تحولت الأزمة التي تضرب حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واحدة من أخطر الهزات السياسية التي شهدتها بريطانيا منذ سنوات وسط تصاعد الدعوات المطالبة برحيله واستقالات متتالية من حكومته وتحركات متسارعة داخل الحزب للبحث عن خليفة محتمل.
واعتبرت صحيفة "الغارديان" أنه رغم تمسك ستارمر العلني بمنصبه، وإعلانه أمام حكومته أن "البلاد تتوقع منا أن نواصل الحكم" فإن العاصفة السياسية داخل الحزب لا تبدو في طريقها للهدوء.
ماذا يحدث في حزب العمال؟
انفجرت الأزمة بصورة علنية بعدما تجاوز عدد نواب حزب العمال الذين طالبوا ستارمر بالتنحي أو تحديد جدول زمني لرحيله أكثر من 80 نائبًا وهو رقم يقترب بشدة من الحد المطلوب لبدء تحدي رسمي على قيادة الحزب لكن في المقابل وقع أكثر من 100 نائب من حزب العمال رسالة تؤكد أن "الوقت ليس مناسباً لمعركة على القيادة" في محاولة لإظهار الدعم لستارمر.
وزاد المشهد تعقيدا مع استقالة 4 وزراء من الحكومة بينهم شخصيات بارزة مثل جيس فيليبس وزيرة الحماية في بريطانيا التي أكدت في خطاب استقالتها أن ستارمر "رجل جيد" لكنه لم يعد قادرا على إحداث التغيير المطلوب بينما دعت وزيرة المجتمعات المحلية مياتا فاهنبوليه التي كانت الأولى في مسار الاستقالات رئيس الوزراء إلى "انتقال منظم للسلطة".
وانضم لاحقًا إلى موجة الاستقالات كل من وزير الدولة زبير أحمد الذي دعا ستارمر إلى التنحى المقرب من وزير الصحة ويس ستريتنج الذي لم يخف طموحه في أن يصبح رئيسا للوزراء يوما ما.
كما استقالت وكيلة وزارة العدل البريطانية أليكس ديفيز-جونز احتجاجا على قيادة ستارمر، مما زاد من الضغوط عليه.
صراع على خلافة ستارمر
لكن وراء مشهد الدعم العلني الذي أعلنه بعض الوزراء لستارمر تتصاعد معركة حول من سيقود حزب العمال إذا سقط رئيس الوزراء.
وكشفت مجلة "تايم" عن عدد من الأسماء المرشحة لقيادة الحكومة على رأسهم وزير الصحة ويس ستريتنج أحد أبرز الطامحين لخلافة ستارمر خاصة بعدما نجح خلال الفترة الماضية في تقديم نفسه كوجه إصلاحي قادر على إدارة الملفات الخدمية المعقدة وعلى رأسها إصلاح هيئة الخدمات الصحية البريطانية.
لكن العقبة الكبرى أمام ستريتنج لا تزال تتمثل في قدرته على جمع دعم 81 نائبًا من حزب العمال لإطلاق تحد رسمي على القيادة وهو أمر لم يتحقق حتى الآن.
كما يواصل عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام تعزيز حضوره باعتباره المرشح الأكثر شعبية داخل القاعدة العمالية حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أنه يتفوق بوضوح على ستارمر من حيث القبول الشعبي كما يحظى بدعم متزايد داخل الحزب.
إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أنه لا يشغل حاليًا مقعدًا في البرلمان ما يعني أنه يحتاج أولًا إلى الفوز بانتخابات فرعية قبل أن يصبح منافسًا فعليًا على زعامة الحزب.
ويجري طرح أسماء أخرى داخل حزب العمال ضمن قائمة المرشحين المحتملين أبرزها (أنجيلا راينر) نائبة زعيم الحزب السابقة ( وإد ميليباند ) الزعيم الأسبق لحزب العمال ووزير الطاقة الحالي لكن حظوظهما تبدو أقل مقارنة ب(آندي بورنهام ) ووزير الصحة (ويس ستريتنج).
وأظهر إحصاء أجرته رويترز أن نحو نصف المطالبين برحيل ستارمر ينتمون إلى الجناح اليساري للحزب، بينما ينتمي ما يزيد قليلا على الربع إلى تيار الوسط وهو ما يشير إلى غياب مرشح يحظى بدعم الأغلبية حتى الآن.
تداعيات داخل حزب العمال
بدوره يرى أستاذ السياسة في جامعة "كوين ماري" البريطانية ( تيم بيل) أن إقالة ستارمر من منصبه لن تحسن بالضرورة من فرص حزب العمال الانتخابية غير أن حالة الفوضى التي يعيشها الحزب حاليًا تعود بدرجة كبيرة إلى أسلوب قيادته وسياساته.
وأشار "بيل" إلى قائمة طويلة من الأخطاء التي ارتبطت بفترة قيادة ستارمر من بينها تبنيه استراتيجية تقوم على "أهداف صغيرة وغير مؤثرة" في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2024، إضافة إلى قبوله لهدايا من متبرعين أثارت جدلًا سياسيًا فضلًا عن أدائه المتعثر بشأن الحرب في غزة، فضلًا عن خطاب "جزيرة الغرباء" وتعيين وزير داخلية يُنظر إليه على أنه يسعى لإبعاد التيار الاجتماعي الليبرالي داخل الحزب من أجل استرضاء ما يُعرف بـ"الناخبين الأساسيين".
واعتبر أن التجارب السياسية التاريخية تُظهر أن حالات الإطاحة برئيس وزراء أثناء ولايته لم تنجح في تحسين الأداء الانتخابي إلا في حالات محدودة وكانت ترتبط غالبًا بالتخلص من قضية أو سياسة شديدة عدم الشعبية ارتبطت بشكل مباشر بالرئيس السابق مع الإشارة إلى أن هذه السوابق حدثت جميعها في سياق حزب المحافظين.
وأضاف: "هل استبداله الآن سيحقق فعلاً الانقلاب في حظوظ حزب العمال الذي يبحث عنه الكثير من نوابه بيأس وهم مصدومون بأداء الحزب الكارثي في الانتخابات الأسبوع الماضي؟ ربما لا".
ستارمر يجني "أخطاؤه"
من لندن قال عضو حزب العمال البريطاني مصطفى رجب في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية" إن نتائج الانتخابات الأخيرة لم تكن مفاجئة داخل الحزب فكثيرين كانوا يتوقعون أن يدفع حزب العمال ثمن أخطاء رئيس الوزراء كير ستارمر السياسية والاقتصادية خلال الفترة الماضية.
وأضاف أن التقديرات داخل الحزب قبل الانتخابات كانت تشير إلى أن "حزب العمال سيدفع ثمن أخطاء ستارمر" إلا أن المشهد بعد الانتخابات تغير وبات ستارمر نفسه "هو من يدفع ثمن أخطائه السياسية".
وأوضح رجب أن الخسائر التي تعرض لها الحزب في الانتخابات المحلية كانت مؤلمة ليس فقط بسبب عدد المقاعد التي فُقدت، بل أيضًا بسبب سقوط أسماء بارزة داخل الحزب معتبرًا أن فشل شخصيات معروفة في الاحتفاظ بمقاعدها يعكس حجم الغضب من سياسات القيادة الحالية.
وأشار إلى أن مواقف ستارمر من الحرب في أوكرانيا أثارت انتقادات واسعة داخل القاعدة الشعبية للحزب فقطاعات من البريطانيين كانت تتساءل عن أسباب توفر التمويل للحروب في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم من أزمات متفاقمة.
ورأى عضو حزب العمال أن الحزب الذي وصل إلى الحكم بعد سنوات طويلة من الانتظار مستفيدًا من أخطاء حزب المحافظين يواجه اليوم أزمة قيادة حقيقية، ويفتقد منذ سنوات إلى "الشخصية القيادية ذات الكاريزما" على غرار ما كان يمثله رئيس الوزراء الأسبق توني بلير رغم الجدل الواسع حول سياساته.
وأشار رجب إلى أن الضغوط المتزايدة داخل الحكومة قد تدفع ستارمر إما إلى تقديم خطة شاملة لإعادة هيكلة القيادة والسياسات أو مواجهة سيناريو تتصاعد فيه المطالب العلنية بتنحيه معتبرًا أن حكومة العمال تمر صعبة في ظل اتساع حالة التذمر داخل الحزب من الأداء السياسي والانتخابي لتكون الساعات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الضغوط على ستارمر ستتراجع أم ستدخل مرحلة أكثر حدة.
المصدر:
سكاي نيوز