يناقش الباحث بدر حسن شافعي، في هذه الورقة الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تأثير الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران على حضورها ونفوذها في القارة الأفريقية.
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن زيادة الضغوط العسكرية على إيران في الشرق الأوسط تنعكس بصورة مباشرة على قدرتها على المحافظة على شبكات نفوذها الخارجية، وفي مقدمتها أفريقيا التي مثلت خلال العقود الماضية إحدى أهم ساحات التمدد السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي الإيراني. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤالين رئيسيين: هل أسهمت الحرب في تقليص النفوذ الإيراني في القارة؟ وهل باتت الساحة الأفريقية مهيأة أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ الناتج عن هذا التراجع؟
يرى الباحث أن الاهتمام الإيراني بالقارة الأفريقية لا يرتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية التي جعلت القارة جزءًا مهمًا من السياسة الخارجية الإيرانية.
فعلى المستوى السياسي، تسعى إيران إلى كسر العزلة الدولية المفروضة عليها وتوسيع شبكة تحالفاتها خارج الشرق الأوسط، مستفيدة من الثقل التصويتي الأفريقي في المنظمات والمحافل الدولية. كما تنظر إلى القارة باعتبارها مجالًا مناسبًا لتخفيف الضغوط الغربية وبناء شراكات سياسية تساعدها في مواجهة العقوبات الأمريكية والغربية.
أما على المستوى العسكري والأمني، فترتبط أهمية أفريقيا بموقعها الجغرافي، خاصة في مناطق البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، فضلًا عن كونها سوقًا مهمة لتصدير السلاح الإيراني. كما تمثل بعض الدول الأفريقية مصدرًا مهمًا لليورانيوم الذي يحظى بأهمية خاصة في الحسابات الإستراتيجية الإيرانية.
وفي الجانب الاقتصادي، تشير الدراسة إلى أن إيران تنظر إلى أفريقيا باعتبارها سوقًا ضخمة تضم أكثر من مليار ونصف المليار نسمة، فضلًا عن كونها مصدرًا للمواد الخام التي تحتاج إليها الصناعات الإيرانية. أما في الجانب الديني والمذهبي، فقد شكل نشر التشيع أحد الأهداف الثابتة للحضور الإيراني في القارة من خلال المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية المختلفة.
يستعرض الباحث صورة النفوذ الإيراني في القارة قبل اندلاع الحرب، موضحًا أن هذا النفوذ تشكل عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية ودينية متداخلة.
النفوذ السياسي والدبلوماسي
اعتمدت إيران على دبلوماسية القمم والزيارات الرئاسية لتعزيز حضورها الأفريقي. فمنذ تسعينات القرن الماضي شهدت العلاقات الإيرانية-الأفريقية توسعًا متدرجًا عبر زيارات متكررة للرؤساء الإيرانيين ومبعوثيهم إلى مختلف أقاليم القارة. وأسهم هذا النشاط الدبلوماسي في كسب مواقف داعمة أو متعاطفة مع إيران في ملفاتها الدولية، وعلى رأسها الملف النووي.
وتوضح الدراسة أن بعض الدول الأفريقية مالت إلى دعم المواقف الإيرانية أو الامتناع عن التصويت ضدها في المحافل الدولية، كما ظهرت مواقف أفريقية مؤيدة لطهران خلال أزماتها مع الغرب، وهو ما منحها هامشًا دبلوماسيًا مهمًا في مواجهة الضغوط الدولية.
تركز النفوذ الأمني الإيراني بصورة خاصة في منطقتين رئيسيتين: القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا. ففي القرن الأفريقي استفادت إيران من الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وعملت على بناء علاقات أمنية وعسكرية مع عدد من الدول المؤثرة في المنطقة.
وتشير الدراسة إلى أن طهران نجحت في توثيق علاقاتها مع السودان وإثيوبيا وإريتريا بدرجات متفاوتة، وقدمت دعمًا عسكريًا وتقنيًا لبعض هذه الدول، خاصة في مجال الطائرات المسيَّرة والتدريب العسكري. كما سعت إلى الاستفادة من المواقع الإستراتيجية المطلة على البحر الأحمر بما يخدم مصالحها الأمنية والإقليمية.
وفي الصومال، ورغم تعقيدات العلاقة الرسمية، استمرت إيران في البحث عن أدوات نفوذ غير مباشرة، فيما حافظت على علاقات مع دول أخرى مثل كينيا وتنزانيا بسبب أهميتهما الجيوسياسية.
النفوذ في منطقة الساحل والصحراء
ترى الدراسة أن إيران استفادت من تراجع النفوذ الغربي في منطقة الساحل، ومن موجة الانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض دول المنطقة، لتقديم نفسها بوصفها شريكًا أمنيًا وعسكريًا بديلًا.
وفي هذا السياق، أقامت طهران علاقات وثيقة مع النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وقدمت أشكالًا متعددة من الدعم الأمني والعسكري، شملت الطائرات المسيَّرة وأنظمة المراقبة والتدريب العسكري والتعاون الاستخباراتي. وفي المقابل، حصلت على مزايا سياسية واقتصادية وأمنية، من بينها الوصول إلى موارد طبيعية مهمة مثل اليورانيوم والذهب.
النفوذ الاقتصادي
على الرغم من أن حجم التبادل التجاري بين إيران وأفريقيا لا يزال محدودًا مقارنة بعلاقاتها التجارية العالمية، فإن الدراسة تشير إلى أن هذا التبادل شهد نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. وقد عملت طهران على توسيع حضورها الاقتصادي عبر المعارض والمنتديات الاقتصادية وقمم التعاون مع الدول الأفريقية.
كما استهدفت إيران زيادة صادراتها إلى القارة وتنويع علاقاتها الاقتصادية بما يساعدها على مواجهة آثار العقوبات الدولية، ويمنحها أسواقًا جديدة لمنتجاتها المختلفة.
النفوذ الديني
يخصص الباحث مساحة مهمة للنفوذ الديني والثقافي الإيراني، الذي اعتمد بصورة رئيسية على المؤسسات التعليمية والثقافية. وتبرز في هذا السياق جامعة المصطفى العالمية التي انتشرت فروعها ومراكزها في عدد كبير من الدول الأفريقية، وأسهمت في استقطاب آلاف الطلاب الأفارقة للدراسة في إيران.
كما لعبت المراكز الثقافية والدينية التابعة للسفارات الإيرانية دورًا مهمًا في نشر الثقافة الإيرانية والتشيع في عدد من المجتمعات الأفريقية. وترى الدراسة أن هذه الأدوات شكلت إحدى ركائز القوة الناعمة الإيرانية في القارة وأسهمت في بناء شبكات نفوذ اجتماعية وفكرية امتدت لعقود.
يؤكد الباحث أن الحرب ألحقت أضرارًا واسعة بإمكانات إيران الداخلية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها على الحفاظ على نفوذها الخارجي. فالأضرار الاقتصادية والعسكرية التي تعرضت لها الدولة الإيرانية دفعتها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتوجيه مواردها نحو الداخل بدلًا من الإنفاق على شبكات النفوذ الخارجية.
تشير الدراسة إلى أن النفوذ السياسي الإيراني شهد تراجعًا واضحًا خلال الحرب، خاصة على مستوى المؤسسات الأفريقية. فقد التزمت غالبية الدول الأفريقية الحذر والحياد، وتجنبت الانحياز الصريح إلى إيران، كما امتنعت المؤسسات الأفريقية الرئيسية عن اتخاذ مواقف قوية ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويرى الباحث أن هذا الموقف يعكس رغبة الدول الأفريقية في المحافظة على علاقاتها مع واشنطن ودول الخليج في آن واحد، وعدم الدخول في مواجهة دبلوماسية قد تؤثر على مصالحها الاقتصادية والتنموية. كما أن اعتماد العديد من الدول الأفريقية على المساعدات والاستثمارات الغربية والخليجية دفعها إلى تبني سياسات أكثر حذرًا تجاه الأزمة.
تذهب الدراسة إلى أن الحرب أضعفت بصورة كبيرة قدرة إيران على مواصلة دورها الأمني والعسكري في أفريقيا. فاستهداف البنية العسكرية الإيرانية ومصانع الطائرات المسيَّرة والصواريخ أدى إلى تراجع قدرتها على تزويد حلفائها وشركائها في أفريقيا بالمعدات والخبرات التي كانوا يعتمدون عليها.
وتوضح الورقة أن هذا التراجع انعكس على علاقات إيران مع السودان وبعض دول الساحل، التي بدأت تبحث عن بدائل أخرى، مثل روسيا والصين، لتأمين احتياجاتها العسكرية. كما تراجع النشاط الإيراني المرتبط بشبكات التهريب والدعم اللوجستي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهو ما أضعف حضورها الأمني في تلك المناطق الحيوية.
يرى الباحث أن الحرب فاقمت من تراجع العلاقات الاقتصادية الإيرانية الأفريقية. فإغلاق مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية المتزايدة على طهران أثرا سلبًا على حركة التجارة والاستثمارات، كما انعكس ارتفاع أسعار الطاقة على اقتصادات العديد من الدول الأفريقية.
وتشير الدراسة إلى أن كثيرًا من الدول الأفريقية بات ينظر إلى الأزمة من زاوية تأثيرها الاقتصادي المباشر على أوضاعه الداخلية، الأمر الذي ساهم في تراجع التعاطف مع إيران وزيادة الميل إلى تبني مواقف أكثر قربًا من الرؤية الأمريكية والخليجية.
تعتبر الدراسة أن الجانب الديني والثقافي كان من أكثر المجالات تأثرًا بالحرب. فقد أدت الأزمة الاقتصادية داخل إيران إلى تقليص التمويل الموجه للمؤسسات التعليمية والدينية والثقافية العاملة في أفريقيا، وهو ما انعكس على المنح الدراسية والمراكز الثقافية وشبكات الدعاة المرتبطة بطهران.
وتشير الورقة إلى أن هذا التراجع منح منافسين آخرين، خاصة بعض الدول الخليجية وتركيا، فرصة لتعزيز حضورهم الديني والثقافي في عدد من الدول الأفريقية. كما أدى تراجع الدعم الإيراني إلى إضعاف بعض الشبكات التي اعتمدت عليها طهران في نشر نفوذها الفكري والمذهبي خلال العقود الماضية.
يخلص الباحث بدر حسن شافعي إلى أن الحرب تركت آثارًا سلبية عميقة على النفوذ الإيراني في أفريقيا في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية. ويرى أن عملية التعافي لن تكون سريعة، لأن الأولوية الإيرانية ستتجه إلى معالجة آثار الحرب داخليًا وتأمين استقرار النظام وإعادة بناء القدرات المتضررة.
وتشير الدراسة إلى أن استمرار هذا الوضع قد يفتح المجال أمام قوى أخرى، مثل روسيا وتركيا والدول الخليجية، لتعزيز مواقعها في القارة وملء جزء من الفراغ الذي قد يتركه التراجع الإيراني. ومع ذلك، لا يستبعد الباحث إمكانية استعادة طهران جانبًا من نفوذها مستقبلًا إذا تحسنت أوضاعها الاقتصادية وجرى تخفيف الضغوط والعقوبات المفروضة عليها، غير أن ذلك يظل رهينًا بتطورات البيئة الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.
الدراسة كاملة
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6574
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة