آخر الأخبار

باحث لـ«الوسط»: «جادوب الصنوبر» وباء يهدد «رئة ليبيا»

شارك
مصدر الصورة
غابات الصنوبر في الجبل الأخضر. (الإنترنت)

في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي تواجه الغطاء النباتي في شرق ليبيا، تبرز آفة «جادوب الصنوبر» كأحد أخطر التهديدات التي تستهدف غابات الصنوبر في منطقة الجبل الأخضر، ولم يعد التعامل مع هذه الآفة مسألة عابرة؛ بل بات يتطلب مقاربة علمية دقيقة تستند إلى البحث والتجريب، في محاولة لحماية إرث بيئي تشكّل عبر مئات السنين.

مصدر الصورة مصدر الصورة

في هذا السياق تبرز جهود بحثية متخصصة تقود تجربة علمية متقدمة، تهدف إلى فهم سلوك هذه الآفة وتطوير آليات مستدامة لمكافحتها، بعيداً عن الحلول التقليدية، في السطور التالية نقترب أكثر من هذا الموضوع:

الباحث المتخصص في مجال البيئة رئيس قسم الإعلام بمركز البحوث الزراعية بمدينة البيضاء يونس أحويج يوضح لـ«الوسط» حجم التهديد الذي تمثله آفة جادوب الصنوبر لأشجار الصنوبر في منطقة الجبل الأخضر، وكيف انعكس ذلك على الغطاء النباتي في المنطقة؟

جادوب الصنوبر ليست مجرد «دودة» أو آفة عابرة؛ بل هو وباء يهدد بهدم إرث طبيعي استغرق مئات السنين لينمو، وإذا لم يجر التدخل بوسائل مكافحة حديثة ومنظمة، فإننا نفقد أجزاءً أصيلة من هوية الجبل الأخضر البيئية.

إذاً ما الدافع العلمي وراء قراركم تربية هذا الدود في المختبر خلال الأشهر الماضية، على الرغم من كونه من الآفات الضارة؟ وما هي الإمكانيات التي توفرت لديكم للقيام بهذه التجربة؟
الدافع العلمي الرئيسي الذي قادنا كفريق للعمل على هذه الآفة هي المقولة الشهيرة (اعرف عدوك لتنتصر عليه)، فتربية «جادوب الصنوبر» في المختبر ليست غاية في حد ذاتها؛ بل هي ضرورة استراتيجية لمعرفة التوقيت الدقيق لكل مرحلة من مراحل حياة الشرنقة واليرقة في بيئة الجبل الأخضر تحديداً، لأن المناخ المحلي يؤثر على موعد خروجها، وهذا يساعدنا في تحديد الوقت المثالي لعمليات الرش والمكافحة قبل أن تستفحل.

بعد ذلك نقوم بالبحث عن «نقطة الضعف» من خلال مراقبة الدودة عن قرب، نختبر فاعلية بعض المبيدات الحيوية (صديقة البيئة)، لنرى مدى تأثيرها عليها في المختبر قبل تعميمها في الغابات، لضمان نتائج أفضل وأقل ضرراً على الطبيعة.

كما نسعى لدراسة الأعداء الطبيعيين حيث نحاول معرفة ما إذا كانت هناك طفيليات أو حشرات محلية تهاجم هذه الآفة، لنفكر في كيفية استخدام «المكافحة البيولوجية» بدلاً من الكيماويات فقط.

وعلى الرغم من التحديات، استطعنا توفير البيئة الملائمة للبحث من خلال وجود المختبرات المتخصصة إذ اعتمدنا على مرافق مركز البحوث الزراعية، وقمنا بتوفير «أقفاص تربية»، خاصة تضمن عزل الآفة ومنع تسربها، مع التحكم في درجات الحرارة والرطوبة لتشابه بيئة الجبل الأخضر.

لدينا كوادر وطنية مؤهلة تتابع هذه اليرقات يومياً بجدية ودقة، وتسجل الملاحظات العلمية حول سلوكها وتغذيتها ومن خلال العمل الميداني. نحن نربي هذه الآفة في «سجن مختبري» لنكتشف أسرارها، حتى تكون حربنا ضدها في الغابة مبنية على علم ودراسة، لا على تخمين فقط.

وإلى أي مدى ساعدت عملية تربية اليرقات ومتابعة دورة حياتها عن قرب في فهم طبيعة انتشارها وتأثيرها؟
عملية التربية في المختبر كانت بمثابة «مجهر» كشف لنا تفاصيل لم نكن لنراها في الغابات الشاسعة، هذه الخطوة ساعدتنا في فهم «سلوك العدو» بشكل دقيق جداً حيث قمنا بتحديد «نقاط الضعف» في دورة الحياة من خلال مراقبة اليرقات يومياً، واستطعنا تحديد اللحظة الدقيقة التي تخرج فيها من بيوضها وتبدأ في بناء أعشاشها الحريرية، هذه المعلومة جوهرية، لأنها تحدد لنا «النافذة الزمنية» التي يكون فيها التدبر أو الرش أكثر فعالية قبل أن تقوى اليرقة وتتحصن داخل عشهـا.

كما ساعدتنا التجربة المخبرية في فهم «الشهية التدميرية»، هذا مكننا من تقدير حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بشجرة صنوبر كاملة بناءً على عدد الأعشاش الموجودة فيها، مما يساعد في تقييم مستوى الخطر في كل منطقة.

- للاطلاع على العدد «542» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ويختلف تأثير المناخ المحلي، تحديدا مناخ الجبل الأخضر ببرودته ورطوبته عن مناطق أخرى؛ فالمتابعة المخبرية كشفت لنا كيف تؤثر درجات الحرارة في منطقتنا تحديداً على سرعة نمو اليرقات. هذا الفهم يساعدنا في التنبؤ بـ«سنوات الانفجار العددي» للآفة قبل وقوعها، وأيضا مراقبة «سلوك الموكب» (الجادوب)، ساعدنا بشكل أفضل في فهم لماذا وكيف تتحرك هذه اليرقات في صفوف (مواكب)، فهذه الحركة ليست عشوائية؛ بل هي استراتيجية للبقاء والبحث عن الغذاء؛ وفهم هذا السلوك يساعدنا ميدانياً في اعتراض طريقها أو تدمير تجمعاتها بشكل أكثر ذكاءً.

ما طبيعة المبيدات العضوية المتخصصة لمكافحة هذه الآفة، ولماذا وقع الاختيار على الحلول العضوية تحديداً؟
لقد ركزنا في تجربتنا على استخدام «زيت النيم» (Neem Oil) وهو مستخلص طبيعي يُستخرج من بذور شجر النيم، هذا الزيت ليس «سماً» بالمعنى التقليدي الذي يقتل كل شيء يلمسه، بل هو منظم نمو حيوي؛ حيث يعمل على سد شهية اليرقات فبمجرد رش الأوراق، تتوقف اليرقات عن الأكل، ويمنعها من الانسلاخ والتحول إلى المرحلة التالية، مما يؤدي إلى موتها بشكل طبيعي دون تلوث.

وذلك لأجل حماية «رئة ليبيا» الجبل الأخضر منطقة غنية بالتنوع الحيوي، فالمبيدات الكيماوية القوية قد تقتل الحشرات النافعة والنحل والطيور. أما الحل العضوي فيستهدف «الآفة» ويحمي «البيئة» فاستخدام زيت النيم آمن تماماً على صحة المواطنين والأطفال الذين يرتادون هذه الغابات، ولا يترك سموماً في الهواء أو التربة.

خلال التجربة ظهرت إصابة فطرية طبيعية أدت إلى موت اليرقات، كيف اكتشفتم هذا الفطر؟
لقد جرى اكتشاف هذا الفطر أثناء مراقبتنا الدقيقة ليرقات «الجادوب» في المختبر، لاحظنا شيئاً غير معتاد؛ حيث بدأت بعض اليرقات تموت بشكل جماعي دون تدخل منا، وظهرت عليها خيوط قطنية بيضاء، بعد الفحص المخبري الدقيق، تبين أن المصاب هو فطر شهير عالمياً في المكافحة الحيوية يسمى بوفيريا باسيانا، ما جعلنا نتوقف عند هذا الاكتشاف هو «الذكاء البيئي» لهذا الفطر، لعدة أسباب:أهمية هذا الاكتشاف تكمن في أننا عزلنا سلالة من فطر بوفيريا تعيش أصلاً في بيئة الجبل الأخضر، هذا يعني أنها «ابنة المنطقة» ومتأقلمة تماماً مع مناخنا، مما يجعلها أكثر فاعلية من أي سلالات مستوردة. أيضا هذا الفطر يعمل كمبيد طبيعي؛ فهو يخترق جسم اليرقة ويتكاثر بداخلها حتى يقضي عليها، ولكنه في الوقت نفسه آمن تماماً على الإنسان، والنباتات، والحيوانات، والحشرات النافعة كالنحل، والاستفادة من هذا الفطر المحلي تعني أننا نملك الآن بذرة لمشروع «مكافحة حيوية» مستدام. فبدل الاعتماد الكلي على الكيماويات، يمكننا إكثار هذا الفطر ونشره في الغابات ليقوم هو بمهمة حماية أشجار الصنوبر بشكل طبيعي وتلقائي.

بعد عزل الفطر وإعادة استخدامه مخبرياً، حققتم نتيجة تمثلت في القضاء على اليرقات خلال ثلاثة أيام، ما الذي تعنيه هذه النتيجة بالنسبة لمستقبل المكافحة الحيوية لهذه الآفة؟
هذه النتيجة (3 أيام) تعتبر «إنجازاً علمياً فارقاً» وتفتح باباً جديداً من الأمل لحماية غاباتنا. إليك ما تعنيه هذه النتيجة ببساطة للجمهور، فالقضاء على اليرقات في 3 أيام فقط يعني أن السلالة المحلية من فطر بوفيريا باسيانا التي عزلناها هي سلالة «شرسة وفعالة جداً». في عالم المكافحة الحيوية، هذه السرعة تعتبر قياسية.

ونحن الآن نضع أقدامنا على الطريق الصحيح لإنتاج «مبيد حيوي محلي»؛ أي سلاح طبيعي نقي، آمن على النحل، والطيور، والمواطنين، وفتّاك فقط ضد الآفة المستهدفة، إن هذا النجاح يؤكد أن أفضل الحلول لمشاكلنا البيئية في ليبيا تأتي من بيئتنا نفسها. بدلاً من استيراد حلول قد لا تتأقلم مع طبيعتنا.

وكيف تنعكس نتائج هذه التجربة على جهود حماية الغابات والتنوع الحيوي في الجبل الأخضر؟
تعد نتائج هذه التجربة «طوق نجاة» حقيقياً لغاباتنا، وتتلخص أهميتها في ثلاث نقاط جوهرية: حماية أشجار الصنوبر تعني حماية «رئة ليبيا» من التآكل، والحفاظ على تماسك التربة ومأوى الطيور والكائنات التي تعيش في ظلالها.

هذه الحلول العلمية تمنح غاباتنا قدرة أكبر على الصمود أمام التحديات المناخية والزحف العمراني، لنضمن بقاء الجبل الأخضر إرثاً مستداماً للأجيال القادمة، فنحن لا نكافح آفة فحسب، بل نضع «خريطة طريق» علمية لحماية نظامنا البيئي بأدوات آمنة من قلب بيئتنا المحلية.

في حال نجاح هذه التجربة بشكل كامل، هل يمكن تعميم هذه الطريقة في مكافحة جادوب الصنوبر في مناطق أخرى داخل ليبيا؟
بالتأكيد، نجاح هذه التجربة في الجبل الأخضر هو بمثابة «شهادة ميلاد» لحل وطني شامل ويمكن تعميم هذه التجربة في كافة المناطق التي تنمو فيها أشجار الصنوبر في ليبيا، مثل «القره بوللي» أو «مصراتة» وغيرها.

مصدر الصورة
الباحث المتخصص في مجال البيئة رئيس قسم الإعلام بمركز البحوث الزراعية بمدينة البيضاء يونس أحويج. (بوابة الوسط)
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا