أثار «مهرجان العرعار الدولي» في ليبيا، الذي استضافته مدينة مصراتة بين 18 و22 أغسطس الجاري، جدلاً واسعاً تجاوز حدود الاعتراض على فعالية ترفيهية أو رياضية، ليتحول إلى نقاش أوسع بشأن أولويات الإنفاق العام، واستخدام موارد المؤسسات الحكومية، وقدرة حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبدالحميد الدبيبة على قراءة المزاج الاجتماعي في بلد يواجه أزمات متراكمة في الكهرباء والوقود والمياه والسيولة وسعر الصرف وغلاء المعيشة.
وبحسب الانتقادات المتداولة، فإن جوهر الاعتراض لا يتعلق بحق الليبيين في الترفيه أو إقامة المهرجانات، وإنما بالتوقيت والإنفاق والشفافية. فبينما تتواصل شكاوى المواطنين من انقطاع الكهرباء، وأزمات الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، ظهرت تجهيزات متقدمة في موقع الرالي خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي دفع منتقدين إلى التساؤل عن سبب قدرة الدولة على توفير الخدمات للفعالية بهذه السرعة، بينما تعجز عن توفيرها بصورة مستقرة للمواطنين، ولا سيما في مناطق الجنوب.
من أكثر الملفات التي أثارت الجدل الحديث عن تجهيز طريق للرالي، وتحسين خدمات الاتصالات، وتوفير شبكة إنترنت عالية السرعة، إلى جانب انتظام الكهرباء في موقع الفعالية وفق ما تداوله مشاركون ومتابعون.
ويطرح منتقدو الحكومة سؤالاً مباشراً: إذا كانت الإمكانات الفنية واللوجستية متاحة لتوفير طريق وخدمات اتصالات وكهرباء لموقع فعالية خلال فترة قصيرة، فلماذا لا تُستخدم الإمكانات ذاتها لمعالجة الاختناقات التي يعانيها المواطن في المناطق الجنوبية وغيرها؟
ويكتسب السؤال بعداً اجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، خصوصاً مع استمرار شكاوى الجنوب من ضعف خدمات الكهرباء والإنترنت وأزمات الوقود. فالمواطن الذي يرى خدمات استثنائية تُنجز خلال أيام لصالح فعالية ترفيهية، قد يجد صعوبة في تفسير أسباب استمرار عجز الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية بصورة منتظمة.
وفي السياق ذاته، أثار تداول صور ومقاطع للرالي تظهر سيارات فارهة وتجهيزات مرتفعة الكلفة انتقادات بشأن اتساع الفجوة بين نمط حياة بعض النخب والمواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار ويبحثون عن الوقود والسيولة والدواء.
ولم يقتصر الجدل على أجواء المهرجان، إذ أظهرت مقاطع متداولة رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة ونجله محمد خلال وجودهما في الرالي، في مواجهة أسئلة من بعض الشباب بشأن استمرار انقطاع الكهرباء وتراجع قيمة الدينار، إلى جانب تذكير بتصريحات سابقة للدبيبة عام 2022 بشأن أحقية الليبيين في اليخوت.
وتحولت هذه المشاهد إلى مادة واسعة للنقاش، لأنها وضعت رئيس الحكومة في مواجهة مباشرة مع أسئلة ترتبط بأكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطن، من الكهرباء والعملة إلى مستوى المعيشة.
كما تداول شهود عيان صورة للدبيبة داخل خيمة ارتبطت بالرئيس الراحل معمر القذافي، وهي الخيمة التي قيل إنها كانت تستخدم خلال لقاءات واستقبالات رسمية في الداخل والخارج، قبل أن تختفي عقب أحداث عام 2011، مع تداول رواية عن انتقال حيازتها إلى أحد الأشخاص في منطقة الشقيقة جنوب غريان وبيعها لاحقاً مقابل 37 ألف دينار.
هذه الرواية، مثل غيرها من التفاصيل المتداولة حول المهرجان، تحتاج إلى توثيق مستقل، لكن إعادة تداولها عكست جانباً من طبيعة الجدل الذي أحاط بالفعالية، حيث اختلطت الأسئلة المتعلقة بالإنفاق العام مع رمزية المكان وشخصيات المرحلة السياسية السابقة.
المحلل السياسي محمد قشوط انتقد ما وصفه بمظاهر الترف التي يظهر بها بعض المسؤولين في ليبيا، قائلاً إن المسؤولين في الدول التي تحترم شعوبها يبتعدون خلال الأزمات المعيشية عن مظاهر الترف والسفر والاحتفالات، وينشغلون بمعالجة مشكلات المواطنين.
واتهم قشوط حكومة عبدالحميد الدبيبة بأنها فرضت نفسها بالأمر الواقع وليس بشرعية القانون، وربط ذلك بما اعتبره إخفاقات في ملفات الوقود والكهرباء والخدمات. كما أشار إلى تداعيات الحريق الذي طال خزانات الوقود في الزاوية، والأضرار التي لحقت بمحطة كهرباء الزاوية، واستمرار طرح الأحمال في ظل ارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن طوابير الوقود.
وانتقد قشوط ظهور الدبيبة في رالي العرعار، واعتبر وصوله برتل من السيارات الفخم لا يتناسب مع الظروف المعيشية للمواطنين، كما انتقد تداول مقاطع تصور أجواء الاحتفال في وقت تستمر فيه أزمات الكهرباء والوقود.
من جهته، أكد عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني أن المشكلة ليست في الرالي أو في حق الناس في الفرح، وإنما في التوقيت وغياب الإحساس بمشاعر المواطنين.
وقال الشيباني إن الفطرة الإنسانية السليمة ترفض إظهار مظاهر البذخ والترف أمام شعب يعاني الغلاء وانقطاع الخدمات وضيق المعيشة، مشيراً إلى أن الإنسان البسيط يراعي مشاعر جاره، فلا يظهر أمامه ما يعجز هو عن توفيره لأبنائه.
ورأى أن الأجدر بالحكومة تأجيل مثل هذه المظاهر الاحتفالية إلى وقت أفضل، وتوجيه مواردها وجهدها إلى تخفيف معاناة الليبيين، خصوصاً في ملفات الكهرباء والمياه والسيولة وسعر الصرف وغلاء المعيشة.
قشوط: مخططات عائلة الدبيبة تهدد استقرار ليبيافي المقابل، لا يرى مؤيدو المهرجان أن إقامة فعالية ترفيهية تمثل في حد ذاتها هدراً للمال العام. ويشير هؤلاء إلى أن الرالي يمكن أن يساهم في تنشيط السياحة الداخلية، وزيادة حركة الشراء، وإشغال الفنادق والشقق، وتحريك قطاعات النقل والخدمات والمطاعم والتجارة المحلية.
كما يرى مؤيدون أن الشباب الليبي بحاجة إلى مساحات للترفيه والرياضة والتجمع الاجتماعي، وأن تحميل مهرجان واحد مسؤولية جميع الأزمات التي تعيشها البلاد قد يكون مبالغة، خصوصاً في ظل إقامة فعاليات مشابهة في مناطق أخرى.
لكن هذا الدفاع يصطدم بسؤال مختلف يتعلق بالشفافية: كم بلغت كلفة المهرجان؟ ومن موّله؟ وما حجم مساهمة الشركات والمؤسسات العامة؟ وهل تم استخدام معدات وموارد حكومية؟ وهل حصلت الجهات العامة على مقابل واضح عن الخدمات التي قدمتها؟
هذه الأسئلة لا تحسمها الانتقادات السياسية ولا بيانات الترويج، وإنما تحتاج إلى كشف مالي وإداري واضح للرأي العام.
أثار رالي العرعار جدلاً واسعاً بسبب مظاهر البذخ وتوظيف موارد عامة وسط أزمات الكهرباء والوقود والمياه والسيولة، مع مطالب بكشف كلفة المهرجان وتمويلهالمحلل السياسي سليمان البيوضي انتقد دعوة شركة «الليبيانا» المواطنين إلى حضور المهرجان للاستفادة من خدمة الإنترنت ذات الجيل الخامس، معتبراً أن الرسالة لا تتناسب مع واقع مواطنين يعانون نقص الكهرباء والمياه.
واستخدم البيوضي لغة حادة في انتقاده، قائلاً إن ما يحتاجه المواطن ليس الإنترنت في موقع الرالي، وإنما الماء والكهرباء والخدمات الأساسية، مطلقاً وسم «العار عار» الذي حظي بتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي.
أما الخبير الاقتصادي مختار الجديد، فاختار السخرية من المشهد، داعياً المواطنين إلى ترك المهرجان والوقوف بدلاً من ذلك في طوابير الوقود ومواجهة انقطاع الكهرباء وأصوات الأعطال، في إشارة إلى أن الترفيه لا يمكن أن يحجب المشكلات الاقتصادية والمعيشية.
كما سخرت الإعلامية عفاف الفرجاني من حجم الاستعدادات للحدث، معتبرة أن إقامة مهرجان بهذا المستوى في الظروف الحالية تستحق التساؤل.
أثار رالي العرعار جدلاً واسعاً بسبب مظاهر البذخ وتوظيف موارد عامة وسط أزمات الكهرباء والوقود والمياه والسيولة، مع مطالب بكشف كلفة المهرجان وتمويلهالانتقادات الأوسع للرالي جاءت في سياق اقتصادي واجتماعي أشمل، إذ يرى منتقدون أن المواطن الليبي أصبح يعيش وفق قاعدة «التأقلم مع الأزمة»، بعدما تحولت الأزمات المتكررة إلى معيار للمقارنة.
فانقطاع الكهرباء لساعات طويلة يجعل المواطن يعتبر الانقطاع الأقل زمناً تحسناً، وارتفاع سعر المياه يدفع البعض إلى اعتبار توفرها بالسعر المرتفع أفضل من غيابها، بينما تؤدي أزمة الوقود والطوابير إلى تحويل مجرد توفر البنزين إلى مطلب يتقدم على سعره.
وفي سوق الصرف، أدى تراجع قيمة الدينار وارتفاع الدولار إلى زيادة الضغوط على أسعار السلع والخدمات، بينما تتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ويحذر منتقدون من أن استمرار هذه الحلقة قد يؤدي إلى أخطر مراحل الأزمة الاجتماعية: أن يتوقف المواطن عن المطالبة بالخدمة الجيدة، ويصبح هدفه الوحيد عودة الخدمة ولو بصورة ناقصة أو بسعر أعلى.
ومن أبرز نقاط الجدل الحديث عن مشاركة عمال وموظفين ومؤسسات وشركات عامة في التحضيرات، إلى جانب استخدام إمكانات لوجستية وتقنية مرتبطة بتنظيم الفعالية.
وفي دولة تواجه ضغوطاً مالية وخدمية، تصبح مسألة استخدام الموارد العامة أكثر حساسية، خصوصاً عندما لا تكون الكلفة الإجمالية ومصادر التمويل وطبيعة التعاقدات معلنة بصورة تفصيلية.
ولا يكفي، من الناحية الإدارية، القول إن الفعالية تنشط الاقتصاد المحلي؛ إذ ينبغي تحديد الكلفة والعائد، ومعرفة ما إذا كانت الموارد المستخدمة حكومية أو خاصة، وما إذا كانت هناك عقود أو مساهمات من مؤسسات عامة، وما الأساس القانوني لها.
غياب هذه البيانات يترك المجال مفتوحاً أمام الشائعات والاتهامات، بينما يمكن للشفافية المالية أن تحسم جانباً كبيراً من الجدل.
أثار رالي العرعار جدلاً واسعاً بسبب مظاهر البذخ وتوظيف موارد عامة وسط أزمات الكهرباء والوقود والمياه والسيولة، مع مطالب بكشف كلفة المهرجان وتمويلهوزاد التفاوت الطبقي الذي عكسته السيارات المشاركة في الرالي من حدة الانتقادات. وتحدث متابعون عن سيارات دفع رباعي مرتفعة القيمة، في وقت يواجه فيه مواطنون أزمات يومية في الوقود والخدمات.
كما أثيرت تساؤلات أمنية حول وجود سيارات مظللة وأخرى من دون لوحات في محيط الفعاليات، بالتزامن مع تداول ملاحظات بشأن ضعف حضور رجال المرور في بعض النقاط الحيوية.
وتداولت منصات التواصل صوراً لسيارات تحمل ملصقات تتضمن صورة وسام بن حميد، الذي تصفه جهات ليبية بأنه إرهابي مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما أثار استياءً بين بعض المشاركين والحاضرين من مصراتة. وهذه الواقعة، إذا ثبتت تفاصيلها، تفتح بدورها سؤالاً أمنياً حول الرقابة على المركبات والشعارات داخل فعالية عامة.
وفي مواجهة المهرجان، أطلق ناشطون دعوات لمقاطعته، مؤكدين أن المقاطعة لا تستهدف الفرح أو الرياضة، وإنما تمثل، بحسب وصفهم، احتجاجاً مدنياً سلمياً على أولويات الإنفاق وتراجع الخدمات وغياب الشفافية.
وظهرت في هذا السياق رسائل من مواطنين يربطون بين الرالي ومعاناة المرضى والأسر محدودة الدخل، مؤكدين أن الاحتفال يصبح أكثر صعوبة عندما يعجز مواطن عن شراء الدواء أو الحليب، أو عندما تنام أسر كاملة في الظلام رغم امتلاك ليبيا موارد نفطية وغازية كبيرة.
وعبر ناشطون عن المشهد بمثل شعبي ليبي يقول: «العريان في قزون، وفي صبعه خاتم»، في إشارة إلى التناقض بين المظاهر الاحتفالية وبين واقع الخدمات الأساسية.
المهرجانات والفعاليات الرياضية ليست مشكلة في حد ذاتها، بل يمكن أن تكون أداة لتحريك الاقتصاد والسياحة الداخلية وخلق فرص للعمل والترويج للمدن الليبية. لكن نجاح أي فعالية عامة لا يقاس فقط بعدد السيارات أو سرعة الإنترنت أو حجم التجهيزات، وإنما أيضاً بمدى انسجامها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي المحيط بها.
وفي الحالة الليبية، تبدو المسألة أكثر حساسية لأن المواطن لا ينظر إلى الرالي باعتباره حدثاً منفصلاً عن الدولة، بل يراه في سياق منظومة خدمات يفترض أن تكون متاحة للجميع.
ومن هنا، فإن حكومة الدبيبة، التي تواجه أصلاً انتقادات سياسية بشأن شرعيتها وأدائها، تتحمل مسؤولية مضاعفة في تقديم إجابات واضحة حول تمويل المهرجان وحجم الموارد العامة المستخدمة فيه، وكذلك تفسير الفارق بين سرعة توفير الخدمات للفعالية وبطء توفيرها للمناطق والأحياء التي تعاني نقصها.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن الليبي إلى حرمانه من الترفيه، بل إلى دولة تستطيع الجمع بين الاثنين: أن توفر له الكهرباء والمياه والوقود والدواء والتعليم والأمن، وفي الوقت نفسه تتيح له الرياضة والثقافة والفرح.
المشكلة ليست في أن يفرح الليبي، وإنما في أن يرى أمامه مظاهر الوفرة بينما يبحث هو عن الحد الأدنى من مقومات الحياة. وعندما تصبح الشفافية غائبة، تتضاعف الشكوك، وعندما تتسع الفجوة بين خطاب المسؤول وواقع المواطن، يتحول مهرجان عابر إلى عنوان لأزمة ثقة أكبر بكثير من حدود الرالي نفسه.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤