في لحظة تاريخية فارقة، يبدو أن مضيق هرمز قد تحوّل من مجرد ممر مائي دولي إلى بؤرة زلزال سياسي عالمي، حيث تتشابك خيوط الحرب والاقتصاد والدبلوماسية في مشهد يذكرنا بذروة الحرب الباردة، ولكن بأدوات القرن الــ21.
وتشير تقارير وتحليلات متقاطعة من مجلتي فورين بوليسي (Foreign Policy) ونيوزويك (Newsweek) ووكالة بلومبيرغ للأنباء إلى أن أوروبا تتحرك بشكل عاجل لإيجاد دور لها في تأمين الملاحة عبر المضيق.
وفي غضون ذلك، تصعّد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من أدوات الضغط عبر فرض حصار بحري على إيران، فيما تراقب الصين المشهد من موقع القادر على امتصاص الصدمات، دون الانخراط المباشر فيه.
وقد بدأت ملامح هذا التصعيد تتبلور بشكل دراماتيكي مع إعلان الولايات المتحدة أن السفن الموجودة في المياه الإيرانية ستخضع للاعتراض والتحويل والاحتجاز، وهو ما يمثل ذروة سياسة "الضغط الأقصى" في نسختها الجديدة.
سياسة الضغط الأقصى هي إستراتيجية أمريكية أمر ترمب بتنفيذها ضد إيران بعد أسبوعين فقط من توليه منصب الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2020، بهدف "إفلاسها" اقتصاديا وكبح قدراتها النووية والإقليمية
وترتكز هذه السياسة على عقوبات مشددة تستهدف قطاع النفط والبتروكيماويات والبنوك، مع احتمالية تشكيل تحالفات إقليمية، وسط تشكيك محللين بنجاحها في تغيير سلوك طهران.
وبحسب أنشال فوهرا، كاتبة عمود الرأي بمجلة فورين بوليسي، فإن هذا التحرك الأمريكي جاء في وقت حساس للغاية، حيث كان من المفترض أن يبدأ سريان وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين واشنطن وطهران.
بيد أن فشل المحادثات التي جرت في باكستان دفع الرئيس ترمب إلى التلويح بسلاح الحصار الشامل، مدفوعا برغبة في منع إيران من تحصيل رسوم عبور من السفن المارّة عبر المضيق، طبقا لكاتبة المقال.
وفي خضم هذا الغليان، سارعت الدبلوماسية الأوروبية للبحث عن مخرج يقي القارة العجوز تداعيات الانفجار الكبير.
ورصدت فوهرا، في مقالها، تحركات مكوكية لمسؤولين أوروبيين رفيعي المستوى، حيث طار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى قطر والإمارات، بينما توجهت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كلاس، إلى الرياض وأبوظبي.
وقالت إن الهدف الأوروبي المعلن هو البحث عن "صيغة مستدامة" لتأمين المضيق بعيدا عن الصدام العسكري المباشر، إذ يدرك الأوروبيون تماما أن أي انزلاق نحو الحرب سيعني تعريض أصولهم البحرية وقواتهم للخطر، وهو أمر لا تملك العواصم الأوروبية أي شهية له في الوقت الراهن، خاصة مع انشغالها بالتهديدات الروسية على حدودها الشرقية.
ووفقا لها، يرى الأوروبيون أن أي حل دائم لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز لا يمكن أن يتحقق دون إشراك إيران نفسها في ترتيبات خفض التصعيد.
غير أن هذا المسار الدبلوماسي يبدو بعيد المنال في ظل فشل المحادثات الأخيرة بين واشنطن وطهران، وتصريحات ترمب التي تحدث فيها عن فرض حصار على الموانئ الإيرانية لمنعها من فرض رسوم عبور على السفن.
أوروبا يمكنها أن تلعب دور "المنسق"، من خلال إنشاء منصة لتبادل المعلومات البحرية في الوقت الحقيقي بهدف تجنب الاحتكاك
إيفا بيجسوفا
وفي هذا السياق، تبدو الرؤية الأمريكية -كما تنقل فوهرا- قائمة على افتراض أن إعادة فتح المضيق "مناورة عسكرية بسيطة"، وهو تقدير يراه الأوروبيون مبالغا فيه وخطيرا، نظرا لتفوق إيران العسكري في المنطقة الساحلية الضيقة، واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق.
وتشير الكاتبة إلى أن الموقف الفرنسي يبرز كأكثر المواقف الأوروبية طموحا وحذرا في آن واحد، حيث يحاول الرئيس إيمانويل ماكرون بناء "تحالف دولي للراغبين" يضم دولا أوروبية وآسيوية مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
ورغم أن التقارير تفيد بنشر فرنسا مجموعة قتالية تضم حاملة طائرات وحاملتي مروحيات و8 سفن حربية في شرق المتوسط، فإن باريس تصر على أن هذه الأصول ستلعب دورا دفاعيا فقط وتحت مظلة الأمم المتحدة وبموافقة إيران.
هذا التناقض في الموقف الفرنسي -برأي فوهرا- يعكس المعضلة الأوروبية الكبرى؛ إذ تمتلك دول القارة القدرات العسكرية والخبرة في بناء التحالفات، لكنها تخشى أن يؤدي الانخراط العسكري المباشر إلى تحويلهم إلى شركاء في حرب لم يتم التشاور معهم بشأن أهدافها أو توقيتها.
ونقلت فورين بوليسي (Foreign Policy) عن إيفا بيجسوفا، رئيسة كرسي الدراسات اليابانية في مركز الأمن والدبلوماسية والإستراتيجية التابع لكلية بروكسل للحوكمة، قولها إن أوروبا يمكن أن تلعب دور "المنسق"، من خلال إنشاء منصة لتبادل المعلومات البحرية في الوقت الحقيقي بهدف تجنب الاحتكاك.
في المقابل، تكشف الانتقادات الأوروبية عن مخاوف عميقة من تكرار تجارب سابقة، مثل حرب العراق، التي خلّفت تداعيات أمنية داخلية مؤلمة، من بينها هجمات مدريد ولندن.
ويقول غريغوار روس من "تشاتام هاوس" إن تلك التجارب "تركت ندوبا نفسية" في المجتمعات الأوروبية، مما يعزز الحذر من الانخراط في مغامرات عسكرية جديدة.
من جانبه، يقدم الصحفي خافيير بلاس في مقاله بموقع وكالة بلومبيرغ، قراءة مغايرة تماما لأهداف الحصار الأمريكي، مؤكدا أن الهدف الحقيقي ليس إيران وحدها، بل الصين أيضا.
ويشرح بلاس أن السوق السوداء للنفط الإيراني ما كان لها أن توجد لولا الصين، التي كانت تشتري ما يصل إلى 95% من صادرات طهران النفطية قبل اندلاع الحرب.
ويرى أن واشنطن تسعى إلى تحميل بكين جزءا من كلفة الضغط على طهران، على أمل أن تدفعها للضغط من أجل التفاوض.
المنطق القسري ينهار على الجانبين، إذ يمكن لإيران أن تبقى متصلبة، وللصين أن تظل غير مكترثة، لفترة أطول مما تستطيع الولايات المتحدة تحمله اقتصاديا
الصحفي خافيير بلاس
غير أن الحسابات النفطية -كما يوضح بلاس- لا تصب في صالح هذا الرهان، فإيران، خلافا للتوقعات، حققت مكاسب مالية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، مستفيدة من ارتفاع الأسعار وتخفيف مؤقت للعقوبات، مما رفع عائداتها اليومية من نحو 100 مليون دولار إلى 175 مليونا. وقد مكّنها ذلك من بناء "وسادة مالية" تعزز قدرتها على الصمود.
ويحذر بلاس من أن استهداف صادرات النفط الإيرانية ليس إستراتيجية جديدة، وقد أثبتت محدوديتها سابقا، إذ لم تدفع طهران إلى التراجع حتى في ظل انخفاض صادراتها إلى مستويات متدنية خلال حملة "الضغط الأقصى" في 2020-2021.
أما الصين، فهي تمتلك بدورها أدوات للتكيف، أبرزها احتياطيات نفطية إستراتيجية ضخمة تتجاوز مليار برميل، ما يسمح لها بتحمل انقطاع الإمدادات الإيرانية لأسابيع، وربما أشهر، دون تأثير حاسم.
ويخلص بلاس إلى أن "المنطق القسري ينهار على الجانبين"، إذ يمكن لإيران أن تبقى متصلبة، وللصين أن تظل غير مكترثة، لفترة أطول مما تستطيع الولايات المتحدة تحمله اقتصاديا.
من جانبه، يحذر نائب رئيس تحرير مجلة نيوزويك (Newsweek)، توم أوكونور، في مقال آخر من خطر انزلاق الحصار إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وبكين، خاصة مع تسجيل حالات لسفن مرتبطة بالصين تمكنت من عبور المضيق رغم القيود.
وفي تقديره أن أي محاولة أمريكية لاحتجاز سفن صينية قد تشكل "تصعيدا كبيرا" يفتح الباب أمام ردود غير متكافئة.
وينقل أوكونور عن آندي موك، الباحث في مركز الصين والعولمة (Center for China and Globalization)، وهو مركز أبحاث غير حكومي مقره بكين، قوله إن الصين قد تلجأ إلى أدوات ضغط في مجالات تمتلك فيها تفوقا هيكليا، مثل سلاسل الإمداد أو المعادن النادرة.
واستشهد موك في هذا الصدد بتجارب سابقة أظهرت هشاشة بعض القطاعات الأمريكية، مضيفا أن "الإجراءات القسرية غالبا ما تولّد ردودا غير متكافئة ومؤلمة".
ورغم استبعاد خبراء لسيناريو مواجهة عسكرية مباشرة، فإنهم يرجحون اندلاع أزمة دبلوماسية حادة قد تعيد إلى الأذهان حوادث سابقة مثل أزمة السفينة "يين خه" عام 1993، مع فارق أن التوترات الحالية أشد تعقيدا، والضغوط الداخلية في الصين أكبر.
وكانت أزمة "يين خه" قد انفجرت بعد أن زعمت الحكومة الأمريكية في ذلك العام أن سفينة الحاويات الصينية كانت تحمل أسلحة كيميائية إلى إيران.
وبحسب موسوعة ويكيبيديا (Wikipedia) الإلكترونية، فقد أجبرت البحرية الأمريكية دول الشرق الأوسط المحيطة على رفض حقوق الإرساء للسفينة، وتركت في المياه الدولية للمحيط الهندي لمدة 24 يوما.
ولفت أوكونور، في مقاله بمجلة نيوزويك (Newsweek)، إلى أن بكين أعربت عن رفضها للحصار على إيران، واصفة إياه بأنه "خطير وغير مسؤول"، داعية إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.
كما أكدت أن الاستقرار في أسواق الطاقة يمثل أولوية لها، لكنها لا تبدو قلقة على المدى القصير بفضل تنوع مصادرها واستثماراتها في الطاقة البديلة.
واستنادا إلى التحليلات المعمّقة، في مجلتي فورين بوليسي (Foreign Policy) ونيوزويك (Newsweek) ووكالة بلومبيرغ، يتبين بوضوح أن التوتر في مضيق هرمز لا يعدو أن يكون صراعا على "السيادة الدولية" بقدر ما هو تهافت على "براميل النفط".
فالأرقام والوقائع تشير إلى أن سلاح النفط، الذي كان يوما ما بيد المنتجين، أصبح اليوم بيد المستهلكين الكبار -مثل الصين- الذين يملكون القدرة على الصبر الإستراتيجي، بينما تجد القوى التقليدية مثل بريطانيا وفرنسا نفسها أمام خيارات مريرة بين التبعية لواشنطن أو الحفاظ على ما تبقى من استقلاليتها الإستراتيجية في منطقة تزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة