تتصدر تحديات السيادة الوطنية والمسارات الأممية المستمرة لإنهاء الانقسام المؤسسي في ليبيا واجهة التطورات السياسية، وسط تساؤلات حاسمة حول قدرة الحوارات المهيكلة على إنتاج حلول حقيقية ومستدامة بعيداً عن التدخلات الخارجية، وتتزايد المخاوف من تأثير هذا الانقسام على نزاهة الانتخابات المرتقبة، في ظل مفارقة واضحة تجمع بين استقرار اقتصادي هش وفوضى سياسية وأمنية معقدة، يرافقها تصاعد لافت في وتيرة المعلومات المضللة وتحديات توحيد المؤسسة العسكرية لبناء جبهة وطنية متماسكة.
وحول ذلك، وفي تصريح خاص أدلى به وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري لشبكة عين ليبيا، قدم قراءة سياسية موسعة وشاملة لتعقيدات المشهد الليبي الراهن، مسلطاً الضوء على أبعاد الأزمة السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والإعلامية، ومستقبل الحلول المطروحة في ظل التفاعلات المحلية والدولية.
دلالة تأكيد البعثة الأممية على القيادة الليبية للحل
أكد وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري أن تأكيد مبدأ “القيادة الليبية للحل” يحمل دلالة سياسية مهمة، لكنه يواجه إشكالية تطبيقية واضحة.
وأوضح أن هذا التأكيد يعكس إدراكاً أممياً بأن أي تسوية تُفرض من الخارج تفتقد الشرعية والاستدامة، وأن جذور الأزمة مرتبطة بتنافس داخلي على السلطة والموارد والشرعية.
غير أنه أشار إلى أنه في الواقع الليبي، لا يمكن فصل المسار الداخلي عن البيئة الدولية؛ فالقوى الخارجية ما زالت تؤثر عبر الدعم السياسي والأمني والاقتصادي لأطراف مختلفة، لذلك فإن “القيادة الليبية” قد تكون مبدأً مطلوباً، لكنها ليست كاملة السيادة ما لم يحدث توافق دولي على عدم استخدام الملف الليبي كساحة نفوذ.
ونوه إلى أنه كما هو معلوم، فمنذ أكثر من عقد ونصف من الزمن وُضعت ليبيا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلى جانب ضعف البعثة الحالية وفق ما جاء في الانتقاد الحاد الذي وجهه الأمين العام منذ بداية هذا العام لضعف هذه البعثة في تأدية مهامها في ليبيا.
تقييم الحوار المهيكل ومخرجاته
وبين وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري أن الحوار المهيكل يمثل فرصة لأنه يحاول الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة بناء قواعد للحل، خصوصاً إذا ركز على معالجة أسباب الانسداد مثل القاعدة الدستورية، وتوزيع السلطة، والضمانات الانتخابية.
واستدرك بالإشارة إلى أن التجارب السابقة، مثل مسارات الاتفاقات السياسية المتعددة، أظهرت أن المشكلة لم تكن دائماً في غياب التفاهمات، بل في غياب آليات التنفيذ والالتزام، لذلك فإن قيمة الحوار لا تُقاس بعدد التوصيات، بل بقدرته على تحويلها إلى ترتيبات ملزمة تحظى بقبول المؤسسات والقوى المؤثرة.
مخاطر الانقسام المؤسسي على الانتخابات
وحذر وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري من خطورة استمرار الانقسام المؤسسي، واصفاً إياه بأنه يمثل أحد أكبر العوائق أمام الانتخابات، لأنه يؤثر على شرعية القوانين الانتخابية، وحياد المؤسسات المشرفة على الانتخابات، وتوحيد الأجهزة الأمنية لحماية العملية الانتخابية، وقبول النتائج من الأطراف الخاسرة.
ونبه إلى أن الانتخابات في بيئة منقسمة قد تنتج أزمة شرعية جديدة بدل أن تكون حلاً، لأن الانتخابات ليست مجرد عملية تقنية، بل تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية متفق عليها.
التناقض بين التقدم الاقتصادي والفوضى السياسية
وشرح وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري التناقض بين التقدم الاقتصادي النسبي واستمرار الفوضى السياسية والأمنية، معتبراً أن هذا التناقض يعكس طبيعة الدولة الليبية بعد عام 2011، والمتمثل في وجود موارد مالية ومؤسسات اقتصادية قادرة نسبياً على العمل، مقابل ضعف المؤسسات السيادية.
وأضاف أن هناك قدرة على إدارة الدورة المالية (الإيرادات، الميزانية، النقد)، لكن توجد صعوبة في إدارة الدولة السياسية (الشرعية، الأمن، القرار الموحد)، وهذا يخلق نموذجاً من “الاستقرار الاقتصادي الهش” الذي يعمل فيه الاقتصاد، لكن دون تسوية سياسية عميقة.
وتطرق في هذا السياق إلى النموذج الذي قدمه برنارد ليون للهيكلية السياسية في ليبيا، من خلال وجود مؤسستين تتصارعان فيما بينهما نتيجة عدم وضوح الهيكلية المذكورة؛ وهما البرلمان الليبي، الذي يُفترض أنه مختص بالتشريعات، والمجلس الأعلى للدولة، وهو هيكلية فريدة في ليبيا وغير واضحة المهام، من خلال تدخلها في اختصاصات البرلمان.
وأفاد بأنه رغم أن الشكل الذي قدمه برنارد ليون، المسؤول الإسباني الأممي الأسبق، يعطي هذه المؤسسة شكلاً جديداً لما يعرف دستورياً بالغرفة النيابية الثانية، أي مجلس الشيوخ في النظام المعروف، فإنه مرة يقول إنها جهة تفسيرية تنظر فيما يصدر عن البرلمان من قرارات تشريعية في إطار دورها كأداة تفسيرية، ومرة تأخذ دوراً تنفيذياً من خلال رئاستها.
تأثير المعلومات المضللة ووسائل الإعلام
وبخصوص دور الإعلام، وافق وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري على أن قضية “المعلومات المضللة” أصبحت عاملاً مهماً في توجيه الرأي العام وإعاقة الحل السياسي، لكنها ليست السبب الأساسي للأزمة.
وأوضح أن المعلومات المضللة تؤثر عبر زيادة عدم الثقة بين الأطراف، وتتشويه المبادرات السياسية، وتعبئة الجمهور ضد التسويات، وتعميق الاستقطاب، لكن انتشار التضليل غالباً هو نتيجة للانقسام السياسي أكثر من كونه سبباً له؛ فكل طرف يمتلك شبكات إعلامية ومنصات تستخدمها لتعزيز روايته، ويضاف إلى ذلك دور وسائل التواصل الاجتماعي في الإعلام الإلكتروني، وكذلك في إثارة الفتن والمس بالنسيج الاجتماعي الليبي، كما تضاف مجموعة المحطات الفضائية التي تبث عبر سعات قمرية من خارج ليبيا، والتي هي الأخرى، في معظم محتواها دون تعميم، تضر في كثير من برامجها باللحمة الوطنية، بل تسعى للمساس بقضايا الوطن من خلال التشكيك في الوحدة الوطنية، مما يزعزع استقرار البلاد.
فرص نجاح الترتيبات الأمنية والمسؤولية الدولية
وفي المسار الأمني، رأى وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري أن الترتيبات التدريجية، مثل التنسيق الحدودي والاجتماعات الفنية، قد تكون أكثر واقعية من محاولة توحيد المؤسسة العسكرية بقرار سياسي سريع.
ولكن نجاحها يعتمد على الانتقال من التعاون الأمني المؤقت إلى عقيدة أمنية مشتركة، ومن التنسيق بين القيادات إلى هيكل قيادة موحد، ومن التفاهمات الشخصية إلى مؤسسات وقوانين، والخطر أن تتحول هذه الترتيبات إلى مجرد إدارة للتوازنات بدل بناء جيش وطني موحد.
ولفت إلى أن بلادنا تعيش ظروفاً صعبة، وما صرح به أوباما، الرئيس الأمريكي الأسبق، واعترافه بأن ما تم في عام 2011 من جانبه عبر حلف شمال الأطلسي هو تدمير للمؤسسات الليبية، وعلى رأسها القوات المسلحة الليبية ومختلف الأجهزة الأمنية، يوضح حجم الأزمة.
كما أن ما صرح به مؤخراً نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جي دي فانس، بأننا لا نريد تحول إيران إلى دولة فاشلة كما هو الحال عليه في ليبيا اليوم، يضع مسؤولية دولية لعودة ليبيا كدولة فاعلة تتحملها الأطراف التي ساهمت في وضع ليبيا تحت البند السابع في مجلس الأمن، والتي استخدمت القوة المفرطة وضربت البنية العسكرية الليبية، مما أدى إلى شبه نهاية للقوات المسلحة الليبية والمؤسسات المختلفة.
أسباب تعثر الاتفاق والبدائل المطروحة
وعن أسباب استمرار تعثر الاتفاق بين المؤسسات التشريعية الليبية رغم الضغط الدولي، فسر وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري ذلك بأن الخلاف ليس فقط قانونياً أو إجرائياً، بل يرتبط بالسؤال الأكبر: من يملك السلطة بعد الانتخابات؟
حيث إن كثيراً من الأطراف تنظر إلى الانتخابات باعتبارها تهديداً لمواقعها الحالية، لذلك يصبح التأخير أداة سياسية.
وعن البدائل أمام البعثة، فذكر أنها قد تشمل زيادة الضغط السياسي على المعرقلين، وتوسيع دائرة الحوار لتشمل أطرافاً اجتماعية ومدنية، وبناء مسار انتخابي تدريجي بضمانات دولية، وطرح آليات توافقية مؤقتة تمنع الفراغ.
وشدد على أن أي توجهات بالانفراد بالسلطة من خلال قوانين مزعومة، كما عُبّر عنها بالعزل السياسي، أفرغت ما تبقى من مؤسسات ليبية من أفضل العناصر والقدرات في الجانب التكنوقراطي والمؤسسي، بحيث يتم بناء الثقة في هذه الانتخابات لكامل أبناء وبنات الشعب الليبي دون تمييز.
مستقبل المشهد الليبي وسيناريوهات المرحلة
وفي ختام تصريحه، تحدث وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري عن السيناريوهات المتوقعة في ظل الحديث عن “نافذة زمنية ضيقة”، مشيراً إلى أن احتمالي التسوية القسرية الدولية والجمود الطويل كلاهما موجودان.
وأوضح أن التسوية القسرية قد تحدث إذا توصلت القوى الدولية إلى تفاهم مشترك حول أولوية إنهاء الأزمة، خصوصاً مع ارتباط ليبيا بملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي، أما الجمود الطويل فهو السيناريو الأسهل إذا استمر التنافس الدولي والانقسام الداخلي، إذ قد تستمر حالة “لا حرب ولا حل” بسبب قدرة الأطراف على البقاء دون اتفاق نهائي، والتقدير الأقرب أن ليبيا تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات؛ فهي ليست في طريق حتمي نحو الانفراج، لكنها أيضاً ليست في نفس مرحلة الصراع المفتوح السابقة، ونجاح أي مسار سيعتمد على تحويل الضغط الدولي من مجرد رعاية الحوار إلى ضمان تنفيذ نتائجه.
واختتم بالإشارة إلى أن التدخل الأجنبي خلال العقود الماضية في الشأن الليبي كان مرفوضاً، وأدى إلى تسلق البعض من معدومي الكفاءة عبر المال الفاسد للوصول إلى السلطة، رغم عدم قدرة هؤلاء على إدارة الشأن العام، ولعل نموذج ما يعرف بلجنة الـ75 التي أشرفت على الانتخابات التشريعية والتنفيذية شبه الصورية التي جرت خلال السنوات الماضية، وما أفرزته من نتائج ناجمة عن الرشوة والمحاباة، دليل واضح، وليس غافلاً عنه الشعب الليبي، وكذلك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في تلك الفترة.
هذا ويأتي تصريح وزير الإعلام والثقافة الليبي الأسبق محمد علي شرف الدين الفيتوري في سياق حالة من الانسداد السياسي المزمن الذي تعيشه دولة ليبيا منذ الإطاحة بالنظام السابق في عام 2011 إثر تدخل عسكري من حلف شمال الأطلسي الناتو.
ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة من الانقسام المؤسسي والحكومي بين شرق البلاد وغربها، وتعددت المبادرات الأممية والدولية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، غير أنها كانت تصطدم دائماً بالخلافات حول القوانين الانتخابية والقاعدة الدستورية، فضلاً عن الصراع على تقاسم الثروات النفطية والنفوذ الأمني بين الفصائل المسلحة والقوى السياسية المتنافسة، وسط تدخلات إقليمية ودولية مستمرة جعلت من الساحة الليبية منطلقاً لملفات شائكة تتعلق بالأمن الإقليمي، والهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط، وإمدادات الطاقة إلى أوروبا.
المصدر:
عين ليبيا