تدخل العملية السياسية في ليبيا مرحلة أكثر تعقيدًا مع بروز مواقف معلنة رافضة للمشاركة في مراسم توقيع مخرجات الاجتماع المصغر للجنة العسكرية المشتركة «5+5»، في تطور يرى محللون أنه يتجاوز حدود الاعتراض على مراسم التوقيع أو صياغة الوثيقة، ليمس بصورة مباشرة مسار الترتيبات السياسية المقبلة وتوازنات القوة بين الأطراف الليبية.
وقال المحلل السياسي حسام الفنيش، في تحليل نشره عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، إن إعلان رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة رفضهما المشاركة في مراسم التوقيع يمثل انتقالًا لافتًا لمواقف الأطراف الرافضة من دائرة التحفظ والاعتراض غير المعلن إلى موقف سياسي واضح ومعلن.
وأضاف أن هذا التطور لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد اعتراض على مراسم التوقيع أو على صياغة وثيقة، وإنما بوصفه مؤشرًا على اتساع دائرة الاعتراض على المسار وطريقة إدارته، بما قد يفتح الباب أمام تعقيدات جديدة في التفاوض بشأن الترتيبات السياسية المقبلة.
وتكتسب مخرجات اللجنة أهمية خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، إذ لم تعد الترتيبات الأمنية والعسكرية منفصلة عن المسار الأوسع المتعلق بإعادة تنظيم السلطة وتحديد قواعد المرحلة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم مسار اللجنة العسكرية المشتركة لا يعني بالضرورة الانحياز إلى أي طرف سياسي، بقدر ما يعكس الحاجة إلى مسار ليبي منظم يمكن أن يساهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة الظروف أمام تسوية أكثر اتزانًا، بعيدًا عن محاولات فرض الأمر الواقع أو توظيف مؤسسات الدولة في الصراع السياسي.
وفي المقابل، فإن إعلان مواقف رافضة من جانب قيادات سياسية بارزة قد يزيد صعوبة الوصول إلى تفاهمات شاملة، خصوصًا إذا تحولت الاعتراضات من مواقف منفردة إلى اتجاه سياسي أوسع يطالب بإعادة النظر في طريقة إدارة المسار ومخرجاته.
ويرى الفنيش أن انعكاس التطورات قد يتجاوز حدود الاتفاق ذاته، موضحًا أن وضوح مواقف الأطراف الرافضة في المشهد السياسي من شأنه زيادة تعقيدات التفاوض بشأن الترتيبات المقبلة، وربما يؤدي إلى مزيد من الضعف في القدرة التفاوضية لرئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة.
ويربط المحلل هذا الاحتمال بما وصفه بتراجع أداء الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، بالتزامن مع تفاقم الضغوط المعيشية التي أصبحت تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في الشارع الليبي.
وتفرض هذه المعطيات نفسها على أي نقاش بشأن مستقبل السلطة التنفيذية، إذ لا يمكن فصل الحسابات السياسية عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن، في ظل استمرار الأزمات المرتبطة بالخدمات والسيولة والأسعار والقدرة الشرائية، وهي ملفات باتت تشكل عنصرًا مؤثرًا في تقييم أداء المؤسسات القائمة.
ويشير الفنيش كذلك إلى أن التطورات الداخلية تتزامن مع تغير في موازين القوة المحلية، فضلًا عن ازدياد الاهتمام الدولي بالتحركات الدبلوماسية تجاه شرق ليبيا، وهو ما يرى أنه يعيد توزيع أوراق التفاوض بين الأطراف ويقلص هامش المناورة أمام الحكومة.
ويعكس هذا التطور، وفق هذا التقدير، انتقالًا تدريجيًا من مرحلة كانت فيها بعض الأطراف قادرة على إدارة خلافاتها بعيدًا عن العلن، إلى مرحلة تتداخل فيها المواقف المحلية مع التحركات الدبلوماسية الدولية، بما يجعل أي ترتيبات مقبلة أكثر ارتباطًا بموازين القوى الفعلية على الأرض وبمدى قدرة الأطراف على بناء تفاهمات قابلة للاستمرار.
ويخلص الفنيش إلى أن بروز مواقف الأطراف الرافضة إلى العلن قد يكون مؤشرًا على انتقال المشهد إلى مرحلة تفاوضية جديدة، لن تكون فيها قدرة الدبيبة على حماية موقعه أو فرض شروطه كما كانت من قبل.
وبحسب هذا الطرح، فإن موقع السلطة التنفيذية نفسه قد يتحول إلى أحد أبرز ملفات التفاوض في الترتيبات المقبلة، خصوصًا مع تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واتساع مساحة النقاش حول شكل المرحلة الانتقالية المقبلة والجهة التي يمكن أن تتولى إدارة ملفاتها.
وبعيدًا عن الحسابات المرتبطة بالأسماء والمواقع، يبقى المواطن الليبي هو الطرف الأكثر تأثرًا بأي إعادة ترتيب للمشهد، بعدما امتدت تداعيات الانقسام السياسي إلى تفاصيل حياته اليومية. ومن ثم، فإن أي مسار سياسي أو أمني مقبل سيكون أمام اختبار أساسي يتمثل في قدرته على إنتاج مؤسسات أكثر استقرارًا وتحسين الخدمات ووقف استنزاف الدولة في صراعات النفوذ.
وتشير التطورات الراهنة إلى أن ليبيا قد تكون أمام مرحلة تفاوضية مختلفة، تتقاطع فيها مخرجات اللجنة العسكرية المشتركة مع الحسابات السياسية وموازين القوى المحلية والتحركات الدولية، بينما يصبح مستقبل السلطة التنفيذية أحد الملفات التي يصعب فصلها عن التسوية السياسية الأشمل.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤