طرح عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة رؤية سياسية تدعو إلى تجاوز حالة التعطيل والمماطلة، معتبرًا أن ليبيا لم تعد تحتمل استمرار الانقسام وإضاعة الوقت، ومطالبًا كل من يعارض أي حل ينهي الأزمة بأن يقدم بديلًا خلال شهر، بدل الاكتفاء برفض المقترحات وعرقلة مسارات التسوية.
وقال بن شرادة إن البلاد تحتاج إلى من يقدم الحلول لا من يصنع العراقيل، في إشارة إلى ضرورة تحويل النقاش السياسي من صراع حول موازين السلطة إلى مسار عملي يستهدف توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء المراحل الانتقالية.
وتأتي هذه الرؤية في وقت يواجه فيه المواطن الليبي أزمات متراكمة تمس الخدمات الأساسية ومستوى المعيشة، فيما لا يزال المشهد السياسي عاجزًا عن إنتاج تسوية نهائية تنقل البلاد إلى مؤسسات منتخبة ومستقرة.
وربط بن شرادة بين الانقسام السياسي والأوضاع المعيشية، مشيرًا إلى أن مطالبة المواطنين بعدالة توزيع أبسط حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والماء، تعكس وصول الظروف المعيشية إلى مستويات صعبة.
وتكشف هذه الإشارة عن جانب اجتماعي واقتصادي بالغ الحساسية في الأزمة الليبية، إذ لم يعد المواطن ينظر إلى الخلافات السياسية باعتبارها صراعًا مجردًا بين مؤسسات ونخب، وإنما باعتبارها أزمة تنعكس على الخدمات اليومية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
وفي هذا السياق، فإن استمرار الانقسام المؤسسي لا يمثل مشكلة سياسية فحسب، بل يفرض تكلفة اقتصادية واجتماعية على المواطنين، ويؤخر بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد العامة وتوزيع الخدمات بصورة أكثر عدالة وكفاءة.
وفي أبرز ما طرحه بن شرادة، قال إنه بعد اطلاعه على الوثيقة المسربة المنسوبة إلى لجنة 4+4، إن صحت، فإنه يرى أنها في جوهرها صالحة للتطبيق، ولم تخرج في مضمونها عن خارطة الطريق التي اعتمدها مجلس الأمن قبل عام.
ويكتسب هذا الطرح أهمية سياسية لكونه لا يتعامل مع الوثيقة باعتبارها نهاية للمسار، وإنما يضع أمامها شرطًا مؤسسيًا وقانونيًا واضحًا يتمثل في إدخال ما جرى الاتفاق عليه ضمن إطار دستوري وقانوني.
وأوضح بن شرادة أن الخطوة المطلوبة، من وجهة نظره، تتمثل في أن يعمل مجلسا النواب والدولة على تضمين ما تم الاتفاق عليه في الإعلان الدستوري خلال مدة لا تتجاوز شهرًا.
وهنا تبرز لجنة 4+4 باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تسهم في دفع المسار التوافقي إلى الأمام، لا باعتبارها بديلًا عن المؤسسات التشريعية أو إطارًا يتجاوزها، وهو ما يمنح أي تفاهمات تخرج عنها فرصة أكبر للتحول من أفكار سياسية إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ متى جرى استكمال غطائها الدستوري والقانوني.
وضع بن شرادة في الوقت ذاته مسارًا بديلًا في حال تعذر تمرير التفاهمات داخل مجلسي النواب والدولة أو استمرار الخلاف بينهما.
وبحسب رؤيته، فإن تعثر المسار يستوجب توسيع دائرة الحوار لتشمل الأطراف والقوى الوطنية ذات الصلة، بهدف الوصول إلى وثيقة توافقية تعتمد كوثيقة حاكمة للمرحلة الانتقالية.
ولا تكتسب هذه الوثيقة، وفق الطرح نفسه، قيمتها من مجرد إعلان التوافق، وإنما من وظيفتها الأساسية في تمهيد الطريق أمام الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.
وهذا التفصيل مهم سياسيًا، لأنه ينقل النقاش من البحث عن تسوية مؤقتة جديدة إلى محاولة بناء مسار له غاية نهائية محددة، تتمثل في الوصول إلى انتخابات وإنهاء الانقسام بدل إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية بصيغ مختلفة.
المعادلة التي يطرحها بن شرادة تجمع بين المسار السياسي والواقع الاقتصادي والاجتماعي، فاستمرار الخلاف حول المؤسسات والسلطة ينعكس على قدرة الدولة على تقديم الخدمات، بينما يؤدي تدهور الخدمات إلى زيادة الضغوط الاجتماعية وتوسيع حالة السخط الشعبي.
ومن هذه الزاوية، فإن إنهاء الانقسام لا يمثل هدفًا سياسيًا منفصلًا عن حياة الليبيين، بل يرتبط بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد آليات الإنفاق والإدارة وتحسين الخدمات الأساسية وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا أمام النشاط الاقتصادي.
كما أن استمرار الحكومات والمراحل الانتقالية من دون أفق انتخابي واضح يضاعف حالة عدم اليقين ويجعل المواطن يدفع ثمنًا متواصلًا للصراع السياسي.
اقتصاد ليبيا تحت ضغط الانقسام.. تضخم متصاعد وبطالة تستنزف سوق العملالرسالة الأساسية في تصريحات بن شرادة تتمحور حول ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهائها، ومن إنتاج الاتفاقات إلى تنفيذها.
وبحسب تصوره، فإن ليبيا لا تحتاج إلى جولة جديدة من المماحكات السياسية بقدر حاجتها إلى تحويل أي توافق قابل للحياة إلى ترتيبات قانونية ومؤسسية، ثم استخدامه كجسر يقود إلى الانتخابات.
وفي هذا الإطار، فإن دعم المسارات التوافقية، ومنها لجنة 4+4، يمكن أن يكون جزءًا من مقاربة عملية لإنهاء الانقسام، شريطة أن تظل مخرجاتها خاضعة للأطر الدستورية والقانونية وأن يكون هدفها النهائي توحيد مؤسسات الدولة والوصول إلى انتخابات.
وتبقى المسؤولية الأهم أمام الأطراف السياسية هي عدم تحويل الخلاف حول التفاصيل إلى ذريعة لتعطيل المسار بأكمله، خصوصًا في ظل واقع معيشي يضع المواطن الليبي في مواجهة مباشرة مع نتائج الانقسام.
وفي خلاصة موقفه، دعا بن شرادة إلى إنهاء حالة التعطيل والمماطلة، مؤكدًا أن المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهائها، ومن إنتاج الاتفاقات إلى تنفيذها، وصولًا إلى الانتخابات وإنهاء الانقسام.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤