على مدى أشهر عدة، أجرى مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، سلسلة من المفاوضات مع العائلتين المتنافستين اللتين تتقاسمان السلطة في ليبيا، في محاولة لدفع مسار تشكيل حكومة جديدة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى اقتراب سيناريو «ليبيا الموحدة».
وسلطت مجلة «جون أفريك» الضوء على تحركات بولس منذ أبريل 2025، في وقت يسعى فيه إلى إثبات حضوره الدبلوماسي داخل إدارة تشكك في قدراته، متخذًا من الملف الليبي نقطة ارتكاز أساسية على خطى الدبلوماسي اللبناني غسان سلامة، الذي ترأس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بين عامي 2017 و2020، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية: الاقتصاد والأمن والسياسة.
أول موازنة موحدة منذ أكثر من عقد
بحسب المجلة، تصدر الملف الاقتصادي قائمة الأولويات، حيث أقرّ مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة بالغرب في 11 أبريل موازنة موحدة، هي الأولى منذ عام 2013.
وقال الباحث المتخصص في الشأن الليبي بشير الجويني إن هذا الاتفاق، الذي جاء برعاية أميركية، يمنح واشنطن موقعًا متقدمًا، ويقلص من نفوذ أطراف دولية أخرى، مثل أوروبا وتركيا وروسيا، موضحًا أن واشنطن تستخدم أدوات اقتصادية ناعمة تربط بين دعم توحيد المؤسسات وتقوية هياكل فنية، مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
وبعد أيام قليلة، انطلقت مناورات «فلينتلوك 26» العسكرية التي نظمتها القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» في 14 أبريل بمدينة سرت، بمشاركة وحدات عسكرية من غرب ليبيا إلى جانب قوات من الشرق، بقيادة المشير خليفة حفتر، في حدث لفت اهتمامًا واسعًا من الجانب الأميركي.
وقال القائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى ليبيا، جيريمي بيرنت، إن هذه التدريبات تعكس استمرار زخم الجهود الليبية نحو الوحدة والاستقرار، مؤكدًا التزام بلاده بدعم مسار الشركاء الليبيين نحو تعزيز الأمن الإقليمي.
- بولس: الولايات المتحدة تدعم جهود تيتيه الحالية للوصول إلى الانتخابات في ليبيا
- - مسعد بولس: مستقبل ليبيا مرهون بالتقدم في 3 ملفات.. وأي مبادرة سياسية يجب أن تشمل تحالفًا واسعًا من الفاعلين
مفاوضات سياسية وتحالفات محتملة
في موازاة ذلك، تجرى مفاوضات سياسية لتشكيل حكومة موحدة، يتصدرها رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبد الحميد الدبيبة، مع تداول أسماء لشخصيات أخرى، بينها صدام حفتر، الذي يُطرح لمنصب قريب من رئاسة المجلس الرئاسي، الهيئة التي تأسست عام 2021، وتُعد الأقرب إلى منصب رئاسة الدولة وفق توصيف المجلة.
وتشير المعطيات إلى أن صدام حفتر يسعى إلى تعزيز موقعه السياسي، في وقت يرى فيه مراقبون أن شقيقه خالد حفتر قد يستفيد من أي تسوية محتملة لترتيب موقعه داخل المؤسسة العسكرية في شرق البلاد.
وفي طرابلس، تتحدث مصادر دبلوماسية عن دعم عائلة الدبيبة فكرة حكومة موحدة، مع تأكيدات من دبلوماسيين غربيين أن الهدف الأساسي يتمثل في البقاء ضمن مراكز القرار، حتى مع تقديم تنازلات في توزيع الحقائب السيادية بين الشرق والغرب.
كما تطرقت «جون أفريك» إلى التنافس داخل محيط الدبيبة نفسه، في ظل طموحات أحد أقاربه ومستشاريه، إبراهيم الدبيبة، الذي يُنظر إليه كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة، خاصة مع تحركاته واتصالاته الدولية خلال السنوات الماضية، التي شملت لقاءات مع مسعد بولس في أكثر من مناسبة.
إعادة توزيع النفوذ وتحديات التنفيذ
في شرق ليبيا، يُعتبر بلقاسم حفتر من أبرز المتأثرين بإعادة توزيع الموارد، خصوصًا ما يتعلق بملف إعادة الإعمار، حيث يرى محللون أن أي تغيير في آليات الإنفاق قد يحد من نفوذه الاقتصادي.
وأشار الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقرار الموازنة الموحدة، بل في آليات تنفيذها وغياب الأطر القانونية والمحاسبية الواضحة، معتبرًا أن بعض التحركات العسكرية ذات طابع استعراضي أكثر منها عملي.
روسيا تتابع بصمت
في السياق الإقليمي، تشير المجلة إلى أن روسيا تراقب المشهد الليبي دون تدخل مباشر، على الرغم من احتفاظها بنفوذ داخل شرق البلاد، حيث يرى مراقبون أن موسكو تعد مسار التوحيد لا يُفرض عليها من الخارج.
في هذا الإطار، أوضح حرشاوي أن موسكو تنظر إلى الملف الليبي ضمن توازنات أوسع تشمل علاقاتها مع الغرب، مع تركيز خاص على الوجود الأوكراني في طرابلس، في وقت سُجلت فيه تطورات أمنية مرتبطة بسواحل العاصمة، بينها هجوم استهدف ناقلة غاز روسية في مارس الماضي، ما دفع موسكو إلى توجيه اتهامات مباشرة لكييف.
وتختتم «جون أفريك» تقريرها بالإشارة إلى أن المشهد الليبي لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات، في ظل تداخل الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وصعوبة حسم مسار «ليبيا الموحدة» في المدى القريب.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة