادات والإنفاق واستخدامات المصارف التجارية للنقد الأجنبي بصورة دورية.
وفي هذا السياق، يشير الكاديكي إلى أن إجراءات زيادة المعروض من العملة الأجنبية، بما فيها تخصيص مبالغ للاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية وتسريع تنفيذ الطلبات، لم تمنع استمرار الضغوط على السوق الموازية.
وكان المصرف المركزي قد أعلن عن إجراءات لاحتواء سعر الصرف والحد من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مؤكدًا أن ضخ النقد الأجنبي وتلبية الطلب المعلق يمثلان جزءًا من خطة التعامل مع الضغوط القائمة.
المواطن في قلب أزمة الصرف
الأثر الأكثر مباشرة للأزمة يظهر في حياة المواطن، إذ إن ارتفاع تكلفة الحصول على الدولار يرفع تكلفة الاستيراد، وهو ما يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والأدوية والسلع والخدمات، خصوصًا مع اعتماد السوق الليبية على الواردات.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة الأصلية، ارتفع معدل التضخم إلى نحو 14.3 في المئة خلال أغسطس 2026 مقابل 13 في المئة في يوليو، فيما بلغ التضخم في أسعار الغذاء نحو 16.9 في المئة. وهذه الأرقام، إذا استمرت، تعني أن المشكلة لا تتعلق بسعر العملة باعتباره رقمًا ماليًا مجردًا، وإنما بقدرته على التأثير في دخل الأسرة وتكاليف معيشتها.
وقال أحد المواطنين إن استمرار ارتفاع الدولار والفارق الكبير بين السوقين الرسمي والموازي أصبح ينعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية، موضحًا أن ارتفاع العملة الأجنبية يزيد أسعار السلع والخدمات ويضغط على دخول الأسر.
وأضاف أن المواطن العادي يتحمل الجانب الأكبر من تقلبات سعر الصرف، خصوصًا مع اعتماد السوق على السلع المستوردة، مؤكدًا أن ارتفاع الدولار ينعكس سريعًا على المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الأساسية.
ودعا المواطن إلى إجراءات أكثر فاعلية للحد من المضاربة وتوفير النقد الأجنبي للمواطنين والتجار عبر القنوات الرسمية، معتبرًا أن استقرار الدينار يحتاج إلى معالجة أسباب ارتفاع الطلب على الدولار، وليس الاكتفاء بإجراءات نقدية مؤقتة.
تحذيرات من استمرار المعالجة الجزئية
وتضمنت المادة الأصلية أيضًا تحذيرات من اتجاهات محتملة في سعر الصرف والاحتياطيات، ودعوات للمواطنين إلى حماية مدخراتهم، إلى جانب انتقادات لطريقة إدارة الملف الاقتصادي وتداعياتها على الخدمات الأساسية.
كما ربطت تلك التحذيرات بين الضغوط النقدية وأزمات أوسع تمس الكهرباء والاتصالات والمياه والطاقة، مع الإشارة إلى مخاوف من تأثير شبكات المصالح والنفوذ في خيارات الاقتصاد والطاقة.
وبغض النظر عن التقديرات المتعلقة بالمسار المقبل لسعر الصرف، فإن البيانات المتاحة تشير إلى أن الفجوة بين السوق الرسمية والموازية ما زالت كبيرة. والمصرف المركزي يعلن في المقابل إجراءات لضخ النقد الأجنبي واحتواء الطلب، بينما يرى خبراء أن معالجة الخلل تحتاج إلى ما هو أبعد من زيادة المعروض.
وتبقى المشكلة الأساسية أمام المواطن الليبي مرتبطة بقدرته على الحفاظ على قيمة دخله ومدخراته في بيئة تتقلب فيها أسعار الصرف وترتفع فيها تكلفة السلع والخدمات. ومن ثم، فإن أي معالجة مستدامة تحتاج إلى تنسيق السياسة النقدية والمالية والتجارية، وزيادة الشفافية، وتحسين الوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، بما يحد من مساحة السوق الموازية ويخفف كلفة الأزمة عن الأسر.
وبالنسبة إلى الحكومة والسلطات النقدية، فإن التحدي لا يقتصر على خفض سعر الدولار لفترة محدودة، بل يتمثل في معالجة الأسباب التي تعيد إنتاج الفجوة، بما في ذلك إدارة الطلب على العملة الأجنبية، ومستوى الإنفاق، وثقة المتعاملين، وكفاءة القطاع المصرفي، ووضوح البيانات الاقتصادية.
أما المواطن، الذي لا يملك أدوات التأثير في السياسة النقدية أو المالية، فيظل الطرف الأكثر تعرضًا للنتائج المباشرة لأي اضطراب في سعر الصرف، من ارتفاع الأسعار إلى تآكل القدرة الشرائية، وهو ما يجعل استقرار الدينار قضية معيشية قبل أن تكون مجرد ملف نقدي.