«نريد ليبيا مستقرة وموحدة تماماً»، هكذا قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بعد لقائه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة في 18 أبريل الجاري، ويبدو أن واشنطن تجرب استراتيجية الصفقة في ليبيا لإنهاء انقسام الشرق والغرب، لتضرب عدة عصافير بحجر واحد، لكن الخطة الأميركية التي تهدف وفق تسريبات إلى تشكيل حكومة موحدة في ليبيا برئاسة عبدالحميد الدبيبة يكون فيها وزيراً للدفاع، وصدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي، لحين إجراء الانتخابات العامة تواجه معارضة واسعة غرباً وشرقاً.
ولا يخفى على أحد أن مبادرة واشنطن لتوحيد ليبيا المنقسمة، تهدف إلى تعزيز فرص الاستثمار في نفط البلاد وغازها، ووضع حد لتنامي النفوذ الروسي، وكذلك محاولة إيجاد موطأ قدم عسكري في ليبيا أسوة بموسكو، وهو ما يبدو جلياً في إقامة جزء من مناورات فلينتلوك 2026 في مدينة سرت الليبية.
على رأس معارضي الخطة الأميركية يبرز المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة، الذي صوت بالإجماع في 6 أبريل الجاري على رفض المقترح الأميركي برمته، معلناً أنه يلتف على اتفاق الصخيرات الموقع العام 2015، والمسار السياسي التي تقوده البعثة الأممية.
أيضاً رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي سارع بإطلاق تحرك مضاد شمل اتصالات في برلين وباريس وموسكو، ولقاءات مع قيادات عسكرية في الغرب الليبي.
أطراف سياسية وعسكرية تعارض الخطة الأميركية
ولا تقتصر معارضة الخطة الأميركية على الأطراف السياسية فقد أعلن أعيان مصراتة ومجلس مصراته العسكري، و«تجمع قادة ثوار ليبيا» رفض «صفقات اقتسام السلطة»، مع التلويح بالنزول إلى الشوارع، كما حذر مفتي ليبيا الصادق الغرياني من المبادرة واصفاً إياها بـ«المشؤومة».
انقسام داخل المعسكر الشرقي نفسه
ولم يقتصر الرفض على أطراف وتشكيلات في الغرب، فقد أبدى الفريق خالد حفتر، رئيس أركان قوات القيادة العامة، تحفظات علنية غير مسبوقة على صعود شقيقه صدام، محذراً مما وصفه بـ«إعادة إنتاج الأزمات»، كما انضم إلى الموقف الرافض بلقاسم حفتر، الذراع الاقتصادية للعائلة، ما يكشف صدعاً داخل البيت الذي يرى الكثيرون أن المبادرة مكافأة أميركية له.
لقاء «بولس ـ الدبيبة» جرى على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، وخلاله أكد مستشار ترامب أهمية توقيع اتفاق الإنفاق الموحد في أبريل 2026.
تمرين «فلينتلوك» في ليبيا
بولس قال إنه ناقش مع الدبيبة كيفية دعم بلاده التقدم نحو توحيد جميع المؤسسات الليبية، وإجراء الانتخابات الوطنية. أيضا تطرق مستشار ترامب إلى إقامة تمرين «فلينتلوك» في مدينة سرت 14 أبريل الجاري، وذلك بمشاركة قوة مشتركة ممثلة لقوات «القيادة العامة»، وأخرى ممثلة لقوات حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة».
أضاف: «ناقشنا كيفية البناء على هذه الخطوات في التكامل الاقتصادي والعسكري، وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تدعم بشكل أفضل التقدم نحو توحيد جميع المؤسسات الليبية والانتخابات الوطنية».
وتابع: «واشنطن ترغب في رؤية ليبيا مستقرة وموحدة تماماً في سلام، وقادرة على التركيز على زيادة الازدهار والفرص الاقتصادية للشعب الليبي وشركائهم الدوليين».
مشاركة أميركية ـ إيطالية في التمارين العسكرية بسرت لمدة أسبوعين
وبدأ التمرين العسكري «فلينتلوك» في مدينة سرت الثلاثاء قبل الماضي، لمدة أسبوعين، وهو الحدث التدريبي السنوي الأبرز للعمليات الخاصة التابع للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم».
من جانبه يرى الباحث في معهد «أميركا إنتربرايز»، مايكل روبين، أن «تدريبات فلينتلوك 2026 العسكرية تكشف كيف تسعى القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أفريكوم إلى دفع ليبيا نحو الاستقرار عبر بوابة التعاون العسكري».
وفي مقال نشره منتدى الشرق الأوسط، 20 أبريل الجاري أوضح روبين أن اختيار «بنتاغون» لمدينة سرت لعقد تدريبات «فلينتلوك 26» يعكس الحقائق على أرض الواقع، ويؤكد أن هناك مساراً آخر مغايراً للمسار الدبلوماسي أكثر تأثيراً، وهو التحرك العسكري المنظم كأداة لفرض واقع جديد.
ومن وجهة نظر الباحث تعد أداة التعاون العسكري أداة أكثر فعالية من الدبلوماسية التقليدية في بناء العلاقات بين الدول. وقال: «في حين يعتمد الدبلوماسيون الأوروبيون على الاجتماعات للتشاور، فإن التدريبات العسكرية تمنح جميع الأطراف فرصة التفاعل الحقيقي لعدة أيام».
عبدالحميد الدبيبة بصفته وزير الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عقد اجتماعاً الثلاثاء مع وكيل وزارة الدفاع الفريق عبدالسلام الزوبي، ورئيس الأركان العامة الفريق أول صلاح الدين النمروش، وذلك لمتابعة أوضاع المؤسسة العسكرية ومستوى الجاهزية العامة.
الاجتماع تناول خطط التدريب والتأهيل، وبرامج تطوير القدرات العسكرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز الشراكات الدولية في مجالي الدفاع والأمن، بما يدعم رفع كفاءة الأداء وتحديث المنظومة العسكرية، وذلك وفق منشور مصور لرئاسة الأركان العامة على صفحتها الرسمية بمنصة فيسبوك.
كما ناقش الاجتماع الأوضاع المالية لمنتسبي المؤسسة العسكرية، حيث جرى التأكيد على ضرورة وضع آليات تنفيذية واضحة تضمن تسوية المستحقات، وتسهيل إجراءات صرفها بشكل منتظم، بما يعزز الاستقرار الوظيفي ويدعم الجاهزية العامة.
وفي مقابل المعارضين أعلن عدد كبير من العسكريين المؤيدين للدبيبة تأييد المبادرة الأميركية منهم محمد الحصان عضو لجنة الترتيبات الأمنية والعسكرية وآمر «الكتيبة 461 حرس حدود».
الحصان أعلن في منشور على فيسبوك دعمه «لتوحيد المؤسسة العسكرية، ولمّ الشمل بعيداً عن الفتنة»، وقال: «هذا ما كنا نهدف إليه منذ سنوات، هذا مشروعنا وليس مشروعاً أميركياً؛ ولذا ندعم أي شخص يعمل على لمّ شمل ليبيا أياً كان توجهه».
أما العقيد محمد بحرون، الملقب بـ«الفأر» آمر قوة الإسناد بالزاوية فانتقد رافضي خطوات توحيد الجيش، وقال «إلى الذين يتباكون اليوم بكلمات حق أُريد بها باطل، ويرفعون شعارات لا للعسكر فقط لعرقلة لمّ شمل البلاد، ومنع استقرار مؤسساتها الأمنية والعسكرية؛ محاولاتكم اليائسة لشيطنة الشرفاء الذين وقفوا في الميادين حين غبتم أنتم، لن تثنينا عن المضي قدماً في مشروع توحيد الصفوف، وحماية تراب هذا الوطن. نحن نعلم جيداً من يحرككم ومن يمول أبواقكم الخبيثة لتبقى البلاد في حالة فوضى، تخدم أجنداتكم المشبوهة».
على الصعيد العسكري نفسه، وصلت الثلاثاء طلائع القوة التابعة لرئاسة الأركان العامة بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» إلى المعسكر المخصص بمدينة إزمير التركية، للمشاركة في التمرين التعبوي الدولي «EFES 2026».
المشاركة تأتي ضمن التمارين الدورية التي تُنظم كل عامين، وتهدف إلى تعزيز التعاون العسكري المشترك، وتبادل الخبرات، والاطلاع على أحدث الأساليب التدريبية والعملياتية، بما يسهم في رفع كفاءة وجاهزية المنتسبين، وفق بيان رئاسة الأركان عبر صفحتها على «فيسبوك».
تضم القوة المشاركة عناصر من رئاسة الأركان البرية، ورئاسة الأركان البحرية، ومنطقة الساحل الغربي، و«اللواء 111 مجحفل»، والقوات الخاصة البحرية، وهيئة الإمداد والتموين، وإدارة الهندسة العسكرية، وجهاز الطب العسكري، إلى جانب عدد من الوحدات الأخرى، بإشراف إدارة التدريب.
أيضا الإثنين وصلت قوات تابعة لـ«القيادة العامة» إلى تركيا للمشاركة في التمرين التعبوي الدولي «EFES 2026»، الذي يُقام في مدينة إزمير التركية، بحسب بيان لوزارة الدفاع التركية، عبر صفحتها على «فيسبوك».
أضاف البيان أن طلائع قوات «القيادة العامة» غادرت بنغازي على متن طائرة تابعة للقوات الجوية التركية ووصلت إلى تركيا، حيث يستمر وصول الأفراد الليبيين.
تمرين «EFES 2026»
ويعد تمرين «EFES 2026» من أكبر التدريبات العسكرية المشتركة للقوات المسلحة التركية، بمشاركة القوات الجوية والبحرية والبرية، مع التركيز على الإنزال البرمائي والهجوم الجوي والدعم الناري المشترك، كما يختبر كفاءة أنظمة القيادة والسيطرة والتخطيط العملياتي المشترك، ويُستخدم كمنصة لتحسين التنسيق بين القوات في سيناريوهات قتالية متعددة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة