التقط تلسكوب جيمس ويب الفضائي صورا جديدة لسديم كوكبي يُعرف باسم سديم الأسد (Lion Nebula)، كاشفا تفاصيل دقيقة لبنيته المعقدة التي تشبه وجه أسد عملاق في الفضاء.
ويقع في مركز هذا المشهد بقايا نجم انتهى معظم عمره، وتحول إلى قزم أبيض شديد الحرارة، في حين تواصل طبقاته الخارجية التي قذفها إلى الفضاء تشكيل السديم المحيط به.
وكان تلسكوب هابل الفضائي قد رصد سديم الأسد في عام 2000، عندما ظهر بوضوح في الضوء المرئي بهيئة تشبه وجه الأسد، بما في ذلك منطقة تشبه عرفه، وتتكون من تراكيب ضبابية شبيهة بذيول المذنبات.
أما رصد جيمس ويب الجديد، الذي جمع بيانات من كاميرا الأشعة تحت الحمراء القريبة وأداة الأشعة تحت الحمراء المتوسطة، فأظهر تفاصيل يصعب رؤيتها في الضوء المرئي.
ينتمي النجم الذي صنع هذا السديم إلى الفئة الأقل كتلة من النجوم، وهي الفئة التي ينتمي إليها معظم نجوم الكون. وعندما يفقد نجم من هذا النوع قدرته على مواصلة التفاعلات النووية التي كانت تدعم بنيته، يصبح غير مستقر ويبدأ في النبض، ثم يقذف طبقاته الخارجية تدريجيا إلى الفضاء.
وتتحول هذه الطبقات المقذوفة إلى أغلفة متوسعة من الغاز والغبار، لتشكل ما يُعرف بالسديم الكوكبي، وهو مستقبل شمسنا بعد بضعة مليارات سنة من الآن. وفي الوقت نفسه، تنكشف نواة النجم شديدة الحرارة في المركز، وتستقر في النهاية كقزم أبيض.
وفي سديم الأسد، يواصل هذا القزم الأبيض إطلاق إشعاع قوي يعمل على دفع المادة المحيطة إلى الخارج وتسخينها وتأيينها. وينشأ عن ذلك فقاعة من الغاز المتأين تمنح السديم ملامحه المميزة.
أظهر جيمس ويب وجود تركيزات كثيفة من الغبار ومناطق ضبابية من الغاز المتأين، كما كشف عن حلقات وأغلفة معقدة لا يزال علماء الفلك يحاولون فهم كيفية تشكلها.
ويبدو القزم الأبيض -عند النظر إلى الشكل العام للسديم- كأنه أنف صغير في وسط وجه الأسد، رغم أن تأثيره في البيئة المحيطة به هائل. فإشعاعه الشديد يشكل فقاعة من الغاز المتأين تتمدد تدريجيا، وتدفع أمامها الغبار وتدمر جزءا منه أثناء تقدمها.
أما ما يشبه عرف الأسد، فيمثل منطقة داخلية من غلاف غباري يضيئه القزم الأبيض. وتوجد داخله كتل كثيفة من الغبار استطاعت مقاومة الإشعاع الشديد، كما تعمل هذه الكتل على حجب جزء من الإشعاع وحماية المواد الواقعة خلفها.
لا يقدم رصد جيمس ويب صورة ثابتة لجسم سماوي فحسب، بل يلتقط مرحلة مؤقتة من تطور سديم يتغير باستمرار. فالغاز والغبار يواصلان الابتعاد عن بقايا النجم، وهو ما سيؤدي تدريجيا إلى تغير شكل السديم واختفاء ملامحه الحالية.
ويقدّر علماء الفلك أن سديم الأسد سيتشتت في غضون نحو 10 آلاف عام، وهي فترة قصيرة نسبيا عند مقارنتها بالمقاييس الزمنية الفلكية.
ويشارك في مهمة جيمس ويب كل من ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية، ووكالة الفضاء الكندية. وأسهمت وكالة الفضاء الأوروبية في توفير مركبة الإطلاق "أريان 5″، كما أسهمت في تطوير جهاز الرصد بالأشعة تحت الحمراء القريبة، وفي نصف جهاز الأشعة تحت الحمراء المتوسطة.
ويكشف هذا المشهد أن موت النجوم لا يعني نهاية قصتها بالكامل، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من التحولات الكونية.
ومن خلال تلسكوبات مثل جيمس ويب، يستطيع العلماء قراءة هذه المراحل بتفاصيل غير مسبوقة، وفهم كيفية تغير المادة وانتقالها بين أجيال النجوم، في تأكيد جديد على أن العلم لا يكتفي برؤية الكون، بل يمنحنا القدرة على فهم تاريخه ومستقبله واستكشاف أسراره المتجددة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة