في تطور غير مسبوق منذ أكثر من ثلاثة عقود، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تفاصيل اجتماع تمهيدي عُقد في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في خطوة تعكس تحولاً سياسياً لافتاً وسط حرب مفتوحة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وانقسام داخلي حاد بشأن مستقبل المواجهة ودور حزب الله وسلاحه.
ويفتح الاجتماع تساؤلات حول ما إذا كان يشكل بداية لمسار سياسي جديد قد يقود إلى تهدئة دائمة، أم أنه سيصطدم سريعاً بالتعقيدات اللبنانية والإقليمية.
وبحسب بيان الخارجية الأميركية، عُقد الاجتماع الثلاثي في 14 أبريل 2026، بمشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمستشار مايكل نيدهام، وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض.
وأشار البيان إلى أن المشاركين أجروا “نقاشات مثمرة” حول الخطوات اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، على أن يُتفق لاحقاً على زمان ومكان انعقادها.
كما أكدت الولايات المتحدة دعمها لاستمرار المحادثات، ورأت أن نجاحها قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، وإعادة الإعمار في لبنان، وفرص اقتصادية أوسع للطرفين.
خلال الاجتماع، شددت السفيرة اللبنانية على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة الدولة الكاملة، داعية إلى وقف إطلاق النار واتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة الأزمة الإنسانية الناتجة عن النزاع المستمر.
ويعكس هذا الموقف تمسك بيروت بأن أي مسار تفاوضي يجب أن يبدأ بوقف الحرب، لا أن يكون نتيجة لها.
ورغم الأجواء الإيجابية التي عكسها البيان الأميركي، يقدّم مصدر رسمي لبناني قراءة متحفظة، مؤكداً أن الاجتماع لم يكن “مثمراً” من وجهة النظر اللبنانية.
ويقول المصدر لموقع “الحرة” إن “الأجواء التي سبقت اجتماع واشنطن أوحت بإمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولو بصيغة مشروطة، وهو ما انعكس في توقعات رسمية وإعلامية سبقت اللقاء”.
ويضيف إن التقديرات كانت تشير إلى أن “اجتماع الثلاثاء سيخصص أساساً لبحث وقف إطلاق النار والترتيبات المرتبطة بالمسار التفاوضي، إلا أن النتائج لم تفض إلى ذلك، في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى إظهار حسن النية واستعادة ثقة المجتمع الدولي عبر جلوسها على طاولة المفاوضات”، مشيراً إلى أنه “لهذا لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي لبناني بشأن الاجتماع”.
ويشير إلى عودة التداول اليوم بصيغة لوقف إطلاق نار مشروط، “لا يشمل المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، مع إبقاء حرية الحركة العسكرية وإمكانية تنفيذ استهدافات في بيروت والضاحية الجنوبية وغيرها من مناطق شمال الليطاني”.
كذلك يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن “اللقاء التمهيدي منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مكسباً سياسياً داخلياً، يمكن تقديمه للرأي العام الإسرائيلي بوصفه نتيجة للعمليات العسكرية الجارية في جنوب لبنان”.
ويرى السبع في حديث لموقع “الحرة” أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر بدوره أن هذا التطور يشكل إنجازاً دبلوماسياً، ولا سيما لجهة الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني”.
في المقابل لم تحقق الدولة اللبنانية وفق السبع “مكاسب من الاجتماع، بل واجه رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام انتقادات داخلية، لعدم تمكّن السفيرة اللبنانية من انتزاع مطلب وقف إطلاق النار قبل الانخراط في المسار التفاوضي”، كذلك تواجه الدولة اللبنانية انتقادات لذهابها إلى المفاوضات من دون أوراق قوة، ومن دون قدرة على تنفيذ أي تعهدات قد تفضي إليها.
من جانبه يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن الاجتماع يستحق وصفه بأنه “مثمر وتاريخي، لأنه جاء بعد تطورات خطيرة على مدى عقود، وبعد فشل المفاوضات السلمية السابقة في مرحلتي 1983 و1993”.
ويضيف الزغبي في حديث لموقع “الحرة” أن الفارق الأساسي بين مفاوضات الماضي والحاضر هو أن “لبنان يفاوض الآن بالأصالة عن نفسه، وليس تحت الوصايات السورية والإيرانية وضغط القوى المسلّحة غير الشرعية كما كان يحصل سابقاً. ولذلك، لا بد من أن يكون التفاوض مثمراً ولو طال زمنياً أو تعقّد سياسياً”.
يبقى ملف سلاح حزب الله العقبة الأبرز أمام أي اتفاق محتمل، إذ يشكل أحد المطالب الأساسية التي تطرحها إسرائيل والولايات المتحدة، كما يرتبط مباشرة بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ أي تفاهمات قد تنتج عن التفاوض.
وكان مصدر حكومي قد أكد سابقاً لموقع “الحرة” أن “القرار السياسي بحصر السلاح بيد الدولة قد اتُّخذ”، مشيراً إلى أن “الحكومة قطعت خطوات متقدمة، لكن التنفيذ يحتاج إلى مستوى أكبر من الدعم الدولي، ولا سيما للجيش اللبناني على صعيد اللوجستيات والتجهيز”.
ورغم إعلان الجيش اللبناني مطلع العام الحالي سحب السلاح من جنوب الليطاني ووضع خطة لاستكمال ذلك شماله، عاد إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان ليطرح تساؤلات حول فعالية الإجراءات وقدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة.
ويرفض حزب الله بشكل قاطع أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقبل يوم من اجتماع واشنطن، قال الأمين العام للحزب نعيم قاسم إن “التفاوض المباشر مع إسرائيل إذعان واستسلام، داعياً إلى إلغائه.
وفي هذا السياق، يشير السبع إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحدث قبل نحو عشرة أيام عن مسارين لتحقيق هدف نزع سلاح حزب الله: الأول عسكري عبر العمليات الإسرائيلية، والثاني سياسي عبر المفاوضات المباشرة.
ويشير السبع إلى أن الخطة الإسرائيلية المطروحة للبنان تقوم على تقسيمه إلى ثلاث مناطق “تمتد الأولى من الحدود الإسرائيلية لمسافة تراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتكون منطقة تمركز عسكري دائم بموافقة الدولة اللبنانية. أما المنطقة الثانية، فتمتد من هذا الشريط حتى نهر الليطاني، وتتحول إلى نطاق مفتوح للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بما يشمل التوغلات البرية والضربات العسكرية والعمليات الخاصة. في حين تقع المنطقة الثالثة شمال نهر الليطاني، حيث يُفترض أن يتولى الجيش اللبناني مهمة نزع سلاح حزب الله فيها”.
ويرى السبع أن “المرحلة المقبلة ستشهد جلسات تفاوضية هدفها التوصل إلى إعلان مبادئ يتمحور حول تطبيق هذه الخطة”، محذراً من أن محاولة الدولة اللبنانية نزع سلاح الحزب شمال الليطاني “سيؤدي إلى صدام داخلي، فيما أن عدم تنفيذ ذلك سيمنح إسرائيل مبرراً لاعتبار لبنان غير ملتزم بالاتفاق”.
بطبيعة الحال، تتوقف فرص نجاح مفاوضات واشنطن على مواقف الأطراف المعنية والقدرة على “ردم الهوة” بينها.
إسرائيل تريد التفاوض تحت ضغط النار، ولبنان يطالب بوقف النار أولاً، فيما يرفض حزب الله أصلاً مبدأ التفاوض المباشر.
ويحذر المصدر الرسمي اللبناني من أن “الذهاب إلى مفاوضات في ظل استمرار المواجهة قد يخلق خلافات داخل مؤسسات الدولة وبين القوى السياسية، وليس فقط مع حزب الله الذي يرفض أساساً مبدأ التفاوض المباشر”.
ورغم ذلك يشير المصدر إلى أن “الدولة اللبنانية تميل إلى الاستمرار في هذا المسار، لكن شكل مشاركتها النهائي سيبقى مرتبطاً بحجم الضغوط السياسية والتطورات الإقليمية والميدانية المقبلة”.
بدوره، يرى السبع أن “الحكومة اللبنانية ستواصل مسار التفاوض، حتى في حال عدم تحقق شرطها المسبق بوقف إطلاق النار”، مرجحاً أن تشهد هذه المفاوضات تطوراً في المرحلة المقبلة.
وحول ما إذا كانت بيروت ستبقى بمنأى عن التصعيد، يقول السبع إن “حياد العاصمة يبدو شكلياً، إذ ان الإسرائيليين متى توافرت لديهم معلومات عن وجود شخصية مستهدفة، حتى داخل بيروت، سيعمدون إلى استهدافها، وبالتالي لا يمكن الجزم بأن بيروت محايدة بالكامل”.
في المقابل، يؤكد الزغبي أن “فرص نجاح المفاوضات ليست قليلة لأن هناك تقاطع مصالح وإرادات، فلبنان يريد استعادة حقوقه الوطنية وقراره السيادي في الحرب أو السلم، وإسرائيل تريد وقف تهديد سلاح الحزب، كما أن الوسيط الأميركي الذي نجح في فك الرباط بين إيران ولبنان سيستمر في تحرير لبنان من وصاية طهران”.
ويشدد على أنه “لم يعد هناك قدرة ميدانية لدى إيران وذراعها في لبنان على عرقلة المسار الدبلوماسي المندفع بقوة بين لبنان وإسرائيل، وقد نجحت الحرب على إيران في إضعاف أو تصفية تأثيرها السلبي على القرار اللبناني. لذلك، لا مجال أمام بروز عقبات طارئة وغير محسوبة أمام عجلة التسويات السياسية التي تشمل لبنان وسائر ملفات المنطقة. فإيران التي تعاني من حماية نفسها لم تعد قادرة على حماية وكلائها وفي مقدّمتهم حزب الله”.
المصدر:
الحرة