اعتبر تقرير فرنسي إعلان أنقرة أخيراً تمديد وجودها العسكري في ليبيا حتى العام 2028، أنه يمثل إعادة تشكيل لموازين القوى في منطقة محورية بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
ومدد قرار البرلمان التركي، الصادر في الثالث من يناير، المهمة العسكرية التي انطلقت العام 2019، لمدة ثلاث سنوات، وجاء فيه أن الهدف هو «ترسيخ الاستقرار في البلاد» وضمان أمن المصالح التركية، أما في الواقع، «فهو استعراض للقوة يندرج ضمن استراتيجية إقليمية أوسع»، حسب موقع «ميتراني» الفرنسي في تقرير له أمس الإثنين.
ووفق المصدر، تسعى أنقرة إلى ترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، في مواجهة النفوذ المتزايد لعدة دول لها أيضاً وجود في البلاد.
وجود عسكري واقتصاد
وقال المحلل السياسي فتحي الشريف، في التقرير، إن تركيا «استغلت ضعف المؤسسات الليبية لتأسيس وجود دائم، ليس عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً أيضا»، إذ تسيطر الشركات التركية على قطاعات كاملة من صناعة إعادة الإعمار في مصراتة وطرابلس.
ويثير هذا الموقف قلقاً في عديد السفارات الأوروبية، لا سيما في باريس وروما، وصرح دبلوماسي أوروبي للموقع الفرنسي قائلاً: «يتحول وسط البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة لتنافس صامت بين القوى الإقليمية».
وبالنسبة لفرنسا، المنخرطة أصلاً في منطقة الساحل والمهتمة بإمداداتها من الطاقة، فإن تعزيز تركيا لنفوذها في ليبيا يزيد الأمور تعقيداً، أما إيطاليا، فترى أن نفوذها التاريخي مهددٌ وفق الموقع.
تحول البحر المتوسط إلى ساحة صراع
ويشير التقرير الفرنسي إلى تحول البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة صراع، حيث يؤكد الخبير الاستراتيجي التونسي حاتم كليل أن ما يحدث في ليبيا «يتجاوز الحدود الوطنية، فهو يمسّ الأمن البحري والطاقة والهجرة في المنطقة بأسرها»، وتُصبح مسارات الهجرة، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وإدارة الموارد البحرية، أدوات نفوذ في صميم هذا التنافس الجديد.
- البرلمان التركي يوافق على تمديد مهمة القوات المسلحة في ليبيا عامين إضافيين
ويرى التقرير أن ليبيا تعد محطةً رئيسيةً لأنقرة في تحقيق طموحاتها بقطاعي الغاز والنقل البحري، وذلك في أعقاب مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي أبرتها تركيا مع حكومة الوفاق السابقة للعام 2019، والتي تُعارضها اليونان وقبرص، وتسمح هذه الاتفاقية لتركيا بالمطالبة بمنطقة اقتصادية خالصة تتعدى على المياه اليونانية، مما يُزعزع استقرار التوازن في البحر الأبيض المتوسط.
لكن استراتيجية تركيا تنطوي على مخاطر، فمن خلال ترسيخ وجودها في ليبيا التي لا تزال تعاني من الانقسامات، تُعرّض أنقرة نفسها لعدم استقرار مزمن وانعدام ثقة جيرانها، وتحذر المتخصصة في العلاقات الأوروبية المتوسطية، الباحثة الفرنسية كلير مينارد، من سير تركيا على «حافة رفيعة بين النفوذ والتدخل»، وأي خطأ «قد يُعيد إشعال التوترات مع الاتحاد الأوروبي»، في ظل علاقات متوترة أصلاً بسبب قضية الهجرة.
وتتابع الباحثة أن تمديد ما وصفته بـ«الانتداب العسكري التركي» في ليبيا ليس مجرد تفصيل دبلوماسي، بل هو يرسخ واقعاً جديداً، لم يعد البحر الأبيض المتوسط ساحةً للتعاون، بل أصبح ميداناً للمناورات الجيوسياسية، وأنقرة تعزز مصالحها هناك أكثر من أي وقت مضى.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة