أعلن مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة تنفيذ أحكام الإعدام رمياً بالرصاص بحق عشرة مدانين بارتكاب جرائم إرهابية، وذلك استناداً إلى أحكام المحكمة العسكرية العليا، بعد مداولات وإجراءات قضائية امتدت لسنوات وانتهت إلى أحكام نهائية وباتة.
وقال المكتب إن تنفيذ الأحكام جاء عقب استيفاء الإجراءات القانونية، بما في ذلك إجراءات الادعاء والدفاع، وانتهاء المحاكمات إلى إثبات التهم الموجهة إلى المدانين، والتي تضمنت الانتماء إلى تنظيمات إرهابية محظورة وارتكاب جرائم اغتيال طالت عسكريين ومدنيين.
وأكد البيان أن تنفيذ الأحكام تم وفق التشريعات الليبية النافذة، وفي إطار ما وصفه بإرساء العدالة وردع الإرهاب والجماعات والتنظيمات المحظورة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول علاقة مكافحة الإرهاب باستقلال القضاء وسيادة الدولة.
وقال مؤيدون للأحكام إن دماء الضحايا لا يمكن أن تُزهق ثم تُطوى صفحات الإرهاب وكأن شيئاً لم يحدث، معتبرين أن تنفيذ الأحكام أعاد حقوقاً طال انتظارها لدى عائلات الضحايا وأغلق ملفات ظلت مفتوحة لسنوات.
كما أشاد عدد من المتابعين بالقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية وبالمشير خليفة حفتر، معتبرين أن محاسبة المتورطين في قتل العسكريين والمدنيين تمثل وفاءً لدماء من سقطوا خلال سنوات المواجهة مع التنظيمات الإرهابية.
وفي المقابل، أثارت ردود الفعل الرافضة للأحكام سجالاً واسعاً، خصوصاً بعد وصف بعض المنصات الإعلامية والسياسية للمدانين بأنهم سجناء أو معارضون سياسيون، وهو ما دفع ناشطين إلى التساؤل عن المعايير التي يجري على أساسها توصيف المتهمين بالإرهاب.
وركزت انتقادات شعبية على ما وصفه ناشطون بازدواجية المعايير في التعامل مع عناصر التنظيمات الإرهابية، مشيرين إلى أن الأشخاص أنفسهم قد يُوصفون بالإرهابيين عندما تصدر الأحكام بحقهم في مناطق معينة، بينما يتحولون إلى “معارضين سياسيين” أو “ثوار” عندما تصدر الأحكام بحقهم أمام محاكم في مناطق أخرى.
واعتبر أصحاب هذا الرأي أن القضية تتجاوز الخلاف السياسي، لتصل إلى مواجهة فكر متطرف ما زال يجد من يدافع عنه أو يبرر جرائمه، حتى بعد سقوط التنظيمات التي تبنته.
واستعاد ناشطون وقائع سنوات الحرب على تنظيمات داعش والقاعدة وأنصار الشريعة، متهمين بعض الأطراف السياسية والإعلامية بأنها أنكرت في مراحل سابقة وجود التنظيمات المتطرفة أو حاولت تقديم جرائمها باعتبارها جزءاً من صراع سياسي، قبل أن تطالب بالتدخل الدولي عندما امتد خطر الإرهاب إلى مناطق أخرى.
كما أشار متابعون إلى العمليات التي شهدتها بنغازي ودرنة وسرت ومناطق النفط، وإلى الاغتيالات والتفجيرات وعمليات الخطف والقتل التي استهدفت عسكريين وأمنيين ومدنيين، معتبرين أن هذه الوقائع تشكل خلفية لا يمكن تجاهلها عند تقييم الأحكام القضائية.
وأثارت القضية في الوقت نفسه نقاشاً أوسع بشأن استقلال القضاء الليبي، خصوصاً الدعوات المطالبة بإخضاع المحاكم المحلية لمراجعة أو رقابة خارجية.
وقالت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي إن الدعوة إلى إخضاع القضاء الليبي لرقابة جهات خارجية تمس استقلال السلطة القضائية والسيادة الوطنية، معتبرة أن القضاء يمثل أحد آخر مجالات القرار الوطني المستقل.
وانتقدت البركي استخدام توصيفات مثل “القضاء البرقاوي” و”القضاء الطرابلسي”، معتبرة أن هذا الخطاب يحمل شحنة تقسيمية، وأشارت إلى أن القضاة في مختلف أنحاء ليبيا تلقوا تعليمهم في مؤسسة قضائية واحدة وبالمنهج ذاته.
وفي الوقت نفسه، أقرت بأن الفساد يمكن أن يوجد في أي منظومة قضائية، لكنها رفضت تحويل وجود حالات فساد إلى مبرر لتدويل القضاء أو الانتقاص من استقلاله، مؤكدة أن معالجة أوجه القصور يجب أن تتم داخل المؤسسات الوطنية.
وشددت البركي على أن القضاء خط أحمر، دونه الموت، وأن تأليب الرأي العام ضد السلطة القضائية ليس رأيًا، بل جريمة تستوجب المحاكمة . ومن يقف ضد قضائنا عدو، لا يختلف عمّن يقف ضد الجيش أو يستهدف المدنيين !
وتعكس هذه المواقف جانباً من حساسية الملف الليبي، حيث يتقاطع الصراع على مكافحة الإرهاب مع قضية السيادة، واستقلال المؤسسات، ورفض أي إملاءات خارجية بشأن كيفية إدارة العدالة الوطنية.
وكان البعد الأكثر حضوراً في النقاش العام هو شهادات ذوي الشهداء، الذين أعادوا التذكير بالثمن الإنساني الذي دفعه الليبيون خلال سنوات المواجهة مع الجماعات المتطرفة.
وكتب أحد أبناء الشهداء، مستعيداً واقعة اغتيال والده عندما كان في الحادية عشرة من عمره، أنه كان حاضراً لحظة الجريمة، وأنه بقي إلى جوار جثمان والده لنحو نصف ساعة بينما كان الناس يراقبون من بعيد خوفاً من الاقتراب.
ووصف تنفيذ الأحكام بأنه أعاد شيئاً من الاعتبار لعائلات الضحايا، مؤكداً أن دماء الشهداء وحقوقهم لا يمكن أن تسقط من الذاكرة.
وتكشف هذه الشهادة عن جانب يتجاوز السجال السياسي والقانوني، إذ تضع القضية أمام أثر مباشر تركته الاغتيالات والقتل على أطفال وأسر فقدت معيلين وأقارب خلال سنوات العنف.
تنفيذ أحكام إعدام بحق عشرة مدانين بالإرهاب يعيد ملف جرائم داعش والقاعدة إلى الواجهة، وسط تأييد شعبي واسع للقصاص وجدال حول استقلال القضاء والسيادةواستشهد ناشطون بملفات عدد من المدانين، من بينهم عبدالرزاق ناصف بطاو، المعروف باسم “عروة”، وهو من مواليد عام 1988 ومن سكان مدينة درنة.
وبحسب المعلومات المتداولة عنه، فقد شارك في أحداث عام 2011 ضمن كتيبة شهداء درنة، ثم التحق بمجلس شورى شباب الإسلام عام 2014 قبل انضمامه إلى تنظيم داعش في العام نفسه، وشارك خلال الفترة من 2014 إلى 2015 في عمليات خطف وقتال ضد الجيش وعمليات تصفية.
وأفادت الرواية المتداولة بأنه فر من درنة عام 2015 بعد اندلاع صراع بين داعش ومجلس شورى شباب الإسلام، قبل أن يُلقى القبض عليه في ديسمبر 2016 أثناء محاولته مغادرة المنطقة متخفياً في زي نسائي وبرفقته أفراد من أسرته.
كما أشير إلى ارتباطه بملف جثامين عُثر عليها في غابة بومسافر، حيث ساهمت معلومات منسوبة إليه في تحديد مواقع دفن ضحايا الإرهاب وانتشال تسع جثامين بواسطة الهلال الأحمر في درنة.
ويقدم هذا الملف، في نظر مؤيدين للأحكام، مثالاً على أن المحاكمات لم تستند فقط إلى الانتماء التنظيمي، وإنما إلى وقائع وملفات مرتبطة بجرائم قتل وخطف وعمليات إرهابية.
محمد السلاكوقال المتحدث السابق باسم المجلس الرئاسي محمد السلاك إن وصف شخص يقتل ويفجر ويتبنى أناشيد القاعدة ويرفع علمها بأنه “معارض سياسي” يتعارض مع المنطق، مؤكداً في الوقت ذاته رفضه للتعميم أو اعتبار كل خصم سياسي إرهابياً.
وشدد السلاك على أن المعارضة السياسية حق مشروع عندما تلتزم بالوسائل السلمية، لكنه تساءل عن إمكانية التعامل مع جماعة تتبنى أفكار تنظيم القاعدة وتقاتل إلى جانب عناصر أجنبية وتواجه اتهامات بالتخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية في أكثر من دولة على أنها مجرد تيار سياسي.
من جانبه، تناول الإعلامي خليل الحاسي القضية بسخرية لاذعة، معتبراً أن تقديم أفراد من داعش والقاعدة بوصفهم معارضين سياسيين ظاهرة استثنائية في الحالة الليبية.
وأشار الحاسي إلى وقائع في درنة، بينها مبايعة عناصر لتنظيم داعش لأمير عراقي، واغتيال قضاة ومحامين ورجال شرطة، معتبراً أن تلك الوقائع تناقض بصورة مباشرة الرواية التي تحاول تقديم بعض المدانين باعتبارهم ناشطين سياسيين أو مقاتلين من أجل قضية سياسية.
وتؤكد الرواية الرسمية أن المدانين خضعوا لإجراءات قضائية تضمنت الادعاء والدفاع، وأن الأحكام صدرت بعد استكمال مراحل التقاضي، وهو ما دفع مؤيدين للقرار إلى رفض الادعاءات القائلة بعدم حصول المتهمين على محاكمات عادلة.
وقال ناشطون إن المحاكمات كانت قانونية واستوفت مراحلها، وإن المدانين حصلوا على حق الدفاع، فيما رأى آخرون أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تُدار بالعاطفة أو بما وصفوه بـ”الدروشة”، وإنما بالقانون والأدلة والأحكام القضائية.
وفي المقابل، فإن استمرار الجدل حول القضاء العسكري وحقوق المتهمين يعكس الحاجة إلى توضيح أكبر للرأي العام بشأن تفاصيل الملفات والأحكام وأسانيدها القانونية، بما يعزز الثقة في القضاء ويغلق الباب أمام التوظيف السياسي للعدالة.
ويعود جزء كبير من الغضب الشعبي إلى مشاهد الاغتيالات وقطع الرؤوس والتفجيرات التي شهدتها مدن ليبية خلال السنوات الماضية، وإلى عائلات ظلت تنتظر معرفة مصير أبنائها أو محاسبة المسؤولين عن قتلهم.
ويعتبر مؤيدو القوات المسلحة الليبية أن المعركة ضد التنظيمات المتطرفة لم تكن معركة عسكرية فقط، بل صراعاً مع فكر حاول تحويل ليبيا إلى ساحة لتنظيمات عابرة للحدود، مستفيداً من حالة الانقسام السياسي والأمني التي أعقبت عام 2011.
ومن هذا المنظور، يرى قطاع من الشارع أن تنفيذ الأحكام يمثل رسالة ردع إلى التنظيمات الإرهابية وخلاياها، كما يمثل رسالة إلى من قد يفكر في استخدام السلاح أو الإرهاب لفرض مشروع سياسي أو أيديولوجي على المجتمع.
في المقابل، يبقى القضاء، وفقاً للمبادئ القانونية، الجهة المختصة بتحديد المسؤولية الجنائية وإصدار الأحكام، بعيداً عن حملات التشهير أو الانتقام السياسي، وهو ما يجعل احترام أحكامه واستقلاله ضرورة لحماية الدولة والمواطن معاً.
بعد سنوات من سيطرة داعش وكارثة إعصار دانيال، تستعيد درنة عافيتها عبر مشاريع إعمار كبرى يقودها الجيش الوطني، لتتحول من ساحة حرب إلى نموذج للتعافي والاستقرار.وتأتي أحكام الإعدام في سياق أوسع من الصراع الليبي على بناء مؤسسات الدولة واستعادة احتكارها للسلاح، إذ يرى مؤيدو القيادة العامة أن مواجهة الإرهاب تتطلب جيشاً ومؤسسات أمنية وقضاءً قادراً على تنفيذ القانون، بينما يرى منتقدون أن ضمانات المحاكمة والشفافية تظل جزءاً أساسياً من أي استراتيجية مستدامة لمكافحة التطرف.
وبالنسبة إلى شريحة واسعة من الليبيين، فإن الأولوية تتمثل في حماية المواطن ومنع تكرار سنوات الاغتيالات والخطف والتفجيرات، مع رفض تحويل مكافحة الإرهاب إلى ذريعة لتصفية الخصوم السياسيين.
وتضع هذه المعادلة السلطات الليبية أمام مسؤولية مزدوجة: مواصلة ملاحقة المتورطين في الجرائم الإرهابية، وفي الوقت نفسه ضمان أعلى درجات الالتزام بالقانون والإجراءات القضائية، بما يمنع التنظيمات المتطرفة أو الجهات السياسية من استثمار ملف حقوق الإنسان لتقويض سيادة القضاء الليبي.
وفي المحصلة، أعادت أحكام الإعدام العشرة ملف الإرهاب إلى صدارة النقاش الليبي، لكنها كشفت أيضاً عن انقسام عميق بشأن توصيف المدانين، وحدود التدخل الخارجي، واستقلال القضاء، وذاكرة الضحايا. وبينما يرى مؤيدو الأحكام أنها خطوة طال انتظارها نحو القصاص والردع، يرى آخرون ضرورة إبقاء النقاش داخل الإطار القانوني والمؤسسي.
ويبقى المعيار الحاسم، بالنسبة إلى الدولة والمواطن الليبي، هو أن تكون مكافحة الإرهاب قائمة على الأدلة والقانون، وأن تكون العدالة واحدة أمام الجميع، وأن تُحسم الجرائم عبر مؤسسات قضائية وطنية مستقلة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية أو التوظيف السياسي، مع صون حقوق الضحايا والمتهمين في آن واحد.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤