كشف التقرير الختامي للمسار الاقتصادي ضمن أعمال الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عن تحديات اقتصادية ومالية خطيرة تواجه البلاد، محذرًا من تداعيات استمرار السياسات الحالية على الاستقرار الاقتصادي ومستويات المعيشة خلال السنوات المقبلة.
وأشار التقرير، الذي عُرض خلال الجلسة الختامية للحوار اليوم الأحد في طرابلس، إلى استمرار اختلالات هيكلية عميقة في المالية العامة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية التي تمثل أكثر من 98% من إيرادات الدولة، مقابل ضعف الإنفاق التنموي الذي لا يتجاوز 11.3% من إجمالي الإنفاق العام، فيما تستحوذ المرتبات والدعم على نحو 73% من المصروفات العامة.
وأوضح التقرير أن دعم المحروقات يشكل أحد أكبر الأعباء على الميزانية العامة، حيث بلغت قيمته 16.6 مليار دولار خلال الفترة من 2019 إلى 2024، فيما ارتفعت فاتورة استيراد الوقود بنسبة 346% من 3.8 مليار دولار إلى 9.2 مليار دولار، ليستهلك دعم الوقود وحده نحو 25% من إجمالي الإنفاق العام.
وسلط التقرير الضوء على عدد من الاختلالات الاقتصادية الأخرى، من بينها تركز التنمية والسكان في المدن الساحلية، وضعف مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، وارتفاع معدلات البطالة المقنعة، إلى جانب اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وحذر من مخاطر متصاعدة تشمل تدهور سعر صرف الدينار، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع اقتصاد الظل، وزيادة معدلات الفقر، فضلًا عن احتمالات ارتفاع الدين العام وتراجع الخدمات الأساسية.
ووفقًا للتقرير، بلغ حجم العملة المتداولة خارج المصارف 47.17 مليار دينار، منها 21.5% عملة مطبوعة خارج الأطر القانونية، كما تجاوز الدين العام 303 مليارات دينار بنهاية عام 2025، بما يعادل نحو 146% من الناتج المحلي الإجمالي، موزعًا بين 217 مليار دينار على الحكومات المكلفة في بنغازي و84 مليار دينار على الحكومات المكلفة في طرابلس.
وأشار التقرير إلى أن إجمالي الإنفاق العام التراكمي في ليبيا خلال الفترة من 2012 إلى 2025 بلغ نحو 1.401 تريليون دينار، منها 1.182 تريليون دينار أنفقتها الحكومات المتعاقبة بين عامي 2015 و2025.
وفي سيناريو استمرار الأوضاع الحالية دون إصلاحات، توقع التقرير أن يصل سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى 14.5 دينار خلال الفترة بين 2027 و2030، مع احتمال ارتفاع التضخم إلى 30.3%، وزيادة نسبة الفقر إلى 59%، وارتفاع عرض النقود إلى 260 مليار دينار، فضلًا عن تجاوز الدين العام حاجز 500 مليار دينار.
كما حذر من أن استمرار الإنفاق بالمعدلات الحالية سيؤدي إلى تآكل الاحتياطيات الأجنبية، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار، وتصاعد عمليات التهريب وغسل الأموال، وارتفاع معدلات الفقر والتضخم، واستنزاف الثروة النفطية دون تحقيق تنويع اقتصادي حقيقي.
وفي ملف النفط، أوصى التقرير بإيداع جميع الإيرادات النفطية في حساب سيادي موحد وفق موازنات معتمدة وخاضعة للرقابة المالية، ومنع بيع النفط والغاز الليبي إلا عبر آليات تضمن توريد العائدات إلى الخزانة العامة.
كما دعا إلى إقفال الميزانيات المتراكمة للمؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة لها وإخضاعها لمراجعة محاسبية مستقلة، معتبرًا أن آلية الدفع بالنفط تفتقر إلى الشفافية والرقابة، مع ضرورة نشر بيانات أسبوعية تفصيلية حول صادرات النفط والغاز والكميات المصدرة والأسعار والإيرادات المحصلة.
وشملت التوصيات الإسراع في تطوير المصافي المحلية للحد من استيراد الوقود، والتدرج من تصدير النفط الخام إلى تصدير المنتجات النفطية والبتروكيميائية، وزيادة إنتاج الغاز، وتقليل حرق الغاز المصاحب، ودراسة إنشاء مشاريع للغاز المسال بغرض التصدير.
وعلى صعيد الإصلاحات المالية، أوصى التقرير بإصدار قانون لميزانية عامة موحدة تنفذه حكومة واحدة، وإنهاء الانقسام المالي والإنفاق الموازي، وربط الإنفاق بالإيرادات المتوقعة، وإصلاح منظومة الدعم، وتعزيز الشفافية المالية، وضبط الدين العام، ومكافحة الفساد، ودعم القطاع الخاص.
كما أوصى بعدم صرف أي مرتبات خارج منظومة الرقم الوطني بعد يوليو 2026، وإعداد جدول مرتبات موحد بحيث لا يتجاوز الفرق بين أعلى وأدنى راتب عشرة أضعاف، ووقف استحداث مؤسسات جديدة ممولة من الخزانة العامة، مع إعادة توجيه الإنفاق نحو البنية التحتية والصحة والتعليم بدلًا من التوسع في المصروفات الجارية.
ودعا التقرير إلى إلغاء التسويات المالية الخاصة بالمحروقات، وإلزام الجهات العامة بسداد قيمة الوقود من مخصصاتها المالية، وربط دعم الوقود والأدوية بالاحتياجات الفعلية للسوق، مع تشديد الرقابة على التوزيع ومكافحة التهريب.
وفي الجانب النقدي، أوصى بوقف التمويل بالعجز وخلق النقود، وحظر لجوء المصرف المركزي إلى تمويل الإنفاق الحكومي إلا وفق ضوابط قانونية صارمة، والعمل على توحيد سعر صرف الدينار وإنهاء تعدد أسعار الصرف والامتيازات في الحصول على النقد الأجنبي، وقصر بيع العملة الأجنبية للأفراد عبر المصارف التجارية فقط، مع إبعاد شركات الصرافة عن بيع النقد الأجنبي للأغراض الشخصية.
ووفق التقرير، بلغت الكلفة الإجمالية للصراع في ليبيا منذ عام 2011 وحتى 2020 نحو 576 مليار دولار بحسب تقديرات الإسكوا، فيما قُدرت الخسائر التراكمية حتى عام 2025 بنحو 600 مليار دولار، إضافة إلى فرص نمو اقتصادي ضائعة كان يمكن تحقيقها خلال تلك الفترة.
المصدر:
الرائد