في 13 أبريل/نيسان 2026، الساعة 10 صباحا بتوقيت واشنطن، ظهرت على شاشات التداول في طوكيو وفرانكفورت ودبي كلمات بالأحرف الكبيرة لم يعتد محللوها رؤيتها من رئيس دولة. كانت تلك تغريدة كتبها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على منصة "تروث سوشيال" من المكتب البيضاوي: "ابتداء من الآن، البحرية الأمريكية، الأعظم في العالم، ستبدأ حصار أي وكل سفينة تحاول الدخول إلى مضيق هرمز أو الخروج منه".
لم تمضِ دقائق حتى بثّت ناقلة النفط "ريتش ستاري"، المرابطة قبالة جزيرة قشم عند مدخل المضيق، حالتها على نظام التعريف: "منجرفة" أي أنها توقفت عن الإبحار دون أن ترسو. وتوقفت معها عشرات الناقلات الأخرى، عالقة في مياه لم تعد بحرًا دوليًا مفتوحا ولم تصبح بعد ميدان حرب معلنة. في غرف التداول، أضاءت شاشات النفط باللون الأحمر، فقد ارتفع خام برنت نحو 8% خلال ساعات، مقتربًا من 100 دولار للبرميل.
في الغرفة ذاتها التي صدر منها الإعلان، بعد ساعات، رن جرس الباب الجانبي للمكتب البيضاوي. كانت عاملة توصيل تلبس قميص شركة "دورداش" (DoorDash) وتحمل وجبة ماكدونالدز. صافحها الرئيس أمام الكاميرات، ومدّ إليها ورقة نقدية من فئة المئة دولار. في هذا الوقت بالذات، كان ربابنة عشرات الناقلات ينتظرون تعليمات من شركاتهم في سنغافورة وأثينا وأوسلو، وكان مسؤولو التأمين البحري في لندن يعيدون تقييم بوليصات "القوة القاهرة".
كان ذلك بعد يوم واحد من انهيار مفاوضات السلام في إسلام آباد بباكستان، والتي جرت فيها 21 ساعة من التفاوض المباشر لم تُفضِ إلى شيء، وبعد ستة أسابيع من حرب أمريكية إسرائيلية قتلت فيها الضربات الجوية المرشد الأعلى الإيراني وآلاف المدنيين، وأغلقت فيها إيران المضيق الذي يمر عبره خمس نفط العالم. لم يكن أحد في واشنطن أو طهران أو أي مكان في العالم يعرف كيف قد تنتهي فصول هذه المأساة. لكن كل ربّان ناقلة، وكل محلل في غرفة تداول، وكل مسؤول في دول الشرق الأوسط، بات يُدرك أن الترتيب الذي أدار العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 يُعاد التفاوض عليه بالدبلوماسية والنار.
يعيد ذلك إلى تاريخ أقدم من ذلك بكثير، فقبل 1700 عام، وقف رجل آخر على حافة مضيق أضيق بكثير من مضيق هرمز. وفكّر في شيء مختلف تمامًا.
وقف الإمبراطور قسطنطين على الضفة الأوروبية لمضيق البوسفور وقرر أن هذه النقطة بالذات ستكون عاصمة إمبراطوريته الجديدة وبنى مدينة على جانبيه. أصبحت القسطنطينية بأسوارها الثلاثية وأسواقها ومصارفها تتحكم في البوسفور والدردنيل بقوة الجغرافيا والتجارة، وبالطبع معها أقوى الأساطيل الحربية. كان الدرس التاريخي ولم يزل أن من يسيطر على التجارة يسيطر على الثروة، ومن يسيطر على الثروة يبقى، وبهذا نجت تلك الإمبراطورية 1000 عام.
يُنسب إلى مارك توين قولٌ شهير: "التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنه غالبًا ما يتقافى". والحقيقة أن هذه المقولة تختزل واحدة من أعمق الملاحظات في فلسفة التاريخ، وهي أن الضغوط المتشابهة تُنتج استجابات إستراتيجية متشابهة، بصرف النظر عن المسافة الزمنية بين الحقبتين. حين تبلغ إمبراطورية ما نقطة اللاعودة، أي حين تتجاوز تكلفة الحفاظ على الأطراف قيمتها، يظهر نفس الحساب المصيري، سواء كان الإمبراطور يرتدي الأرجوان الروماني أو يجلس خلف مكتب في المكتب البيضاوي يرقص رقصته الشهيرة أو يطلب وجبة بيغ ماك.
لنحو قرنٍ من الزمان، وقفت الولايات المتحدة على مسرح العالم كما وقفت روما في خريفها الذهبي، باعتبارها القوة التي لا غنى عنها، والشرطي الذي يضمن ممرات الشحن في آسيا والحدود في أوروبا، ويدفع بالدم والمال ثمن "السلام الأمريكي" (Pax Americana). لكن ثمن هذا السلام أصبح باهظا، وكان من تبعات ذلك أن الإمبراطورية بدأت تنكمش في انسحاب محسوب خشية الانهيار. إن الولايات المتحدة تشهد اليوم نهاية نموذج روما الغربية المتمددة، وبداية ما يمكن تسميته "التحول البيزنطي"، أي الانتقال من إمبراطورية تحكم العالم إلى قلعة تحمي نفسها.
"تشهد الولايات المتحدة اليوم نهاية نموذج روما الغربية المتمددة، وبداية ما يمكن تسميته التحول البيزنطي، أي الانتقال من إمبراطورية تحكم العالم إلى قلعة تحمي نفسها"
لكن هذا التحول البيزنطي يحمل في طياته مفارقة خطيرة. فالفكرة بيزنطية من حيث التقليص المحسوب للانتشار العسكري، وفرض نظام اقتصادي حمائي، والاعتماد على الدبلوماسية بدل الحرب، لكن تطبيق الفكرة يتم بأدوات رومانية، من الاجتياح العسكري في فنزويلا، والحرب الشاملة على إيران، والحصار لمضيق هرمز، والتهديدات التي أقلقت الحلفاء بضم غرينلاند وبنما وكوبا، كل ذلك يجعل من التدافع الحالي صراعًا مفتوحًا بلا أفق واضح.
في غضون ذلك تبدو الولايات المتحدة منقسمة في داخلها، فهناك مهندسون يرسمون خريطة الانسحاب الذكي على الطريقة البيزنطية، من بناء ثالوث اقتصادي يُعيد هندسة العملة والمالية العامة والقاعدة الصناعية، لكن في المقابل هناك رئيس يُصر على أن يتدخل في كل خطوة وسياسة. وإجابة هذه المعضلة هي التي ستحدد ملامح العقد القادم: هل يمكن للولايات المتحدة أن تنجو اعتمادًا على إستراتيجية بيزنطية وتطبيق روماني؟
"إن انحدار روما كان النتيجة الطبيعية والحتمية للعظمة المفرطة. الرخاء أنضج بذور الاضمحلال، وأسباب الدمار تضاعفت مع اتساع رقعة الفتح"
بواسطة إدوارد غيبون، تاريخ انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية (1788)
لكن السؤال الذي يعنينا، في الشرق الأوسط، ليس ما إذا كانت أمريكا تنكمش. السؤال هو: ماذا يحدث للأطراف حين ينسحب المركز؟ ماذا حدث لمقاطعات روما الغربية حين قررت القسطنطينية إنقاذ نفسها؟ وماذا سيحدث للمنطقة التي تحالفت مع الولايات المتحدة منذ عام 1945، إذا كان العملاق قد بدأ فعلا بالانسحاب إلى قلعته الحصينة؟
في ذروة مجدها تحت حكم الإمبراطور تراجان عام 117 للميلاد، امتدت الإمبراطورية الرومانية على مساحة 5 ملايين كيلومتر مربع، وحكمت نحو 88 مليون نسمة، أي ما يعادل ربع سكان العالم آنذاك، وحرست حدودًا تمتد 10 آلاف ميل عبر 3 قارات. كان الجيش يضم ما بين 400 ألف و650 ألف جندي بعد إصلاحات دقلديانوس، ويلتهم ما بين 60% و80% من إجمالي إيرادات الدولة.
لكن الكارثة لم تكن في حجم الإنفاق العسكري وحده، بل فيما يشبه "الالتزامات غير الممولة" أو "الدعم الحكومي" بلغة عصرنا. كانت الدولة الرومانية ملزمة بتوزيع القمح المجاني على نحو 200 ألف مواطن في العاصمة عبر نظام "كورا أنوناي"، وهو برنامج رعاية اجتماعية لم يستطع أي إمبراطور إلغاءه دون المخاطرة بالاغتيال أو الحرب الأهلية. وفي الوقت نفسه، كان تأمين ولاء الفيالق يتطلب هبات مالية متزايدة ومنح أراضٍ للمحاربين القدامى. وحين عجزت الخزانة عن تمويل هذه الالتزامات، لجأ الأباطرة إلى الحل الأسهل: تخفيض قيمة العملة.
انحدر الدينار الروماني من نقاء 95% من الفضة في عهد الإمبراطور أغسطس إلى مجرد 2% في عهد أوريليان، وهو انهيار استغرق نحو 280 عاما. وصل التضخم السنوي إلى 22.9% في القرن الرابع، حتى أن شراء أونصة واحدة من الذهب كان يتطلب 6 ملايين دينار مخفّف القيمة.
حاول الإمبراطور دقلديانوس معالجة الأزمة بـ"مرسوم الأسعار القصوى" عام 301 م، الذي فرض فيه أسعارًا ثابتة على أكثر من 1200 سلعة، لكن المرسوم فشل فشلا ذريعا، وأدى إلى انتشار السوق السوداء وانكماش الإنتاج. وصف غيبون (المؤرخ الإنجيلزي – صاحب كتاب اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها) هذا العبء بعبارة جراحية: كانت الضريبة مرهقة في ذاتها وفي طريقة جمعها، حتى إنه بينما ارتفعت الإيرادات بالابتزاز، انخفضت باليأس.
وهنا يتدخل ابن خلدون بملاحظة استبق بها الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر بستة قرون كاملة، بالقول إن "الجباية في أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، ثم في آخرها تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة"، أي تكون الضرائب في البداية قليلة العبء على الناس كثيرة الإيراد، ثم مع تدهور الدولة وزيادة نفقاتها بانخفاض كفاءتها وضعف اقتصادها وتغلغل الفساد فيها، تبدأ في زيادة أعباء ضرائبها لتعويض ما يعتري إيراداتها من انخفاض دون جدوى.
"عاشت روما المتأخرة (منحنى لافر) بحذافيره فكانت كلما رفعت الضرائب، انكمش الإنتاج، فارتفع العجز، فرفعت الضرائب أكثر، في دوامة لا تنتهي"
هذا هو بالضبط "منحنى لافر" الذي اكتُشف رسميا عام 1974، لكن ابن خلدون صاغه في القرن الرابع عشر، بلغة عربية أوضح من أي رسم بياني. وقد عاشت روما المتأخرة هذا المنحنى بحذافيره فكانت كلما رفعت الضرائب، انكمش الإنتاج، فارتفع العجز، فرفعت الضرائب أكثر، في دوامة لا تنتهي تاريخيا إلا بالانهيار أو بإصلاح جذري.
ولم يقف ابن خلدون عند التشخيص المالي. فقد لاحظ نمطًا عسكريًا مدمرًا يصاحب الانحدار، إذ إنه حين تضعف العصبية، وهي الرابطة الداخلية التي تجمع المحاربين المؤسسين، تلجأ الدولة إلى الاستعانة بالموالي والمرتزقة. فقد كانت الفيالق الرومانية تضم مواطنين أحرارًا إلى أن أصبحت في القرن الرابع مملوءة بالجرمان والقوط والفاندال، وهم مقاتلون بأجر لا رابطة تجمعهم بالدولة سوى الذهب.
بحلول عام 400 م، كانت الهوة الاقتصادية بين شطري الإمبراطورية سحيقة، فإيرادات الشطر الشرقي "البيزنطي" بلغت نحو 270 ألف رطل من الذهب سنويا، مقابل 30 ألف رطل فقط للغرب الروماني، بنسبة 9 إلى 1. والفارق بين روما وبيزنطة لم يكن حظا، بل هندسة إستراتيجية بدأها دقلديانوس وأكملها قسطنطين. هندسةٌ ستُعرف لاحقًا بالتحول البيزنطي.
سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476 م لأنها حاولت التمسك بكل شيء. لكن النصف الشرقي -الإمبراطورية البيزنطية- نجا 1000 سنة أخرى، من خلال تحول إستراتيجي شامل لخّصه المؤرخ العسكري إدوارد لوتواك في كتابه "الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية" بعبارة واحدة: "أعدّ أقوى الجيوش والأساطيل، ثم اجعل غايتك الأسمى ألا تضطر لاستخدامهما أبداً. فالأعداء المحتملون يجب احتواؤهم بالردع أو الإغداق بالمال أو الاختراق، أو إضعافهم بضرب بعضهم ببعض، أو تشتيت انتباههم بعيداً عن الإمبراطورية".
"أعدّ أقوى الجيوش والأساطيل، ثم اجعل غايتك الأسمى ألا تضطر لاستخدامها أبدا"
بواسطة إدوارد لوتواك، الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية (2009)
وقد وصف غيبون مهندس التحول دقلديانوس بأنه إمبراطور امتلك قدرات "مفيدة أكثر منها لامعة"، إذ حمل "عقلًا قويًا صقلته التجربة ودراسة البشر؛ ومهارة في إدارة الشؤون؛ ومزيجًا حكيمًا من السخاء والاقتصاد، ومن اللين والصرامة". هذا الإمبراطور "قسّم الإمبراطورية وكل فرع من فروع الإدارة المدنية والعسكرية. ضاعف تروس آلة الحكم، فجعل عملياتها أبطأ لكن أكثر أمانًا". تلك العبارة "أبطأ، لكن أكثر أمانًا" هي الأطروحة الكاملة للتحول البيزنطي في 4 كلمات. لكن إذا أردت الاستزادة فهذه هي الآليات التي استطاعت بها بيزنطة الاستمرار.
الآلية الأولى كانت التقليص الجغرافي المحسوب. بدأ الانكماش قبل السقوط الرسمي بقرنين. الإمبراطور أوريليان سحب الفيالق من داقية (رومانيا الحالية) بين 271 و275 م لأن تكلفة الدفاع عنها تجاوزت قيمتها. الإمبراطور يوفيان تنازل عن نصيبين للفرس عام 363 م لإنقاذ جيشه المحاصر. وفي عام 410 م، رفض هونوريوس نجدة بريطانيا حين استغاثت بروما – ببساطة، لم تعد المقاطعة تستحق الثمن. كل تخلٍّ كان مؤلما، لكنه كان حسابًا باردا. القرار الإستراتيجي لم يكن "هل نخسر؟"، بل "ماذا نختار أن نخسر لكي نبقى؟".
"حين أسس قسطنطين القسطنطينية عام 330 م على مضيق البوسفور، لم يكن ينقل العاصمة فحسب، بل كان يختار أي نصف من الإمبراطورية يريد إنقاذه"
الآلية الثانية هي بناء العاصمة القلعة والسيطرة على المضائق. حين أسس قسطنطين القسطنطينية عام 330 م على مضيق البوسفور، لم يكن ينقل العاصمة فحسب، بل كان يختار أي نصف من الإمبراطورية يريد إنقاذه. كتب غيبون: "البوسفور والدردنيل يمكن اعتبارهما بوابتَي القسطنطينية، والأمير الذي يسيطر على هذين الممرين الحيويين يستطيع دائما إغلاقهما أمام أعدائه البحريين وفتحهما لأساطيل التجارة". فالسيطرة على المضائق تعني السيطرة على التجارة، والسيطرة على التجارة تعني السيطرة على الثروة، والثروة تعني البقاء. أسوار ثيودوسيوس، السور الثلاثي الذي لم يُخترق لـ 1000 عام، كانت الدرع؛ لكن المضائق كانت الشريان الاقتصادي.
أما الآلية الثالثة، فهي إعادة هيكلة الجيش. قسّم دقلديانوس وقسطنطين الجيش إلى قوتين: "ليميتاني" وهم حرس الحدود للدفاع الثابت، و"كوميتاتينسيس" جيوش الميدان المتحركة للاستجابة السريعة، وهو ما عُرف بمبدأ "الدفاع في العمق". لاحقًا، تحولت بيزنطة بحيث أصبح كل إقليم وحدة عسكرية إدارية مكتفية ذاتيًا، يُمنح فيها الجنود أراضي مقابل الخدمة، مما خفّض تكاليف الجيش الدائم وأعاد الإنتاج الزراعي إلى حلقة التمويل العسكري.
لكن جوهر الإستراتيجية الكبرى، والتي يسميها لوتواك "الشفرة التشغيلية البيزنطية”، كانت أكثر ذكاء من التكتيكات المؤقتة. فالفكرة الأساسية هنا هي أن البيزنطيين أدركوا أن الانتصار الحاسم وتدمير العدو تماما في معارك استنزاف كبرى هو أمر مكلف ومحفوف بالمخاطر، ومجرد وهم إستراتيجي؛ لأن تدمير عدو واحد سيترك فراغا يملؤه عدو آخر قد يكون أشد خطرًا.
لذلك، تخلى البيزنطيون عن النهج الروماني القديم المعتمد على القوة الغاشمة، واعتمدوا بدلاً من ذلك على الدبلوماسية، وشبكات التجسس، وتجنيد الحلفاء، والرشوة، وتكتيكات المناورة التي تعني تكييف القتال ليتناسب مع نقاط ضعف كل عدو بحد ذاته وتجنب نقاط قوته. باختصار، كانت القوة العسكرية أداة لاحتواء الأعداء وإحباطهم، وليس بالضرورة لتدميرهم، لأن عدو اليوم قد يكون حليف الغد.
"أدرك البيزنطيون أن الانتصار الحاسم وتدمير العدو تماما في معارك استنزاف كبرى هو أمر مكلف ومحفوف بالمخاطر، ومجرد وهم إستراتيجي"
تجلت الإستراتيجية البيزنطية الكبرى في العديد من المبادئ والأفكار العسكرية التكتيكية. في مقدمتها، السعي إلى تفادى الحرب بشتى السبل وفي كافة الظروف، ولكن مع تأهب دائم لاحتمال اندلاعها. وهنا يكمن الهدف الأسمى للجاهزية القتالية القصوى والتدريب المكثف للجنود في تعزيز احتمالية عدم الاضطرار لخوض القتال على الإطلاق، من خلال الردع الفعال. في غضون ذلك، تعمل الاستخبارات باستمرار على فهم عقلية العدو ومراقبة تحركاته، وهي لا تكتفي بالدوريات الاستطلاعية، بل تعمل على زرع الجواسيس في عمق أراضي العدو والتقاط إشارات الإنذار المبكر لقراءة نواياه.
ميدانيا، عمدت بيزنطة إلى شن ح ملات نشطة، هجوما ودفاعا، اعتمادا على وحدات صغيرة مع تجنب المعارك الشاملة والمواجهات الفاضلة إلا في ظروف مواتية للغاية، واللجوء بدلاً من ذلك إلى تكتيكات المناوشات، والغارات، والكمائن لإضعاف العدو تدريجيا. وهكذا استبدلت معارك الاستنزاف لصالح القدرة العالية على المناورة: في الدفاع، لا تُواجَه القوات المتفوقة عددياً بشكل مباشر، ولكن بالبقاء قريبا منها والقضاء على مفارزها الصغيرة وقوافل إمداداتها. وفي الهجوم، تُنفَذ غارات خاطفة، بهدف إحباط العدو وإضعافه ماديا بمرور الوقت.
في تلك الرؤية، يعد التخريب الداخلي والاختراق الطريق الأقصر للنصر، نظراً لكونه بديلاً رخيصاً جداً مقارنة بتكاليف المعارك ومخاطرها. كما يحتل الحلفاء مكانا بارزا في تلك الرؤية البيزنطية حيث يمكنهم تغيير موازين القوى، وأفضل الحلفاء هم الحلفاء من داخل العدو نفسه، أو قادته المنشقون. ومرة أخرى، في كل تلك التفاصيل يظهر المبدأ الأول والأهم وهو تجنّب الحرب بكل الوسائل الممكنة، وكل ما عداه يخدم هذا المبدأ ويُغذيه.
"حققت عملة السوليدوس أطول فترة استقرار نقدي في التاريخ البشري"
بعد الجيش تأتي الآلية الرابعة وهي توظيف النقد السليم أو "السوليدوس" كسلاح. أصدر قسطنطين عملة "السوليدوس" الذهبية بنقاء 24 قيراطًا ووزن 4.5 غرام، واحتفظت بقيمتها لأكثر من 700 عام متواصلة، من القرن الرابع حتى القرن الحادي عشر، وهي أطول فترة استقرار نقدي في التاريخ البشري. لكن السوليدوس لم تكن مجرد عملة للتداول الداخلي، بل كانت سلاحًا اقتصاديًا عابرًا للحدود. يشرح لوتواك بالقول إن الذهب المُصدَّر إلى الهون والبرابرة عاد ليدور داخل الإمبراطورية سريعا، لأنهم كانوا يستخدمون ذهب الجزية لشراء الضروريات والكماليات من الإمبراطورية. كان لسان حال الإمبراطورية أن ادفع للبربري ذهبًا فيعود إليك عبر التجارة، بهذا تشتري السلام دون أن تخسر الثروة.
الإمبراطور أناستاسيوس الأول (491‑518 م) جسّد هذا المنطق بأوضح صوره فألغى الضرائب القاسية على التجارة، وأعاد هيكلة العملات البرونزية، وترك في خزانة الدولة 320 ألف رطل من الذهب، وهي ثروة مكّنت خلفاءه من تمويل حروب الإمبراطور اللاحق جستنيان ودبلوماسيته في آنٍ واحد. النقد السليم كان شرط البقاء لقرون طويلة.
أما الآلية الخامسة، والأخيرة فهي "مكتب البرابرة" وحروب الوكالة. أنشأت بيزنطة أول جهاز استخبارات أجنبية مؤسسي في التاريخ تحت إشراف رئيس الديوان. كان الجهاز مقسّمًا إلى أربعة أقسام متخصصة جغرافيا، ومهمته جمع معلومات أنثروبولوجية واستخباراتية عن كل عدو محتمل واستخدامها لتمويل قبيلة لتحارب أخرى.
كتب لوتواك أنه "بدلًا من مواجهة القوة بالقوة -وهو النهج الروماني الكلاسيكي- فضّل البيزنطيون التخفي والمكر والدعاية والرشوة والخداع". جنّدت بيزنطة الكوكتورك ضد فارس، والخزر ضد التوسع العربي في القوقاز، وشعوب السهوب المتعاقبة ضد بلغاريا. دائمًا هناك "بربري" جاهز لمحاربة "بربري" آخر، والثمن أقل بكثير من تجهيز فيلق.
وأضاف لوتواك ملاحظة تبدو وكأنها كُتبت عن واشنطن اليوم بالقول إن "الهيبة، على عكس الجنود أو الذهب والأموال، لا تهلك وتفنى حين تُستخدم، وكان ذلك فضيلة عظيمة للبيزنطيين، الذين كانوا دائما يبحثون عن مصادر قوة اقتصادية التكلفة". هذه المنظومة مجتمعة من نقد سليم، وسيطرة على المضائق، وتقليص جغرافي محسوب، وحروب استنزاف للأعداء بالوكالة، واستخبارات عميقة، هي ما أنقذ النصف الشرقي لـ 1000 عام.
"الثروة ضرورية لدعم القوة العسكرية، والقوة ضرورية لاكتساب الثروة وحمايتها. لكن إذا أُنفق الكثير على الجوانب العسكرية، فإن ذلك يقود على المدى الطويل إلى إضعاف القوة الوطنية"
بواسطة بول كينيدي، صعود وسقوط القوى العظمى (1987)
حين كتب الاقتصادي والمؤرخ البريطاني بول كينيدي هذه الكلمات عام 1987، كان الدين الأمريكي يبلغ 2.4 تريليون دولار، واليوم يتجاوز 36 تريليونا. كان العجز السنوي 150 مليار دولار، فيما اليوم يبلغ 1.9 تريليون وفق تقديرات مكتب الميزانية بالكونغرس.
هناك اليوم أيضا أكثر من 750 قاعدة عسكرية أمريكية في أكثر من 80 دولة، مع 175,000 إلى 200,000 جندي خارج الحدود بشكل دائم. لكن الجيش البري انخفض إلى نحو 445,000 جندي فعلي، وهو أقل مستوى منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. وتقف قوة البحرية عند 298 سفينة حربية وهو أقل من عتبة 400 سفينة اللازمة للهيمنة البحرية العالمية وفق التقديرات الداخلية الأمريكية. والدين في طريقه لبلوغ 120% من الناتج المحلي بحلول عام 2036.
أما "الالتزامات غير الممولة"، من وعود الرعاية الصحية والتقاعد، فتتراوح تقديراتها بين 100 و175 تريليون دولار، أي سبعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. تمامًا كما لم يستطع أي إمبراطور روماني إلغاء توزيع القمح المجاني دون المخاطرة بحرب أهلية أو الاغتيال، لا يستطيع أي رئيس أمريكي اقتراح خفض حقيقي في الاستحقاقات دون انتحار انتخابي.
ولعل أخطر مؤشر هو ما أسماه المؤرخ نيال فيرغسون "قانون فيرغسون": حين تتجاوز خدمة الدين الإنفاق الدفاعي، تكون القوة العظمى في خطر بنيوي. في السنة المالية 2025، بلغت خدمة الدين الأمريكي نحو تريليون دولار – متجاوزة ميزانية الدفاع لأول مرة في التاريخ الأمريكي. حين تدفع لدائنيك أكثر مما تدفع لجنودك، يمكن القول إن العد التنازلي قد بدأ.
اقتصاديا، لا يختلف الوضع كثيرا. لقد نجح السوليدوس البيزنطي لأنه ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد، إذ حافظ على قيمته الداخلية، وصدّر التضخم إلى الخارج، وأعاد الذهب المُصدَّر إلى داخل الإمبراطورية عبر حلقة تجارية مغلقة. واليوم، يتشكّل ثالوث اقتصادي أمريكي من أشخاص يحاولون فعل الشيء ذاته بالدولار، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.
أول هؤلاء الأشخاص هو كيفن وارش، الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي. يحمل وارش تصورًا أو قل تشخيصًا جراحيا للاقتصاد الأمريكي بقوله "أمريكا غنية بالأصول، فقيرة بالدخل". في ورقته البحثية بمعهد هوفر، يشرح كيف أن سياسات التيسير الكمي بعد أزمة 2008 كسرت سلسلة القيمة الطبيعية.
"يحمل كيفن وارش تشخيصا جراحيا للاقتصاد الأمريكي مفاده أن أمريكا غنية بالأصول، فقيرة بالدخل"
فبدلًا من تدفق رأس المال عبر العمل والإنتاجية نحو أجور أعلى ثم مدخرات ثم استثمار، ضخّت سياسات الفيدرالي السيولة مباشرة في الأسواق المالية. كانت النتيجة أن ارتفعت أسعار الأسهم والعقارات لصالح الـ1% الأغنى (الذين يملكون 31.7% من إجمالي الثروة الأمريكية وفق بيانات الربع الثالث من العام 2025)، بينما ارتفعت الأجور الحقيقية للعمال 29.4% فقط مقابل ارتفاع الإنتاجية 80.9% بين عامي 1979 و2024.
وصف وارش التيسير الكمي بأنه "روبن هود معكوس"، أي السياسة التي أخذت من الفقراء وأعطت الأغنياء. ويطرح حلًا غريبًا هو تحويل الدولار إلى "أصل ندرة" فيدرالي ضيق المهام يركز حصرا على استقرار الأسعار، تمامًا كما كان القيصر البيزنطي يحرس نقاء السوليدوس. وفي خطابه أمام مجموعة الثلاثين وصندوق النقد الدولي في أبريل/نيسان 2025، هاجم وارش توسع مهام الفيدرالي إلى التدخل في قضايا المناخ والتنوع والسياسة المالية، وطالب بإعادة البنك إلى تفويضه الأصلي.
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت (الأول يمين) يحضر مراسم استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الصين، 14 مايو/أيار 2026 (رويترز)أما الشخص الثاني في هذه المعادلة فهو سكوت بيسنت، وزير الخزانة، الذي يُكمل المعادلة بخطة "3‑3‑3" والتي أصبحت العنوان الاقتصادي للإدارة. يريد بيسنت أن يخفض العجز إلى 3% من الناتج بحلول عام 2028، وتحقيق نمو 3%، وزيادة إنتاج الطاقة بمعدل 3 ملايين برميل يوميا. بيسنت صرّح بأن "95% من نمو الوظائف تركز في القطاع العام والقطاعات المجاورة للحكومة. القطاع الخاص كان في ركود فعلي. هدفنا إعادة خصخصة الاقتصاد". ثم أضاف إن "الاقتصاد الأمريكي هش من الداخل". ويقترح للحل إلغاء القيود التنظيمية الشاملة، والإعفاء الضريبي الكامل على الاستثمار في المصانع والمعدات، وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية.
ثالثًا يأتي ستانلي دراكنميلر، أسطورة الاستثمار الكلي ومعلّم وارش الفكري والجسر الذي يربط الفيدرالي بالخزانة بالأسواق. بحسب بلومبرغ، يتواصل وارش ودراكنميلر أكثر من 12 مرة يوميا عبر الرسائل والمكالمات، والعلاقة بينهما تُوصف بأنها "أقرب إلى علاقة أب بابنه". وصف دراكنميلر الوضع المالي بأنه "مشاهدة فيلم رعب يتكشّف أمامك" حيث "الإنفاق الإلزامي بالإضافة إلى خدمة الدين يساوي حرفيا 100% من الإيرادات".
"بدلًا من ضخ الأموال في البورصات والبنوك، يرغب محور القوة الجديد في توجيهها نحو المصانع والبنية التحتية والطاقة، أي نحو أشياء تُنتَج وتُلمَس، لا أرقام تتضخم على الشاشات"
فلسفة دراكنميلر واضحة، تبدأ بانضباط مالي صارم، وعملة قوية كأساس للاستقرار، وتحويل رأس المال من الهندسة المالية وصولًا في النهاية إلى الإنتاج الحقيقي. حتى موقفه من التعريفات الجمركية يمكن وصفه بأنه براغماتي بيزنطي حيث يقول إنه لا يؤيد تعريفات جمركية تتجاوز 10%، لكنها "أهون الشرين" بالنظر إلى المشكلة المالية للولايات المتحدة حسب وصفه.
الثالوث معًا يمثل ما أسماه المحلل جيمس ثورن "محور القوة الجديد"، وهو شبكة مترابطة تسعى إلى قلب الفلسفة الاقتصادية التي حكمت أمريكا منذ أزمة 2008. تلك الفلسفة قامت على مبدأ بسيط: حين يتباطأ الاقتصاد، تطبع الحكومة مزيدًا من المال وتضخّه في الأسواق المالية أملًا في أن "يتسرّب" الرخاء إلى بقية الناس. ما يطرحه الثالوث هو العكس: بدلًا من ضخ الأموال في البورصات والبنوك، وجّهها نحو المصانع والبنية التحتية والطاقة — أي نحو أشياء تُنتَج وتُلمَس، لا أرقام تتضخم على الشاشات.
في هذا السياق، يطالب وارش بإعادة رسم العلاقة بين البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) ووزارة الخزانة — العلاقة التي تحدد فعليًا كيف يُصنع المال ولمن يُوجَّه. يريد اتفاقًا رسميًا جديدًا بينهما، على غرار اتفاق تاريخي أُبرم عام 1951 حين انتزع الفيدرالي استقلاله عن الخزانة لأول مرة. ما يُقترح اليوم ليس إصلاحًا تقنيًا يهمّ الاقتصاديين وحدهم ولكنه إعادة صياغة للعلاقة بين المال والدولة، تمامًا كما فعل قسطنطين حين أصدر السوليدوس الذهبي وأنهى قرنين من الفوضى النقدية.
"وفق صندوق النقد الدولي، كل ارتفاع بنسبة 10% في قيمة الدولار يمحو نحو 2% من اقتصادات الدول النامية خلال عام واحد"
والنتيجة المرجوّة واحدة، أن الدولار القوي يُصدّر متاعبه إلى الخارج. والمنطق واضح وإن بدا قاسيا، حين ترتفع قيمة الدولار، يصبح كل شيء مسعّرًا به أغلى على بقية العالم، من النفط، مرورًا بالغذاء، إلى أقساط الديون. ووفق صندوق النقد الدولي، كل ارتفاع بنسبة 10% في قيمة الدولار يمحو نحو 2% من اقتصادات الدول النامية خلال عام واحد، مع آثار تمتد لسنتين ونصف. ما نراه هنا أن أمريكا تتحصّن، والعالم يدفع ثمن التحصين، ورؤوس الأموال تهرب من الأسواق الناشئة وتعود إلى أمريكا بحثًا عن "ملاذ آمن"، فتزداد القلعة ثراءً كلما ازداد محيطها -أي معظم دول العالم- فقرًا.
يمكننا أن نتخيل المشهد التالي ولن يكون بعيدًا عما حدث في الحقيقة.
في الجسر العلوي لناقلة "سي بي تاكيسيما"، بعد 4 دقائق من ظهور تغريدة ترمب التي بدأنا بها المقال، كان الكابتن الفلبيني القادم من مانيلا الذي عبر مضيق هرمز 42 مرة في 15 عامًا، يحدّق في ثلاثة هواتف أضاءت في وقت واحد على المنضدة أمامه. الأول من شركة التأمين البحري في لندن يقول إن بوليصة التأمين "قيد المراجعة بسبب ظروف استثنائية". أما الثاني فمن الشركة المشغّلة في سنغافورة تأمره بـ"التريّث في المكان الحالي حتى إشعار آخر".
أما الثالث فمن زوجته في مانيلا، تسأله إن كان بخير لأن الأخبار بشأن إغلاق وصلت. كان تحته 230 ألف طن من النفط الخام، وأمامه 14 ميلًا تفصله عن فم المضيق، وفوقه سماء يخشى مما قد يسقط منها. أغلق الهواتف الثلاثة، وفتح دفتر السجل، وكتب بخط منتظم: "14 أبريل/نيسان 2026، 11:34 صباحا. متوقفون في انتظار التعليمات"، ثم نظر إلى البحر.
"قبل أن تنسحب بيزنطة إلى داخل أسوارها، قامت بخطة حاسمة حين أمّنت خطوط إمدادها الاقتصادية، وهو ما تفعله الولايات المتحدة اليوم"
قبل أن تنسحب بيزنطة إلى داخل أسوارها، قامت بخطة حاسمة حين أمّنت خطوط إمدادها الاقتصادية. سيطرت القسطنطينية على المضائق التي تتحكم بالتجارة، وأمّنت مصادر الحبوب في الأناضول بعد خسارة مصر، وطردت النفوذ المعادي من محيطها المباشر. كما كتب لوتواك: "جنّدت بيزنطة الكوكتورك ضد فارس المحاربة، والخزر ضد التوسع العربي في القوقاز". الولايات المتحدة تفعل اليوم الشيء ذاته.
في مضيق هرمز الذي كان يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، تحوّل الوضع من تنافس إلى مواجهة مفتوحة. بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، أغلقت طهران المضيق فعليا وزرعت ألغامًا بحرية في ممراته. بحلول 10 مارس/آذار، لم تعبر المضيق سوى 15 سفينة.
في مواجهة ذلك، أعلن ترمب في 9 مارس/آذار نيته "السيطرة" على المضيق، ثم بدأت حملة عسكرية لـ"فتحه" في 19 مارس/آذار. مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد" عبرت قناة السويس في 5 مارس/آذار متجهة إلى المنطقة. في 8 أبريل/نيسان، أُعلنت هدنة بوساطة باكستانية وافقت إيران بموجبها على السماح بالملاحة، لكنها انهارت بعد فشل مفاوضات إسلام آباد في 12 أبريل/نيسان. واليوم، تفرض البحرية الأمريكية حصارًا على الموانئ الإيرانية بـ15 سفينة حربية على الأقل.
في باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر حيث يمر نحو 12% من التجارة العالمية، شن الحوثيون في وقت سابق هجماتهم على السفن التجارية، فعلّقت شركات الشحن الكبرى (ميرسك، سي إم إيه سي جي إم، هاباغ‑لويد) عمليات العبور، فتدخلت الولايات المتحدة بتوجيه ضربات ضد الحوثيين لحماية سيطرتها على الملاحة.
وفي قناة بنما، التي تمر عبرها 5% من التجارة البحرية العالمية و40% من حاويات الشحن الأمريكية، نجحت واشنطن في طرد شركة هاتشيسون الصينية من تشغيل محطتَي الموانئ على الجانبين الأطلسي والهادئ. في 30 يناير/كانون الثاني 2026، حكمت المحكمة العليا البنمية بعدم دستورية عقود الشركة الصينية، ووافقت مجموعة من الشركات الكبرى بقيادة بلاك روك على الاستحواذ على المحطات.
عينة من خام الباستناسايت، المستخدم في استخراج عناصر أرضية نادرة، معروضة في المتحف الجيولوجي في بكين (رويترز)في غضون ذلك، تسيطر الصين على نحو 70% من قدرات معالجة المعادن الحرجة والنادرة عالميًا وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، وتحديدًا على 99% من الغاليوم، العنصر الأساسي لأشباه الموصلات، و70% من العناصر الأرضية النادرة الضرورية للصواريخ الموجهة والطائرات المقاتلة، و65% من الكوبالت عصب بطاريات الليثيوم، و58% من الليثيوم نفسه. الولايات المتحدة تعتمد بنسبة 100% على الاستيراد في 12 معدنًا حرجًا على الأقل ما يجعلها نقطة اختناق وجودية في العصر الذي يدخله العالم بقوة من بوابة الذكاء الاصطناعي.
الرد الأمريكي جاء متعدد الجبهات. في البداية صدر أمر تنفيذي في مارس/آذار 2025 لزيادة الإنتاج المحلي. ثانيًا أعلن عن "مشروع القبو" (Project Vault) بقيمة 12 مليار دولار في فبراير/شباط 2026 لتكوين مخزون إستراتيجي فيدرالي. كذلك عقدت أمريكا اتفاقية مع أوكرانيا تمنح أمريكا وصولا تفضيليا إلى الليثيوم والغرافيت والمنغنيز والتيتانيوم، وأبرمت شراكة مع أستراليا بمليار دولار لكل طرف.
"كل هذه الإجراءات بحجة تأمين المحيط المباشر وطرد النفوذ المنافس قبل غلق بوابة القلعة واعتزال العالم"
وتجري واشنطن الآن صفقة قيد التفاوض للاستحواذ على 40% من أصول غلينكور (Glencore) في جمهورية الكونغو الديمقراطية بقيمة 9 مليارات دولار. وفي غرينلاند التي تحتوي على ثاني أكبر احتياطي عالمي من العناصر الأرضية النادرة (36 إلى 42 مليون طن) أعطي قرض بقيمة 120 مليون دولار من بنك التصدير الأمريكي لأول استثمار مباشر في تعدين العناصر النادرة هناك.
وأخيرًا جاء تنظيف الباحة الخلفية من النفوذ المنافس. في فنزويلا، تسيطر أمريكا الآن على مبيعات النفط بعد عملية عسكرية اعتقلت الرئيس مادورو في يناير/كانون الثاني 2026. وفي بنما طردت الصين من الموانئ، وتشدد في كوبا الخناق على النفوذ الصيني والروسي. بهذا نجد أن أمريكا تجنّد بلاك روك ضد هاتشيسون، وتفرض العقوبات ضد مادورو، وتبرم اتفاقيات المعادن ضد مبادرة الحزام والطريق. الأدوات تغيرت بالفعل، لكن المنطق الذي وصفه لوتواك يظل حاكمًا ليبرر كل هذه الإجراءات بحجة تأمين المحيط المباشر وطرد النفوذ المنافس قبل غلق بوابة القلعة واعتزال العالم.
هنا ينكشف التناقض المركزي في الحالة الأمريكية. فالمخطط بيزنطي يسعى إلى دولار قوي كالسوليدوس، وتحصين اقتصادي يُعيد رأس المال إلى المصانع، وسيطرة على المضائق، وتأمين المعادن بالشراكات لا الحروب، وإعادة هيكلة العلاقة بين الفيدرالي والخزانة. كل هذا يمكن أن يصنع بيزنطة أمريكية تعيش قرونًا.
لكن تطبيق ترمب روماني. يستخدم قوات خاصة تقتحم كراكاس وتعتقل رئيسًا. ويرسل حاملات طائرات لتتحدى إيران في مضيق هرمز. ويطلق تهديدات علنية بضم غرينلاند وكندا وبنما وكوبا. ويشعل الحرب على إيران لترد إيران بصواريخ ومسيّرات استهدفت إسرائيل ودول أخرى في المنطقة بزعم أنها تحوي مصالح أمريكية، ثم يُغلق مضيق هرمز، ثم هدنة هشة، وحصار بحري لا يزال مستمرًا. هذا ليس منطق بيزنطة.
الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو أثناء اقتياده إلى محكمة في مانهاتن بنيويورك، 5 يناير/كانون الثاني 2026 (رويترز)كان من شأن المنطق البيزنطي في التصرف أن يؤمن مضيق هرمز بالتحالفات والاستخبارات لا عن طريق اغتيال قيادة البلاد وتدمير بنيتها التحتية، وكذلك أن يسيطر على نفط فنزويلا عبر عقود واتفاقيات لا من خلال عمليات إنزال خاصة واعتقال رئيس لبلد مستقل. وكان هذا المنطق ليُبعد الصين عن بنما بالتجارة والاستثمار المتبادل لا بالأحكام القضائية المسيّسة. المبدأ الأول في الشفرة التشغيلية البيزنطية، وهو تجنّب الحرب بكل الوسائل الممكنة، يقلبه التطبيق الترمبي رأسًا على عقب، فهو يخوض الحرب أولًا ثم يسأل عن البدائل لاحقًا.
"بدلًا من أن يُنتج التحول استقرارا، يُنتج التطبيق الروماني فوضى عارمة تضخمها لحظة العولمة غير المسبوقة"
لذلك فبدلًا من أن يُنتج التحول استقرارًا، يُنتج التطبيق الروماني فوضى عارمة تضخمها لحظة العولمة غير المسبوقة. فنجد أسعار النفط تقفز منذ بداية الحرب، ومئات السفن التجارية عالقة في مياه الخليج، فيما يرفض الحلفاء الأوروبيون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا المشاركة في الحصار. أما الحلفاء الخليجيون فيبحثون عن بدائل دبلوماسية أو أمنية ضيقة لا تقود إلى ضرر أكبر.
وهكذا نجد أن المكسب التكتيكي من إضعاف إيران ربما يتحول إلى خسارة إستراتيجية تضرب الإمبراطورية في العمق. وهذا بالضبط ما حذّر منه كينيدي حين قال إن "التمدد المفرط نادرًا ما حدث لأن قوة عظمى كانت تملك قوة عسكرية أقل مما ينبغي. المشكلة الحقيقية كانت في الفشل في إدراك أن الثروة والقوة طويلة الأمد تعتمدان على التجليات غير العسكرية للقوة".
والشق الأخطر في المعضلة أن المخطط الأمريكي يقتضي تخفيف الوجود وتحويل عبء الأمن إلى الحلفاء. لكن العلاقة مع إسرائيل، وما أنتجته من حرب مباشرة مع إيران لا تزال مستمرة عبر هدنة هشة وحصار بحري، تُعيد أمريكا إلى المستنقع الذي صُمّم التحول البيزنطي أصلًا للخروج منه. الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا اليوم أشبه بشمال أفريقيا بالنسبة لروما في القرن الخامس من حيث أنه إقليم مكلف لا يمكن التخلي عنه بالكامل بسبب التزامات سياسية داخلية تجاه قوى بعينها مثل اللوبي الإسرائيلي، ولوبي صناعة الأسلحة، وقاعدة ترمب الإنجيلية، وفي نفس الوقت لا يمكن الاحتفاظ به بسبب التكلفة الإستراتيجية والمالية والدبلوماسية.
"المكسب التكتيكي من إضعاف إيران يتحول إلى خسارة إستراتيجية تضرب الإمبراطورية الأمريكية في العمق"
بهذا المعنى يمكن القول إن الولايات المتحدة تتبع مخططًا "سليمًا" نظريا لإطالة عمر الإمبراطورية، لكنها لا تملك الوقت الذي كانت تملكه بيزنطة، ولا يمتلك قادتها صبر دقلديانوس ولا براغماتيته. وكما كتب غيبون عن دقلديانوس، فقد كان يملك "قدرة هائلة على إخضاع أهوائه، فضلًا عن أهواء الآخرين، لمصلحة طموحه (أو المصلحة الإستراتيجية)". أما ترمب فيفعل العكس، إذ يُخضع المصلحة الإستراتيجية لأهوائه الشخصية وحساباته الانتخابية.
إن إستراتيجية بيزنطية بتطبيق روماني كالتي نراها في سياسة الولايات المتحدة اليوم لن تُنتج بقاء بيزنطة ولا مجد روما، بل ستُنتج أسوأ ما في الاثنين: تكاليف التوسع، دون مكاسب الانكماش.
غير أن الإنصاف يقتضي التوقف هنا لحظة. فالتاريخ يتقافى ولا يتطابق، والقياس مهما بلغت دقته يظل قياسًا يُنير جوانب ويُعتّم أخرى. هناك بين أمريكا وروما تشابهات بنيوية عميقة رسمناها في ما سبق، لكن بينهما أيضًا فوارق لا يصح تجاوزها، بعضها يمنح أمريكا فرصة لم تُتَح لأي إمبراطورية سابقة، وبعضها يضعها أمام مخاطر لم يعرفها أي إمبراطور روماني.
أولًا، وقبل كل شيء، لا يستطيع أحدٌ اجتياح القلعة. حين داهم القوط والفاندال حدود روما في القرن الخامس، لم يكن أمام الإمبراطورية سوى أن تقاتل أو تسقط، وقد سقطت. تملك أمريكا اليوم ما لم تملكه أي قوة عظمى من قبل، ترسانة نووية تجعل فكرة الغزو العسكري المباشر ضربًا من الخيال. أضف إلى ذلك جغرافيا استثنائية فيها محيطان هائلان يحرسان الجناحين وجاران في كندا والمكسيك لا يُشكّلان أي تهديد عسكري. قسطنطين كان يحتاج إلى أسوار ثيودوسيوس الثلاثية لحماية عاصمته؛ أما أمريكا فأسوارها من ماء ونار.
"تملك أمريكا اليوم ما لم تملكه أي قوة عظمى من قبل: ترسانة نووية هائلة، وجغرافيا استثنائية حارسة"
ثانيًا، ليست الهيمنة الأمريكية على صناعة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات مجرد ميزة تنافسية، إنها أشبه بامتلاك بيزنطة سرّ "النار الإغريقية" الذي أحرق أساطيل أعدائها لقرون. وارش نفسه يرى أن الذكاء الاصطناعي سيكون "قوة انكماشية هائلة" تُعيد للاقتصاد الأمريكي إنتاجيته، أي أن القلعة لا تتحصن فحسب، بل تُعيد بناء محرّكها من الداخل.
الرئيس الأمريكي ترمب على متن الطائرة الرئاسية بعد توقيعه إعلانا بتغيير اسم خليج المكسيك إلى “خليج أمريكا”، 9 فبراير/شباط 2025 (الفرنسية)ثالثًا -والأهم- أن هناك من يعرف المشكلة ويملك خطة. ثالوث وارش ودراكنميلر وبيسنت، بكل ما يمكن أن يقال عنه، يمثّل وعيًا مؤسسيًا بحجم الأزمة وخريطة طريق واضحة للتعامل معها. هذا ما لم يملكه أي إمبراطور روماني في القرن الخامس. دقلديانوس أدرك أن الإمبراطورية تنهار لكنه لم يكن يمتلك أدوات مالية حديثة لإعادة هيكلتها. أمريكا تملك التشخيص والأدوات معًا، وقد تستطيع إنقاذ نفسها إن وجدت الإرادة والصبر لاستخدامهما.
لكن في المقابل، ثمة مخاطر لم تواجهها أي إمبراطورية سابقة، أخطرها سرعة الانهيار. في عام 2023، انهار بنك وادي السيليكون في 48 ساعة بسبب موجة ذعر رقمية انتشرت عبر الهواتف الذكية. سحب المودعون 42 مليار دولار في يوم واحد، بنقرات على شاشات في ثوان معدودة. كانت أزمات روما تحتاج أشهرًا لتنتقل من الحدود إلى العاصمة، لكن اليوم ينتقل الذعر من سان فرانسيسكو إلى شنغهاي في ثوانٍ. فالعالم الرقمي يضغط الزمن بطريقة لا سابق لها، وأي خطأ في إدارة التحول قد لا يمنح أصحابه فرصة التصحيح.
"كانت أزمات روما تحتاج أشهرا لتنتقل من الحدود إلى العاصمة، لكن اليوم ينتقل الذعر من سان فرانسيسكو إلى شنغهاي في ثوان"
ثم هناك لعنة الديمقراطية، أو ثمنها بالأحرى. الإمبراطورية الرومانية، بوصفها دولة استبدادية، كانت قادرة على تنفيذ إستراتيجيات تمتد لأجيال. كان هناك إمبراطور يضع الخطة، ليكملها خليفته والذي يليه يجني ثمارها. أمريكا -على عكس الصين- ليست كذلك. فكل أربع سنوات يتغير الرئيس، وتتغير معه الأولويات. فنجد إدارة توقّع اتفاقية مناخ والتي تليها تنسحب منها، وإدارة تبني تحالفًا تجاريًا عبر المحيط الهادئ والتي تليها تمزّقه. تعمل الصين، وهي المنافس الحقيقي للإمبراطورية، بأفق تخطيط لا يعرف الانتخابات ولا "الترند". فالمكتب السياسي في بكين يخطط لعقود قادمة، بينما يتقلّب البيت الأبيض بين تغريدة وأخرى.
لكن أخطر الفوارق هو ما يمكن تسميته "سيولة النخبة". فأعضاء مجلس الشيوخ الروماني كانوا مربوطين بأملاكهم الزراعية ربطًا لا فكاك منه. وحين كانت الإمبراطورية تنهار، كانوا ينهارون معها. لم يكن أحدهم يملك جوازات سفر بديلة، ولا حسابات في مصارف أجنبية، ولا عملات رقمية يمكن تحويلها إلى أي مكان في العالم بضغطة زر. أمريكا اليوم تختلف. أثرياؤها يحملون جنسيات متعددة ويملكون أصولًا في كل قارة. بالنسبة لهم يمكنهم الرحيل إذا زادت الخسارة عن الحد المقبول أو إذا أصبحت القلعة غير مريحة بارتفاع الضرائب أو تهديد الاستقرار، حينها تهرب النخبة قبل أن ينتبه الحراس. وحين تهرب النخبة ومعها رؤوس الأموال، تتحوّل القلعة إلى صدفة فارغة.
"استغرق التحول الروماني من التمدد إلى الانكماش نحو 240 عامًا، لكن التحول الأمريكي قد يكتمل خلال 25 إلى 30 عامًا فقط"
والسرعة هي القاسم المشترك بين هذه المخاطر كلها. لقد استغرق التحول الروماني من التمدد إلى الانكماش نحو 240 عامًا، لكن التحول الأمريكي، إذا قسنا بدايته من الأزمة المالية عام 2008، قد يكتمل خلال 25 إلى 30 عامًا فقط. نفس النمط البنيوي، لكن بسرعة عشرة أضعاف. وهذا يعني أن هامش الخطأ المتاح لأمريكا أضيق بكثير مما كان متاحًا لروما.
حين انكمشت بيزنطة، لم تُرسل رسائل وداع إلى مقاطعاتها. داقية (رومانيا) وبريطانيا لم تعلما أنهما قد تُركتا إلا حين توقفت الفيالق عن الوصول. لم يعقد الإمبراطور مؤتمرًا صحفيًا ليعلن التخلي عن حلفائه، بل ببساطة توقف عن القيام بواجبه، وترك الأطراف تكتشف وحدها أن المظلة كانت قد طُويت.
بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة اكتشفت شيئًا أشد مرارة، وهو أن صداقتها للولايات المتحدة باتت تُعرّضها للخطر.
حريق في مصفاة ميناء الأحمدي بالكويت بعد هجوم بطائرة مسيرة في مارس/آذار 2026 (الأناضول)بدأ ذلك يتضح مطلع عام 2026. في ذروة التوتر الإقليمي، أرسلت دول عديدة في المنطقة رسائل واضحة للطرفين المتصارعين بأن أراضيها وأجواءها لن تكون ساحةً لأي عمل عسكري، من أي جهة كانت. لم تكن تلك مواقف محايدة بقدر ما كانت إعلانًا هادئًا بأن هذه الدول باتت تُعرّف مصالحها الأمنية بمعزل عن الأجندة الأمريكية في المنطقة.
غير أن حسابات الحياد لم تُجدِ فسقطت قذائف ومسيّرات على دول لم تشارك في الحرب ولم تُبدِ أي دعم لأي طرف. قُتل مدنيون وعسكريون في مناطق لم يكن من المفترض أن تكون ضمن دائرة الاستهداف. وأصبح الوجود العسكري الأمريكي الذي شُيّد أصلًا لردع هذا النوع من التهديدات مغناطيسًا يجذبه.
لكن دول المنطقة لم تقف ساكنة. إذ بدأ يتشكل نهج جديد أكثر واقعيةً من التحالف وأكثر حذرًا من القطيعة يقوم على تنويع منهجي لمصادر الأمن والاقتصاد في آنٍ معًا. دول عديدة وقّعت اتفاقيات دفاعية مع أطراف لم تكن على قوائم الشركاء التقليديين. وأتاحت اتفاقيات مبادلة عملات مع بكين تسوية التجارة بلا دولار أمريكي. وبدأت مفاوضات لحصول حلفاء تقليديين للولايات المتحدة على منظومات تسليح من مصادر متعددة لم تكن مطروحة قبل سنوات.
"بدأ يتشكل نهج جديد أكثر واقعية من التحالف وأكثر حذرًا من القطيعة يقوم على تنويع منهجي لمصادر الأمن والاقتصاد"
إضافة لذلك، فثمة بُعد شعبي لا تستطيع أي حكومة تجاهله. حيث تُظهر استطلاعات الرأي الإقليمية لعام 2026 أن غالبية واسعة من السكان في معظم الدول، باتت ترى في السياسات الأمريكية تهديدًا لأمن المنطقة لا ضمانةً له. فمثلًا يظهر استطلاع المؤشر العربي لعام 2026 أن 77% من المستجيبين يرون أن السياسات الأمريكية تهدد أمن المنطقة، و84% يعتبرون السياسات الأمريكية خطرًا مباشرًا.
لكن ثمة فارقًا حاسمًا بين قراءة الخريطة وبناء الفُلك. لم تزدهر بيزنطة فقط لأنها أدركت أن روما تتراجع، كانت النجاة في إعادة بناء اقتصادها وجيشها ومؤسساتها بالكامل، واستغرقها ذلك أجيالًا من العمل المنهجي. واليوم، تمتلك دول المنطقة اليوم وعيًا لم يكن متاحًا لأي دولة سابقة، وثروةً كبيرة، وهامشًا من الوقت. لكن الجميع يعلم، وإن لم يصرح بذلك، إنه آن أوان الاستعداد لزمان تنكمش فيه الإمبراطورية الأمريكية وتنطوي على نفسها.
في 13 أبريل/نيسان 2026، اليوم الذي بدأنا به هذا المقال، كتب ترمب على "تروث سوشيال" بحروفه الكبيرة المعتادة أنه سيحاصر مضيق هرمز. وفي اليوم ذاته، أعلنت بريطانيا وفرنسا أنهما لن تشاركا في الحصار. وفي اليوم ذاته أيضا، ارتفع سعر البنزين في محطات واشنطن إلى ما فوق 4 دولارات للغالون، فسخر رئيس البرلمان الإيراني من ترمب ونشر صورة لأسعار الوقود قرب البيت الأبيض وكتب: "استمتعوا بالأسعار الحالية. مع ما يُسمّى حصارًا، ستشتاقون إلى 4 دولارات".
نختم بالمشهد الذي بدأنا به لأنه يقول الكثير. يُقابل القرار الأمريكي الحاسم المكتوب بحروف كبيرة برفض عربي قوي، وبسخرية إيرانية علنية، واعتراض أوروبي، وأسواق ترتفع ثم تتذبذب لأنها لم تعد تعرف إن كانت التغريدة أمرًا عسكريًا أم مناورة تفاوضية. تغريدة من المكتب البيضاوي صارت تُقلق حلفاء أمريكا أكثر مما تُقلق خصومها، وهذا، بخلاف أن أي رقم في الميزانية بات أحد المؤشرات على أن شيئا قد تغيّر في علاقة أمريكا بالعالم.
صور محاكاة افتراضية للحصار الأمريكي لمضيق هرمز (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)رأى ابن خلدون أن الحضارات لا تنحدر لأسباب أخلاقية في المقام الأول، بل لأن الظروف التي أنتجت الانضباط والتماسك تتلاشى بمجرد تحقيق النجاح. أمريكا اليوم تقف عند الحد الفاصل بين محاولة الإصلاح والانزلاق نحو ما سمّاه ابن خلدون "طور الهرم”، طور الإسراف والتبذير وداء الدولة المزمن.
غير أن في هذه اللحظة أيضًا ما يشبه الفرصة. فمنطقتنا تجلس على أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وتتحكم في مضائق يمر عبرها شريان الاقتصاد الدولي، وتملك صناديق سيادية تُعد من الأضخم على وجه الأرض، وتقع عند ملتقى ثلاث قارات. الثقل الجغرافي والاقتصادي موجود، وينتظر أن يكتمل بالرؤية الإستراتيجية التي توازيه.
إن انكماش أمريكا -بكل ما يحمله من مخاطر- يفتح مساحة لم تكن موجودة من قبل لبناء مركز ثقل إقليمي حقيقي ينبني على تحويل الجغرافيا والطاقة والثروة إلى قدرة سياسية ومؤسسية عظمى. بيزنطة لم تنج بالمال فقط ولا بالأسوار وحدها، لقد نجت لأنها بنت منظومة متكاملة من اقتصاد إنتاجي، وجيش أُعيدت هيكلته من الأساس، ودبلوماسية تقوم على الذكاء وإدراك نقاط القوة، وهوية جامعة تربط المواطنين بالدولة.
لقد أوقفت تغريدة من المكتب البيضاوي الملاحة في أهم ممر مائي في العالم. لكنها لا يجب أن توقفنا عن التفكير في مستقبلنا ومستقبل المنطقة ودولها التي تمتلك ما يمكنها أن تبقى لـ 1000 عام، حتى وإن انكمشت الإمبراطورية، بل حتى وإن سقطت.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة