ارتفاع أسعار النفط يعيد النقاش حول استثمار الفوائض وتعزيز الأمن الغذائي في ليبيا
عاد ملف إدارة العوائد النفطية إلى واجهة النقاش الاقتصادي في ليبيا، بعدما ارتفعت أسعار النفط بنحو ثلاثة في المئة، متجاوزة تسعين دولارًا للبرميل بالنسبة لخام برنت، مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من تعطل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، طرح وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، رؤية اقتصادية تدعو إلى الاستفادة من الفوائض الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط فوق السعر المعتمد في الميزانية العامة، من خلال توجيهها إلى صندوق سيادي يتولى استثمارها وفق أسس اقتصادية وإدارية متخصصة.
وأوضح عصر أن المواطن أصبح يرى ارتفاع أسعار النفط دون أن ينعكس ذلك بعائد ملموس على حياته اليومية، متسائلًا عن سبب عدم إعداد خطة تستثمر الفارق بين السعر التقديري للنفط في الميزانية والسعر الفعلي في الأسواق العالمية.
وأشار إلى أنه إذا كان السعر المعتمد في الميزانية يبلغ خمسة وسبعين دولارًا للبرميل، بينما ارتفع السعر إلى تسعين دولارًا، فإن فارق خمسة عشر دولارًا للبرميل يمثل هامشًا إضافيًا يمكن أن يحقق ما يقارب خمسة وعشرين مليون دولار يوميًا، بحسب تقديره.
وأضاف أن هذه العوائد، بعد احتسابها بصورة شهرية وسنوية، يمكن أن تشكل قاعدة مالية كافية لإنشاء صندوق سيادي حقيقي، يتولى إدارة الاستثمارات وفق إدارة اقتصادية عالمية متخصصة، بما يسهم في تحقيق تنمية حقيقية تعود بالنفع على الوطن والمواطن، إذا توفرت النوايا الصادقة والخطط السليمة والإدارة الوطنية.
وفي طرح موازٍ، شدد وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق على أن الأمن الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق دون أمن غذائي، معتبرًا أن الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد غذائها تبقى اقتصاداتها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات الدولية.
وأوضح أن السنوات الأخيرة أثبتت أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فحسب، بل أصبح قضية ترتبط بالسيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي والأمن القومي، في ظل ما يشهده العالم من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
وأشار عصر إلى أن ليبيا تمتلك مقومات طبيعية كبيرة لا تتوافر في كثير من الدول، تشمل الأراضي الزراعية الواسعة، والمياه الجوفية، والتنوع المناخي، والساحل الطويل، إلى جانب موقع جغرافي يتيح الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
وأضاف أن هذه الإمكانات تحتاج إلى رؤية تحول الزراعة من نشاط موسمي إلى قطاع اقتصادي حديث يعتمد على التكنولوجيا، والإدارة الرشيدة للمياه، والتصنيع الغذائي، وتطوير سلاسل الإمداد، وربط الإنتاج بالأسواق، بما يعزز كفاءة القطاع ويرفع مساهمته في الاقتصاد الوطني.
وأكد عصر أن الهدف لا يتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع المنتجات، لأن ذلك قد لا يكون الخيار الأكثر جدوى اقتصاديًا، وإنما في بناء أمن غذائي ذكي يقوم على إنتاج السلع الإستراتيجية التي تمتلك ليبيا فيها ميزة نسبية، إلى جانب إنشاء مخزون إستراتيجي قادر على مواجهة الأزمات والظروف الطارئة.
ورأى أن الاستثمار في الزراعة لا يمثل دعمًا لقطاع بعينه، بل يعد استثمارًا مباشرًا في استقرار الدولة، واستقرار الأسعار، وخلق فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الدولية.
صدمة الأسعار في رمضان: عندما يتحول الغذاء إلى مؤشر أزمةواختتم عصر طرحه بالتأكيد على أن كل هكتار يُزرع يمثل خطوة نحو استقلال القرار الاقتصادي، في إشارة إلى أهمية توسيع الإنتاج الزراعي باعتباره أحد ركائز تعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتجه فيه الأنظار إلى كيفية إدارة الفوائض المالية المحتملة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، وسط نقاشات متواصلة بشأن أفضل السبل لتوظيف الإيرادات النفطية في مشروعات تنموية واستثمارية تسهم في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ورفع قدرة الاقتصاد الليبي على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية، وذلك دون الإخلال بمتطلبات التنمية المستدامة أو بحقوق الأجيال المقبلة في الاستفادة من الثروة الوطنية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤