طرحت عضو لجنة الحوار المهيكل، الدكتورة منال أبوعميد، قراءة واسعة للمشهد الليبي خلال الأسبوع الماضي، معتبرة أن ما تشهده البلاد لم يعد مجرد أزمات منفصلة، وإنما مسار متزامن يطال الأمن والطاقة والاقتصاد والغذاء والسيولة، ويضع مؤسسات الدولة أمام أسئلة متزايدة بشأن قدرتها على إدارة المخاطر والتعامل معها قبل تحولها إلى أزمات أكبر.
وجاءت مواقف أبوعميد في وقت شهدت فيه مدينة الزاوية اشتباكات مسلحة بين مجموعات مسلحة وقوات محسوبة على حكومة عبد الحميد الدبيبة، منتهية الولاية وسط تطورات أمنية خطيرة طالت منشآت حيوية، بينها مصفاة الزاوية ومحطات الكهرباء، مع استخدام طائرات مسيرة في عمليات الاستهداف، بما أضاف بعدًا جديدًا إلى المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة وسلامة المنشآت النفطية والخدمية.
وفي بنغازي، شهدت البلاد حادثًا أمنيًا آخر تمثل في اغتيال اللواء فوزي المنصوري، وهي الجريمة التي وصفتها أبوعميد بأنها لا ينبغي أن تمر باعتبارها حادثًا عابرًا، أو أن تضاف إلى قائمة الجرائم التي تغلق ملفاتها بالصمت والنسيان.
تزامن التصعيد في الزاوية مع إطلاق مسيرات استهدفت مصفاة الزاوية ومحطة الكهرباء، في مشهد أعاد إلى الواجهة مخاطر استمرار الاشتباكات بالقرب من المنشآت النفطية ومصادر الطاقة.
وترى أبوعميد أن تزامن هذه التطورات مع اضطراب السوق وارتفاع أسعار الخضروات، ثم ظهور حملات تستهدف قطاع المبيدات الزراعية، يفرض التعامل مع الملفات باعتبارها عناصر مترابطة في منظومة واحدة، لا أزمات منفصلة تعالج كل واحدة منها بعد وقوعها.
وأكدت أن الاعتراض ليس على العلم أو الرقابة على المبيدات وسلامة الغذاء، وإنما على ضرورة وجود رقابة علمية حقيقية وشفافة، محذرة من أن تتحول دراسة أو معلومة غير مكتملة إلى حالة هلع تؤثر في المزارع الليبي وتدفع الإنتاج المحلي إلى التراجع.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، ربطت أبوعميد بين حملات الجدل حول المبيدات وبين واقع الأسعار، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية أصبح يفرض ضغوطًا مباشرة على المواطن.
وقالت إن الفلفل أصبح ينافس التفاح في السعر، محذرة من أن استمرار إضعاف الإنتاج المحلي سيؤدي إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة الضغط على العملة الأجنبية، فضلًا عن جعل غذاء الليبيين أكثر ارتباطًا بالأسواق الخارجية والمحتكرين.
وبحسب رؤيتها، فإن الأزمات المتلاحقة باتت تظهر في صورة متتابعة تشمل السيولة والأسعار والغذاء والكهرباء والوقود، وهو ما يعزز شعور المواطن بأن المشكلات لا تنتهي، وإنما تنتقل من قطاع إلى آخر.
وتساءلت أبوعميد عما إذا كان المطلوب هو انتظار تحول كل أزمة إلى كارثة قبل تشكيل اللجان للبحث عن أسبابها، محذرة من أن استمرار النهج ذاته قد يقود إلى أزمة وقود أو كهرباء جديدة، تتبعها التبريرات المعتادة بعد وقوع الضرر.
وفي خضم هذه التطورات، قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي استقالته إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، غير أن المجلسين رفضا الاستقالة وتمسكا باستمراره في منصبه، في خطوة تعكس حجم التجاذب المحيط بالمؤسسة النقدية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على الاقتصاد الليبي والأسواق وسعر الصرف والسيولة.
وتضع هذه التطورات ملف إدارة الموارد والمؤسسات المالية في قلب المشهد السياسي، خصوصًا مع تزامنها مع اضطراب الأسعار وتزايد المخاوف بشأن قدرة الدولة على الحفاظ على استقرار الأسواق وتأمين الاحتياجات الأساسية.
وترى أبوعميد أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، باعتبار أن ليبيا دولة نفطية وتمتلك إمكانات كبيرة تمكنها من تأمين الغذاء والطاقة والخدمات الأساسية، وإنما في إدارة الموارد وصناعة القرار وغياب التخطيط والمحاسبة واستمرار تدوير المسؤوليات بدلًا من محاسبة المقصرين.
استقالة ناجي عيسى تهز المركزي وتكشف صراع النفوذ الماليأما اغتيال اللواء فوزي المنصوري في بنغازي، فقد اعتبرته أبوعميد تطورًا أمنيًا خطيرًا يأتي في توقيت شديد الحساسية، خصوصًا مع تزامن الجريمة مع أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة.
وطرحت تساؤلات بشأن الجهة المستفيدة من الجريمة والجهات التي تقف وراءها، داعية إلى فتح تحقيق مهني وشفاف بعيدًا عن التسييس والتوظيف، وكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أيًا كانت صفته أو الجهة التي تقف خلفه.
وأكدت رفضها لأن تصبح حياة الليبيين ورجال الدولة والمؤسسة العسكرية رهينة للفوضى والإفلات من العقاب، محذرة من أن تتحول الاغتيالات إلى وسيلة جديدة لإدارة الخلاف السياسي.
اللواء فوزي المنصوريوتخلص أبوعميد إلى أن المطالبة بالتغيير لم تعد، من وجهة نظرها، ترفًا سياسيًا أو شعارًا للاستهلاك، وإنما باتت مرتبطة بالحاجة إلى تغيير حقيقي في آليات إدارة الدولة، بما يضع الأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد والسيولة ضمن منظومة واحدة.
كما دعت إلى منع تضارب المصالح، ومحاسبة المقصرين، وكشف الحقائق أمام الرأي العام، وحماية المنتج الوطني من الحملات العشوائية، وفي الوقت نفسه حماية المواطن من أي خطر حقيقي يثبت علميًا.
وفي ظل المشهد الأمني المضطرب والصراع بين التشكيلات المسلحة، والتجاذبات المحيطة بالمؤسسات السيادية، واستمرار الأزمات المعيشية، تبدو رسالة أبوعميد موجهة إلى جوهر طريقة إدارة الدولة أكثر من كونها تعليقًا على حادث منفرد.
وتقول إن ليبيا لا تحتاج إلى مجرد تغيير الأشخاص وتدوير الكراسي، وإنما إلى تغيير في طريقة إدارة الدولة، بحيث تصبح المؤسسات قادرة على استباق الأزمات بدل انتظار وقوعها، وعلى التخطيط والمحاسبة وتحمل المسؤولية.
وبالنسبة للمواطن الليبي، فإن تزامن أزمة الكهرباء والوقود والغذاء والأسعار والسيولة مع التوترات الأمنية والاغتيالات يضاعف الإحساس بأن كلفة سوء الإدارة لا تدفعها المؤسسات وحدها، بل يتحملها المواطن مباشرة في حياته اليومية.
وفي ختام موقفها، دعت أبوعميد إلى وقف ما وصفته بإدارة الدولة عبر الأزمات، والانتقال إلى إدارة تقوم على العقل والخطة والمحاسبة والمسؤولية، مؤكدة أن ليبيا لا تحتمل مزيدًا من الدماء، ولا استمرار الأزمات المتلاحقة دون معالجة جذورها.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤