آخر الأخبار

«قضية الخرافي».. تقرير يرصد كيف حمى القضاء الفرنسي الأصول الليبية المجمدة

شارك
مصدر الصورة
محكمة في باريس. (أرشيفية: الإنترنت)

اعتبر تقرير فرنسي أن قضية الخرافي تحكي قصة إرث متنازع عليه من عهد معمر القذافي، وتحكيم بمليارات الدولارات، وصراع محموم على الأصول الليبية على الأراضي الفرنسية، وهو نزاع استدعى أعلى المحاكم في باريس والقاهرة والكويت على مدار عشر سنوات.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وكاد مستثمر كويتي، لم يُنجز مشروعًا على قطعة أرض مساحتها 24 هكتارًا في طرابلس، أن يسترد أكثر من مليار دولار من أصول صندوق الثروة السيادية الليبي في فرنسا. وبعد عقد من المعارك القانونية، أصدرت محكمة النقض، ثم محكمة الاستئناف في باريس، حكمًا يقضي بعدم جواز مصادرة الأصول المجمدة بموجب العقوبات الدولية دون إذن من الخزانة الفرنسية، ما يُعد سابقة هامة لحماية الثروة السيادية، وفق موقع «أفريك» الفرنسي اليوم الأربعاء.

بداية القضية
ويشير التقرير إلى أن القضية بدأت في 8 يونيو 2006، عندما منحت الهيئة الليبية لتنمية السياحة شركة محمد عبد المحسن الخرافي وأبنائه الكويتية عقد إيجار لمدة 90 عامًا على قطعة الأرض في طرابلس لبناء مجمع سياحي ضخم، معتمد من وزارة السياحة الليبية. ورأت مجموعة الخرافي في ذلك فرصة للتوسع في ليبيا التي كانت آنذاك تنفتح تدريجيًا على الاستثمار الأجنبي، إلا أن المشروع لم يتجاوز المرحلة التمهيدية، وسُحبت الموافقة عام 2010، ما اضطر الخرافي للتخلي عن المشروع دون أي إنجاز فعلي.

ومع سقوط نظام القذافي في 2011، غُرقت ليبيا في حالة عدم استقرار سياسي وأمني مستمرة حتى اليوم، على خلفية صراع للسيطرة على الموارد والأصول الخارجية. وباستخدام بند التحكيم للاتفاقية الموحدة لاستثمار رأس المال العربي في الدول العربية، بدأ الخرافي إجراءات التحكيم أمام المركز الإقليمي للقاهرة للتحكيم التجاري الدولي، ليصدر حكمًا في 22 مارس 2013 يقضي بدفع نحو 937 مليون دولار تعويضًا عن الأرباح المفقودة بفائدة سنوية 4%.

ووفق التقرير، اعتبر العديد من المراقبين المبلغ مبالغاً فيه. وفي رسالة قبل التقاضي، قدّرت الخرافي نفسها خسائرها الإجمالية بـ 55 مليون دولار، أي ما يعادل حوالي سُبع التعويض الذي حُكم بها في نهاية المطاف.

لكن المحاكم المصرية لاحقًا ألغت الحكم في 3 يونيو 2020، معتبرة التعويض الملياري غير متناسب مع الخسائر الفعلية، فيما استمرت محاولات الخرافي لاستغلال الأصول الليبية في فرنسا.

وترفض هيئة التحكيم إشراك الهيئة الليبية للاستثمار بشكل مباشر، معتبرة أنها «غير معنية» بالتحكيم، مع تحديد أسبابها أن الهيئة تظل «جزءًا لا يتجزأ من الدولة الليبية»، والتي ينطبق عليها القرار.

- التحكيم الدولي في قضية الخرافي حلول حقيقية أم تجاوز للسيادة الليبية؟.. خبراء يجيبون (فيديو)
- محكمة فرنسية تبطل حجوزات «الخرافي» على أصول «الليبية للاستثمار» (فيديو)

السباق على الأصول الليبية المجمدة في فرنسا
في 13 مايو 2013، أُصدر أمر تنفيذي في باريس لجعل حكم القاهرة قابلاً للتنفيذ، لتبدأ بعدها محاولات الخرافي للاستيلاء على أصول المؤسسة الليبية للاستثمار وشركتها التابعة «لافيكو"، التي تصل قيمتها إلى نحو مليار يورو، إلا أن العقوبات الدولية المفروضة منذ 2011 حالت دون أي مصادرة أو نقل دون ترخيص مسبق من وزارة الاقتصاد الفرنسية.

وأضاف التقرير، شنَّ الخرافي هجوماً قانونياً شاملاً ضد أصول المؤسسة الليبية للاستثمار وشركتها التابعة «لافيكو» في فرنسا، والتي تم تقديمها على أنها نتاج للدولة الليبية.

وتابع أن ما يقرب من مليار يورو من الأصول المجمدة ظلت في مرمى النيران، استنادًا إلى المنطق التالي: «إن المؤسسة الليبية للاستثمار ولافيكو، باعتبارهما صندوق ثروة سيادي وشركة تابعة للدولة، سيكونان منبثقين عن الدولة يمكن الاستيلاء على أصولهما لتنفيذ دين سيادي، حتى بدون تنازل صريح عن الحصانة من التنفيذ».

لكن عقبة كبيرة وقفت في طريق الخرافي، وفق التقرير، فمنذ عام 2011، تخضع المؤسسة الليبية لنظام عقوبات من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي يقوم بتجميد أصولها ويحظر أي نقل أو تنازل أو مصادرة دون ترخيص مسبق.

في فرنسا، يتطلب أي إجراء يتعلق بهذه الأصول ترخيصًا صادرًا عن وزارة الاقتصاد، عبر المديرية العامة للخزانة، وهي السلطة الوطنية المسؤولة عن تطبيق العقوبات الأوروبية.

ولفت التقرير إلى أن الخرافي حاول تجاوز هذه العقبة من خلال مطالبة الخزانة الفرنسية برفع التجميد عن الأصول المصادرة في شركة سوسيتي جنرال، لا سيما في عامي 2014 و2019. وقد رُفضت هذه الطلبات، وكذلك الطعون غير الرسمية والهرمية، ثم الطعن القانوني الذي رفضته المحكمة الإدارية في باريس في عام 2023.

قلب موازين القوى
وفي 7 سبتمبر 2022، قلبت محكمة النقض موازين القوى، وبالاستناد إلى قانون الاتحاد الأوروبي والسوابق القضائية لمحكمة العدل، فإنها تعتبر أن الأصول المجمدة بموجب العقوبات الدولية لا يمكن أن تخضع لأي إجراءات مصادرة دون إذن مسبق من السلطة الوطنية المختصة، وفي هذه الحالة الخزانة الفرنسية.

وبناءً على ذلك، ألغت المحكمة العليا جميع عمليات الحجز التي نُفذت في عامي 2013 و2016 على الأصول المجمدة للمؤسسة الليبية للاستثمار، باستثناء عملية الحجز والتنازل التي جرت في 13 أغسطس 2013 لصالح شركة سوسيتي جنرال، والتي يثير الطعن فيها مسألة إجرائية محددة.

بالنسبة لرابطة التحكيم الدولية، تشكل أحكام 7 سبتمبر 2022 نقطة تحول، إذ يشير التقرير إلى أن أولوية لوائح العقوبات الخاصة بالاتحاد الأوروبي تثبت على المطالبات الخاصة، بما في ذلك تلك القائمة على قرارات التحكيم القابلة للتنفيذ.

اتفاقية الوساطة
وجرى تأكيد هذا المبدأ وتوضيحه لاحقًا بقرارات أخرى صادرة عن محكمة النقض عام 2026 بشأن النزاعات المتعلقة باتفاقية الوساطة، مما يعزز فكرة عدم التحايل على نظام العقوبات دون ترخيص مسبق. ويعود تاريخ أحدث قرار استشهدت به منصة «أفريكا إنتليجنس» إلى 13 فبراير 2026 .

وبحسب التقري، بقي أمر الحجز الصادر في 13 أغسطس 2013، والمتعلق بحوالي 360 مليون دولار من الأصول التي تحتفظ بها المؤسسة الليبية لدى بنك «سوسيتي جنرال».

في البداية، أعلن قاضي التنفيذ عدم قبول الطعن الذي قدمته هيئة التحقيق في عام 2021 ضد عملية الحجز التي مضى عليها عشر سنوات، وذلك بسبب تأخره.

وفي حكم صادر بتاريخ 23 نوفمبر 2023، نقضت محكمة الاستئناف في باريس هذا الحكم. واعتبرت الطعن مقبولاً، على أساس أن ليبيا وحدها، وليس المؤسسة الليبية للاستثمار، هي التي تلقت إخطاراً بالمصادرة، وبالتالي فإن المهلة الزمنية لاتخاذ الإجراءات لم تبدأ أصلاً بالنسبة للمؤسسة.

من حيث الجوهر، ألغت المحكمة الحجز، معتمدة نفس المبدأ الذي اعتمدته محكمة النقض، فلا يمكن الحجز على الأصول المجمدة بموجب العقوبات دون ترخيص مسبق من الخزانة، وهو ترخيص لم يتم منحه مطلقًا لهذه الأموال.

ورحب مكتب المحاماة والمستشار القانوني للهيئة الليبية للاستثمار، بقرار وُصف بالتاريخي أكد حماية أصول الهيئة في فرنسا، وأنهى آخر نزاع قانوني كبير بدأه الخرافي على الأراضي الفرنسية.

قرار قضائي في القاهرة
وأشار التقرير إلى إطار دعوى الخرافي في القاهرة، فبعد خمس مراجعات متتالية أمام محكمة استئناف القاهرة ومحكمة النقض، أُلغي الحكم في 3 يونيو 2020، نظراً للتعويضات غير المتناسبة بشكل واضح مع الخسائر الفعلية للمستثمر، حيث يعتبر القضاة المصريون أن التعويض الذي يبلغ حوالي مليار دولار يشكل انتهاكاً لمبدأ تناسب التعويض، الذي جرى تحديده كعنصر من عناصر النظام الاقتصادي العام، وإساءة استخدام لسلطة التحكيم.

ومع ذلك، فإن مسألة تأثير هذا الإلغاء على الحكم القضائي الفرنسي تبقى نظرية: فالقانون الفرنسي لا يجعل بقاء الحكم في باريس يعتمد تلقائياً على مصيره في الدولة التي يقع فيها مقر الحكم.

ولفت التقرير إلى أن الإلغاء المصري «لم يكن هو العامل الحاسم في تحييد استيلاء الخرافي على الأصول المجمدة للشركة الاستثمارية اللبنانية، بل كان مزيج قانون العقوبات الأوروبي وقانون الإنفاذ الفرنسي»، وفق التقرير الفرنسي.

وحسب المصدر، جعل وجود أصول ليبية كبيرة في فرنسا - عقارات وأوراق مالية وحصص أسهم - هدفاً رئيسياً للدائنين، لكن استجابة السلطات القضائية الفرنسية فيما يتعلق بحماية الأصول المجمدة تعزز مصداقية النظام الفرنسي في نظر الدول وصناديق الثروة السيادية.

ويطرح التقرير سؤالاً محوريًا حول المستقبل: ماذا سيحدث عند رفع العقوبات وفك تجميد الأصول الليبية؟ إذ ستعتمد حماية أصول المؤسسة الليبية للاستثمار حينها على قدرة الدولة على إنشاء مؤسسات مستقرة، ودبلوماسية قضائية فعالة، وآليات للدفاع عن مصالحها المالية في الخارج.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا