تتزايد في ليبيا التحذيرات من تفاقم الاختلالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، في وقت يواجه فيه المواطن ضغوطاً متزامنة بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وأزمات الوقود والكهرباء واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، بينما تتجدد الدعوات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام وإصلاح مؤسسات الدولة ووضع قواعد أكثر صرامة لإدارة الموارد النفطية والمالية.
وفي هذا السياق، انتقد عضو مجلس النواب محمد عامر العباني ما وصفه بهدر موارد الدولة دون تحقيق الأهداف المرجوة، محذراً من انعكاسات ذلك على الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين. وقال إن الموارد، مهما عظمت، تظل محدودة، بينما قد تكون الأهداف كبيرة، معتبراً أن الحكمة تتمثل في توجيه الموارد نحو تحقيق الأهداف، وأن الكفاءة تقاس ببلوغها بأقل قدر من الموارد وفي أقصر وقت.
وأشار العباني إلى أن معيار النجاح يتمثل في تحقيق الأهداف ضمن حدود الموارد المخصصة لها، معتبراً أن الواقع الليبي يعكس اختلالاً واضحاً في إدارة المال العام، في ظل هدر الموارد وعدم تحقيق النتائج، بالتزامن مع ما وصفه بتضخم جيوب المسؤولين وارتفاع معدلات التضخم، بما يزيد صعوبة الحياة ويغذي حالة اليأس لدى المواطنين.
وتساءل عن إمكانية معالجة ما وصفه بـ«السرطان الفتاك» الذي ينخر مقدرات الدولة، مستحضراً تراجع مستوى الرفاه الذي كانت ليبيا تتمتع به في فترات سابقة، وداعياً إلى إصلاح الاختلالات في إدارة الموارد العامة بما يضمن توجيهها لخدمة المواطنين والحد من التداعيات الاقتصادية والمعيشية.
وفي ملف العمل، يرى العباني أن ليبيا تعاني ما سماه «بطالة نوعية»، مشيراً إلى عزوف قطاع واسع من الشباب عن مهن متاحة فعلياً في سوق العمل، نتيجة حصر الطموحات في وظائف ذات مكانة اجتماعية وراتب مضمون.
وأوضح أن مهن التمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات وأعمال النظافة، وغيرها من المهن الحرفية والصناعية والخدمية، تواجه إحجاماً من بعض الشباب باعتبارها لا تتناسب مع المركز الاجتماعي، وهو ما أسهم، وفق تقديره، في استحواذ العمالة الوافدة على 99 في المئة من هذه المهن.
وفي المقابل، نفى العباني وجود فجوة عميقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، موضحاً أن الكليات النظرية تخرج أعداداً تفوق الاحتياج، لكنه يرى أن التدريب النوعي قادر على تمهيد الطريق لاستيعاب الجميع.
وتختلف قراءة عضو مجلس الدولة الاستشاري سعد بن شرادة مع الأرقام الدولية للبطالة. فقد شكك في أرقام منظمة العمل الدولية التي صنفت ليبيا الأعلى بطالة في شمال أفريقيا بنسبة 50.1 في المئة للفئة العمرية بين 15 و24 عاماً، مقابل 18.8 في المئة لمعدل البطالة العام.
وقال بن شرادة إن عدد من هم في سن العمل يقترب من أربعة ملايين، يعمل أكثر من مليونين ومائتي ألف منهم لدى الدولة، إضافة إلى العاملين في قطاع خاص محدود، معتبراً أن هذه المعطيات تثير تساؤلات حول مدى دقة النسب الواردة في التقرير.
ودعا إلى تنشيط القطاع الخاص عبر التوسع في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يخفف الضغط على الباب الأول من الميزانية، المخصص لرواتب العاملين بالدولة.
ويرى رجل الأعمال حسني بي أن وجود مسار انتخابي واضح وقابل للتنفيذ يمكن أن يقلل جزءاً مهماً من حالة عدم اليقين، لأن المستثمر والمواطن والتاجر يحتاجون إلى معرفة الجهة التي تملك القرار، ومدة ولايتها، والقواعد التي ستستمر خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن الاقتصاد لا ينتظر السياسيين؛ فحتى إذا تأخر الاتفاق السياسي عاماً أو خمسة أعوام، سيواصل المواطن الاستهلاك والادخار والبحث عن الدولار، وستواصل الشركات اتخاذ قرارات الاستثمار أو الامتناع عنه، فيما تستمر الدولة في الإنفاق.
وحذر من أن تكلفة الانتظار السياسي لا يدفعها السياسيون وحدهم، بل يتحمل المواطن تبعاتها يومياً عبر تراجع القوة الشرائية والخدمات وفرص العمل.
وبحسب بي، يمكن للانتخابات أن تكون بداية لاستعادة الشرعية والاستقرار، لكنها ليست برنامجاً اقتصادياً في حد ذاتها، إذ يتطلب تحويل الانفراج السياسي إلى استثمارات فعلية وجود مؤسسات وقوانين وقواعد مستقرة.
وأشار إلى أن المستثمر لا يبحث فقط عن الجهة الحاكمة، وإنما يهتم باحترام العقود وفاعلية القضاء وإمكانية تحويل الأرباح واستقرار سعر الصرف وحماية الملكية واستمرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي.
وشدد على ضرورة عدم انتظار انتهاء الخلافات السياسية لإصلاح القضاء التجاري والسجل العقاري والمصارف والضرائب والجمارك وبيئة الأعمال.
وحذر من أن الانقسام السياسي يتحول إلى مشكلة اقتصادية عندما تتعدد مراكز القرار والإنفاق أمام مورد مالي واحد تقريباً، فتتزايد الالتزامات والرواتب والمشروعات المتنافسة على الإيرادات النفطية والنقد الأجنبي.
ورأى أن توحيد المؤسسات قد يساعد في معالجة ازدواجية الإنفاق، لكنه لا يكفي وحده، لأن وجود حكومة واحدة لا يعني بالضرورة انتهاء سوء الإنفاق إذا لم تقترن الوحدة بقواعد مالية واضحة وملزمة.
ودعا إلى ميزانية واحدة وإيرادات معلنة وسجل موحد للالتزامات ورقابة على المشروعات ومنع الإنفاق خارج الإطار المالي للدولة، مؤكداً أن الانتخابات قد تمنح جهة واحدة شرعية اتخاذ القرار، لكن القانون والرقابة هما الضامن لمنع إساءة استخدامه.
كما دعا إلى ضبط الإنفاق العام ووقف تعدد قنوات الصرف وإصلاح سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وإنهاء الريع المرتبط بالحصول على الدولار، مع إصلاح دعم المحروقات والطاقة عبر الانتقال من دعم السلعة إلى المواطن، وإصلاح الكهرباء والخدمات الأساسية وإعادة المصارف إلى دورها في تمويل القطاع الخاص والاستثمار.
ويضع أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة صقر الجيباني قضية الدعم في إطار أكثر تعقيداً، معتبراً أن الحديث عن استفادة الأغنياء من دعم المحروقات أكثر من الفقراء والدعوة إلى استبداله بتعويض نقدي يستلزمان أولاً تحديد من هو الغني ومن هو الفقير.
وأوضح أن ذلك يتطلب تحديد خط الفقر، مشيراً إلى أن البنك الدولي وضع خط الفقر للبلدان المتوسطة الدخل العليا، التي تضم ليبيا، عند نحو 6.85 دولار يومياً. وبحسب سعر الصرف الرسمي الذي أشار إليه، ويبلغ نحو 6.40 دينار للدولار، يصل خط الفقر للفرد إلى نحو 43.85 دينار يومياً، أو قرابة 1315 ديناراً شهرياً، معتبراً أن هذا الدخل إذا كان للأسرة التي تضم أربعة أو خمسة أفراد يضعها تحت خط الفقر.
وأشار إلى مفهوم الفقر متعدد الأبعاد الذي يقيس القدرة على الوصول إلى الصحة والإسكان والكهرباء ومياه الشرب، وليس الدخل فقط، لافتاً إلى ارتفاع أسعار الأدوية واضطرار ليبيين إلى التوجه لتونس ومصر للعلاج، وتدهور الكهرباء وارتفاع تكلفة مياه الشرب وتحول السكن إلى حلم بالنسبة إلى كثير من الشباب.
وخلص إلى أن الفقراء وفق مقياسي الدخل والخدمات يمثلون، بحسب تقديره، السواد الأعظم من المجتمع، وأنهم الأكثر استفادة من دعم المحروقات، معتبراً أن هذا الدعم أصبح خط الدفاع الأخير أمام دخولهم دائرة الفقر المدقع.
وفي الاتجاه نفسه، حذر عميد بلدية تاجوراء السابق حسين بن عطية من تداعيات رفع الدعم، قائلاً إن إلغاءه سينعكس مباشرة على حياة المواطنين عبر ارتفاع واسع في أسعار السلع والخدمات.
وأوضح أن زيادة أسعار البنزين والنافطة سترفع تكاليف النقل العام وسيارات الأجرة وتشغيل المعدات الزراعية، ثم تنتقل الزيادة إلى الخبز والمشروبات واللحوم والفواكه والخضروات، إضافة إلى تكاليف الحرث والزراعة، بما قد يطلق موجة تضخمية واسعة.
واعتبر بن عطية أن التأثير سيكون أشد على محدودي ومتوسطي الدخل مقارنة بأصحاب الأموال والمناصب، داعياً إلى التعامل مع إصلاح الدعم بصورة تضمن حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
جدل اقتصادي واسع حول مستقبل دعم المحروقات في ليبياوفي القطاع النفطي، أكد الخبير القانوني المتخصص في المجال النفطي عثمان الحضيري أن قوة الدول النفطية لا تقاس فقط بحجم الاحتياطيات، وإنما بقدرتها على إدارة مكامنها بكفاءة واستدامة وتنمية احتياطياتها الاستراتيجية وزيادتها.
وشدد على ضرورة أن تتم تنمية الاحتياطيات وفق التشريعات واللوائح المنظمة للصناعة النفطية، بما يحافظ على الثروة النفطية، معتبراً أن ذلك يتطلب إدارة مهنية متخصصة ووطنية تمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على اتخاذ القرارات، بما يضمن استدامة الثروة وتعظيم عوائدها للأجيال المقبلة.
ويذهب المهتم بالشأن الاقتصادي علاء محمود القزار إلى أن الأزمة الليبية لا ترتبط فقط بنقص الأموال أو سوء إدارة الحكومات المتعاقبة، بل بجذور أعمق تتعلق باستمرار نموذج اقتصادي واجتماعي تشكل قبل أكثر من نصف قرن، في ظروف سكانية واقتصادية تختلف جذرياً عن الوضع الحالي.
وقال إن الدولة نشأت بوصفها أكبر رب عمل، تتولى التوظيف والدعم والاستيراد وتوزيع السلع وتوفير الوقود والكهرباء والخدمات، في ظل ضعف القطاع الخاص والعمل المنتج والضرائب والمحاسبة.
وأشار إلى أن نحو 86 في المئة من قوة العمل الرسمية تعمل في القطاع العام، بينما لا يزال الاقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، مع ضعف القطاع الخاص وانقسام المؤسسات العامة.
وبحسب القزار، أسهم هذا النموذج في تكريس نظرة لدى بعض المسؤولين إلى المنصب باعتباره امتيازاً أو غنيمة، فيما أصبح بعض المواطنين ينظرون إلى الدولة باعتبارها مصدراً للراتب والدعم والمزايا، الأمر الذي يفتح، مع ضعف القانون والمحاسبة، المجال للفساد والواسطة والتهريب.
ويرى أن اكتشاف النفط حسّن التعليم والصحة ومستوى المعيشة، لكنه جعل الدخل أكثر ارتباطاً بالدولة من ارتباطه بالإنتاج، بينما أدى توسع الوظائف الحكومية والدعم إلى تراجع جاذبية الزراعة والبناء والصناعة والمهن اليدوية، وهو ما عُوض بالعمالة الأجنبية.
كما أشار إلى أن التعيينات والترقيات أصبحت في قطاعات عدة أقل ارتباطاً بالكفاءة وأكثر ارتباطاً بالولاء والواسطة والعلاقات الاجتماعية والمناطقية، فيما أدى الانقسام السياسي بعد عام 2011 إلى إضعاف الرقابة والمحاسبة وزيادة فرص الاستفادة من المال العام.
وقال إن تكلفة دعم الطاقة، وفق تقديره، بلغت نحو 17 مليار دولار خلال عام 2024 عند احتساب أشكال الدعم المباشر وغير المباشر.
ويرى القزار أن ليبيا تحتاج إلى «عقد اجتماعي جديد» لا يقتصر على تغيير الحكومة، بل يعيد تحديد العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات والقانون والشفافية والمحاسبة.
ودعا إلى الانتقال من «وظيفة حكومية للجميع» إلى «فرصة عمل حقيقية للجميع»، ومن الدعم العام للسلع إلى دعم المواطن المحتاج مباشرة، ومن المنصب ذي الامتيازات إلى الوظيفة العامة الخاضعة للمحاسبة.
كما دعا إلى استخدام عائدات النفط لبناء الأصول والمؤسسات والقطاعات المنتجة وفتح مساحة حقيقية أمام القطاع الخاص، محذراً من أن تغيير الحكومات بصورة متكررة لن يغير النتائج إذا بقيت قواعد إدارة الدولة والاقتصاد على حالها.
الاقتصاد الريعي يعمّق اختلال العلاقة بين المواطن والدولة في ليبيا … غلاء الأسعار تضخمودعا السفير الليبي السابق لدى أوكرانيا عادل عيسى إلى إجراءات تقشفية شاملة لمدة لا تقل عن عامين، تبدأ من مؤسسات الدولة وأصحاب المناصب العليا.
واقترح خفض مرتبات ومزايا المسؤولين في المؤسسات التشريعية والرقابية ومجلس الدولة والحكومة والمؤسسات والشركات الحكومية والمالية، إلى جانب مراجعة الإنفاق والمكافآت والامتيازات، ووضع سقف للمرتبات لا يتجاوز أربعة آلاف دينار للنائب أو الوزير أو المسؤول أو الموظف، بحسب مقترحه.
كما طالب بمراجعة التعيينات ووقف التوسع غير الضروري في الجهاز الإداري، والحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية والذهب، مؤكداً أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل وحده فاتورة سنوات من سوء الإدارة والإنفاق غير المنضبط.
وقال إن التقشف يجب أن يبدأ من أصحاب القرار ومؤسسات الدولة قبل أن يطال المواطن البسيط، محذراً من أن استمرار التأجيل قد يرفع كلفة الأزمة مستقبلاً.
وتتداخل أزمة الوقود مع ملف الرقابة. فقد قال المحلل السياسي زياد حبيب إن طوابير محطات الوقود وأزمة البنزين تعكسان، في رأيه، سوءاً أعمق في الإدارة، متسائلاً عن حجم الاحتياطي الاستراتيجي للدولة، ولماذا لا يتوافر احتياطي يغطي الاستهلاك المحلي ثلاثة أشهر على الأقل بدلاً من الارتهان للشحنات اليومية.
وأشار إلى اعتماد الحكومة على ما وصفه بسياسة «اليوم بيومه»، معتبراً أن أي تأخير لوجستي في وصول الشحنات وتفريغها يمكن أن يحول إلى أزمة طاحنة.
وتساءل عن أسباب عدم بناء خزانات جديدة وتوسيع قدرات التخزين والإمداد خلال السنوات الماضية، داعياً إلى استراتيجية وطنية واضحة للتخزين والشفافية والمساءلة.
من جهته، قال الإعلامي ناظم الطياري إن تكاثر الأسواق السوداء للنافطة والبنزين والدولار والأسمنت يعكس، بحسب وصفه، فوضى وانهياراً رقابياً.
وأشار إلى العقوبات المنصوص عليها في القانون الليبي رقم 4 بشأن تحريم اقتصاد المضاربة، ومنها السجن والغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف دينار، ومضاعفة العقوبة إذا كانت السلعة مدعومة، إضافة إلى مصادرة السلعة ووسيلة النقل والأدوات المستخدمة، وعدم جواز وقف تنفيذ العقوبة. ودعا جهاز دعم المديريات إلى مواصلة العمل، معتبراً أن الشارع والقانون إلى جانبه.
اقتصاد مرتبك وأسواق قلقة: الليبيون بين تقلب الدولار وضغوط الغلاءوتتجاوز التداعيات المؤشرات المالية إلى رأس المال البشري. وقال الخبير القانوني هشام سالم الحاراتي إن رأس المال البشري الذي كان يفترض أن يبني ليبيا تحول جزء منه إلى ضحية لفوضى السلاح وثقافة الكسب السريع، مرجعاً ذلك إلى غياب الدولة عن دورها وتراجع التعليم وانحسار فرص العمل.
وأكد أن الشاب ليس مجرد رقم في إحصائية أو أداة تستخدمها جماعة مسلحة، بل مواطن له حق في التعليم والعمل والحياة الآمنة والعيش الكريم، وأن الدولة مسؤولة عن حماية هذه الحقوق ومنع استغلال الحاجة والضعف.
وحذر من أن ليبيا لا تخسر الأموال فقط، بل تخسر العقول والشباب وسنوات من عمر جيل كامل.
وفي السياق الحقوقي، قال رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد عبدالحكيم حمزة إن الأزمات المتتالية أفرزت معاناة إنسانية ومعيشية، وعزا ذلك إلى ما وصفه بفشل وفساد سلطات الأمر الواقع غرباً، في إشارة إلى حكومة عبد الحميد الدبيبة، قائلاً إن مواطنين تحولوا إلى فقراء ومتسولين يبحثون عن لقمة العيش داخل وطنهم.
ويرى أستاذ التعليم العالي في علم الاجتماع عبد اللطيف كداي أن الأزمة تجاوزت الاستياء الفردي إلى ما وصفه بـ«فقدان ثقة مجتمعي»، داعياً الليبيين إلى العصيان المدني السلمي باعتباره أحد الخيارات المطروحة، من وجهة نظره، لمواجهة تدهور الأوضاع.
وأوضح أن العصيان المدني يختلف عن المظاهرات المحدودة، وأن اتساعه وتنظيمه حول مطالب واضحة وسلمية يمكن أن يفرض ضغوطاً اقتصادية وسياسية وإعلامية وتفاوضية على السلطات، خصوصاً مع مشاركة مناطق وشرائح اجتماعية متعددة.
وأكد أن أي تحرك من هذا النوع يجب أن يكون سلمياً ومنظماً ومبنياً على مطالب واضحة، معتبراً أن الحركة الشعبية المنظمة قد تدفع الحكومة إلى الحوار والتفاوض بدلاً من الاكتفاء بالوعود.
وانتقد الناشط السياسي أحمد العشيبي لجوء الحكومة إلى تنظيم ورعاية المهرجانات والفعاليات في ظل أزمات الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار، معتبراً أن ذلك يعكس، من وجهة نظره، عجزاً عن تقديم حلول حقيقية.
وقال إن المهرجانات تصنع مشهداً إعلامياً مختلفاً عبر الموسيقى والأضواء والاحتفالات، بينما يواجه المواطن انقطاع الكهرباء وطوابير الوقود وارتفاع الأسعار، معتبراً أن إدارة صورة الحكومة لا ينبغي أن تتقدم على معالجة الأزمات.
وأشار إلى أن أزمة الكهرباء تكشف ضعفاً في إدارة الدولة، ودعا إلى المساءلة والمحاسبة، مؤكداً أن تخصيص أرقام لتلقي بلاغات انقطاع الكهرباء لا يمثل حلاً للمشكلة.
كما انتقد ما وصفه بتحول الفعاليات الحكومية في شرق البلاد وغربها أحياناً إلى منافسة ومناكفات، بدلاً من أن تأتي بعد توفير الخدمات الأساسية.
وشدد على أن استمرار أزمتي الكهرباء والوقود في دولة نفطية خلال عام 2026 أمر غير مقبول، داعياً إلى توجيه الإنفاق لإنشاء محطات جديدة وتطوير الشبكة والاستعانة بشركات متخصصة، وفتح تحقيقات في أوجه الهدر ومحاسبة المسؤولين.
أثار رالي العرعار جدلاً واسعاً بسبب مظاهر البذخ وتوظيف موارد عامة وسط أزمات الكهرباء والوقود والمياه والسيولة، مع مطالب بكشف كلفة المهرجان وتمويلهوفي مقابل هذه التحذيرات، يرى المحلل السياسي فضيل الأمين أن ليبيا قادرة على النهوض من آثار الحرب والجشع والفساد والأنانية والحسد واليأس والغضب والكراهية والخوف والفوضى والانفلات وغياب الدولة.
وأكد أن ما يبعث على الأمل، من وجهة نظره، هو استحقاق الأجيال القادمة لواقع أفضل، معرباً عن قناعة راسخة بأن ليبيا ستنهض من جديد.
وتجمع هذه المواقف، رغم اختلاف زوايا أصحابها، على أن الأزمة الليبية لم تعد محصورة في نقص الموارد، بل باتت مرتبطة بكيفية إدارة المال العام، وبنية الاقتصاد، وضعف القطاع الخاص، وتعدد مراكز القرار، وأزمات الخدمات، وسوق العمل، والسياسات النقدية والدعم، إضافة إلى ضعف الرقابة والمحاسبة.
وبينما تختلف الآراء بشأن الطريق إلى الإصلاح، من الانتخابات وتوحيد المؤسسات إلى التقشف وإعادة بناء الاقتصاد وإصلاح الدعم أو الإبقاء عليه لحماية محدودي الدخل، يبقى المواطن في قلب المعادلة، بعدما أصبحت آثار الخلل الإداري والمالي تظهر بصورة مباشرة في سعر السلع، وتوافر الوقود والكهرباء، وقيمة الدينار، وفرص العمل، والخدمات الأساسية.
وتشير مجمل المواقف إلى أن أي معالجة مستدامة للأزمة تتطلب أكثر من تغيير الأشخاص أو الحكومات، وتحتاج إلى قواعد واضحة لإدارة المال العام، ومؤسسات موحدة وفاعلة، ورقابة حقيقية، وقضاء قادر على حماية الحقوق والعقود، واقتصاد أكثر تنوعاً، وقطاع خاص منتج، وإدارة كفؤة للثروة النفطية، مع حماية الفئات الأكثر هشاشة من أي إصلاحات مالية قد تدفع ثمنها وحدها.
وفي بلد يعتمد اقتصاده بصورة كبيرة على النفط، تبدو المعركة الأساسية، وفق هذه الرؤى، ليست حول حجم الموارد بقدر ما تتعلق بمن يديرها، وكيف تُنفق، ومن يراقبها، وما الذي يحصل عليه المواطن فعلياً مقابل الثروة التي تمثل المورد الرئيسي للدولة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤