آخر الأخبار

جريدة «الوسط»: من قتل سيف القذافي؟

شارك
مصدر الصورة
سيف القذافي خلال ترشحه للانتخابات الرئاسية، سبها، 14 نوفمبر 2021. (رويترز)

أحدث نبأ مقتل سيف الإسلام، نجل العقيد معمر القذافي، الذي كان قد قدّم نفسه مرشحًا للانتخابات الرئاسية في ليبيا، صدمةً في بلدٍ مُنهك بالانقسامات السياسية والحساسيات القبلية، ما عزّز المخاوف من تداعيات الحدث، وفي مقدمتها الخشية من تقويض العملية السياسية التي تعاني الجمود أساسًا. فيما تمثلت الصدمة الكبرى لدى أنصار النظام السابق «تيار سبتمبر»، الذين راهنوا على عودته لاستعادة السلطة.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وتُجسّد مسيرة سيف الإسلام، قبل وبعد انهيار نظام والده قبل 15 عامًا، دراما سياسية ليبية لافتة؛ إذ تحوّل من وارثٍ مُحتمل لوالده على سدة الحكم، واعدًا بالتجديد والإصلاح، إلى أسير حرب خلال أحداث فبراير التي أطاحت بنظام والده وقتلته، ثم إلى منبوذٍ وملاحق قضائيًا، قبل أن يظهر لاحقًا كخصمٍ سياسي يحظى بمؤيدين في الداخل وداعمين في الخارج.

مخاوف من الصراع السياسي والجهوي
وفتحت واقعة مقتل سيف، الغامضة حتى ساعة صدور هذا العدد، يوم الثلاثاء 3/2/2026، في بلدة الزنتان، الباب أمام العديد من الاحتمالات والتوقعات، من بينها تصاعد خطر مآلات الصراع السياسي والحساسية الجهوية.

وأفادت عائلة القذافي، الأربعاء، بأنه تقرر دفن سيف الإسلام عقب صلاة الجمعة غدًا في بلدة بني وليد، حيث دُفن شقيقه خميس، الذي قُتل خلال مواجهات فبراير. ووفقًا لأخيه غير الشقيق، محمد معمر القذافي، فإن تحديد مكان الدفن جرى بالتوافق الكامل بين أفراد العائلة.

وأكد مكتب النائب العام في طرابلس، فجر الأربعاء، وفاة سيف الإسلام معمر القذافي جرّاء تعرضه لأعيرة نارية أصابته إصابات قاتلة، مشيرًا إلى أن فريق التحقيق شرع في إجراءات إقامة الدعوى العمومية ضد المشتبه في ارتكابهم الجريمة، حال تحديدهم، ضمن عمليات البحث والتحقيق الجارية.

لكن أطرافًا موالية لسيف شككت في ملابسات الحادث، وذهبت إلى اتهام أطراف مستفيدة بالوقوف خلف عملية التصفية الجسدية. وقال المتحدث السابق باسم نظام القذافي، خلال الفترة القصيرة التي سبقت سقوطه، موسى إبراهيم، إن «عصابات الغدر والخيانة التابعة للأجنبي هي التي نفذت عملية قتل سيف»، مضيفًا أن الهدف هو «مزيد من الدماء، وانقسام ليبيا، وتدمير كل مشروع للوحدة الوطنية».

مشكلات في تأمين سيف القذافي
أما محامي سيف الإسلام، مارسيل سيكالدي، فقد أشار في ملاحظاته إلى وجود «مشكلات في تأمينه» قبل أيام من تنفيذ العملية، وهو ما يعزز – بحسب قوله – «فرضية الغدر».

وفي المقابل، تتعالى أصوات سياسية ليبية عدة لاحتواء خطر الانزلاق نحو ردود فعل غير محسوبة، من خلال الدعوة إلى نبذ الانتقام، والتحلي بالتعقل، واللجوء إلى القضاء. وعلى المستوى الرسمي، حذر رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، من ضرب مسار المصالحة الوطنية، داعيًا الأطراف السياسية والإعلامية إلى نبذ خطاب الكراهية والتحلي بالصبر، ومشيرًا إلى أن عملية الاغتيال تهدف إلى تقويض مسار المصالحة، الذي يُعد – وفق قوله – أساسًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. كما دعا إلى انتظار نتائج التحقيق، وضمان تحقيق العدالة، وتقديم المسؤولين عن «الجريمة» إلى المحاكمة.

- نغيسو: اغتيال سيف القذافي «انتكاسة خطيرة» لمسار المصالحة في ليبيا
- «نهاية القذافية».. تقارير فرنسية تحذّر من عودة التوترات بعد اغتيال سيف الإسلام
- «جون أفريك»: شائعات سبقت اغتيال سيف القذافي في الزنتان
- «لوموند»: اغتيال سيف القذافي.. انتقام شخصي أم خيوط مؤامرة أكبر؟
- للاطلاع على العدد «533» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وعلى الصعيد الدولي، دعا كل من الاتحاد الأفريقي، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وروسيا، السلطات الليبية إلى إجراء تحقيق شامل في ملابسات اغتيال سيف الإسلام، ومحاسبة المسؤولين عن الحادث وفقًا للقانون، معربين عن إدانتهم للحادث الذي من شأنه تقويض مسار الانتقال السياسي في ليبيا.

واقعة الاغتيال جاءت في لحظة حرجة
ويجمع كثير من الليبيين والمهتمين بالشأن الليبي على أن مقتل سيف جاء في لحظة حرجة تمر بها البلاد، في ظل مفاوضات هشة برعاية الأمم المتحدة، ومشاورات تُجرى في تونس وباريس وعواصم أخرى، على أمل انتشال العملية السياسية من حالة الشلل التي تعانيها، ووضع خريطة طريق تدفع باتجاه إنجاز الاستحقاق الانتخابي، وذلك بالتزامن مع استعداد المبعوثة الأممية الخاصة، هانا تيتيه، لتقديم تقريرها إلى مجلس الأمن في 18 فبراير الجاري. ويتفق كثيرون على أن عملية الإقصاء السياسي، خصوصًا بأسلوب الاغتيال، لشخصية تحمل قدرًا من الرمزية، من شأنها خلط الأوراق، بما في ذلك خريطة الطريق الأممية.

وفي هذا السياق، تعددت الإشارات إلى الأطراف التي يمكن أن تستفيد من تغييب سيف، لتهيئة الطريق نحو مرحلة جديدة من التوافق، تسهيلاً لصفقة عنوانها التقاسم لا الانقسام. وهنا يجرى التذكير بلقاء باريس الذي جمع ممثل حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» إبراهيم الدبيبة، وفق ما تداولته وسائل إعلام فرنسية. كما اتجهت الإشارات أيضاً إلى اللاعب الأميركي، الذي يُفهم منه موقف رافض لوجود اسم سيف في قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية، ويُرجَّح أن يكون ذلك هو ما أفشل آخر خطوة اتخذتها المفوضية العليا للانتخابات في وقت سابق بشأن المسار الانتخابي.

ويعزز أصحاب هذه الرؤية تحليلهم بالدور الأميركي في ترتيب اجتماع باريس، وتصريحات مبعوث دونالد ترامب، مسعد بولس، التي سبقته وأعقبته. ويُضاف إلى ذلك أن واشنطن ترى في سيف رجلَ روسيا ومرشح موسكو لانتخابات الرئاسة.

وسارعت أطراف من أنصار النظام السابق إلى إصدار بيان عنونته بـ«ميثاق الدم واستعادة السيادة»، دانت فيه مقتل سيف الإسلام القذافي، مؤكدة أن الحادثة لن تثنيهم عن مواصلة ما وصفوه بـ«مسارهم الهادف إلى استعادة هيبة الدولة وصون استقلالها ووحدتها».

استمرار مشروع سيف
وفي تلميح صريح لرفضهم الإقصاء من المشهد السياسي، أكد البيان أن مقتل سيف الإسلام «لن يطمس المشروع الذي كان يعمل عليه»، وأن الأفكار التي تبناها خلال السنوات الماضية «ترسخت في وجدان شريحة واسعة من الليبيين».

ونبّه البيان إلى أن أنصار القذافي يشكلون كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة، مؤكدين أنهم ماضون في معركتهم السياسية، وأن «استهداف الرموز لن يؤدي إلا إلى مزيد من التماسك والالتفاف حول مشروعهم».

ويُذكر هنا أيضاً أن واقعة قتل سيف سبقتها حالة توتر في الجنوب الليبي، أبرزها هجوم مجموعة مسلحة على منفذ «توم» الحدودي مع النيجر، قبل أن يجرى التصدي له وإبعاد المهاجمين. واتهَمت «القيادة العامة» من وصفتهم بعناصر إرهابية بتنفيذ الهجوم، وقالت إن «عناصر مسلحة إرهابية شنت هجوماً متزامناً على ثلاثة مواقع حدودية، هي: منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود».

كل ذلك يجعل الحالة الليبية على أعتاب واقع جديد قد لا يشبه ما قبل واقعة اغتيال سيف. وفي انتظار نتائج التحقيق، التي يشك كثيرون في أن تكون سريعة، يبقى الليبيون يترقبون بقلق تداعيات الواقعة، وسط مخاوف متزايدة من احتمالات العودة إلى مربع الصدام، الذي لن يكون بعيداً عن صناديق الذخيرة، بعد انتظار طويل لموعد صندوق الاقتراع.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا