القدس المحتلة- في ظل الجدل الواسع الذي أثاره إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي نهاية مارس/آذار الماضي، تتصاعد التساؤلات حول طبيعته القانونية، والفئات التي يستهدفها، والتداعيات السياسية والحقوقية المترتبة عليه.
في حوار مع الجزيرة نت يستعرض مدير مركز "عدالة" الحقوقي الدكتور حسن جبارين، تفاصيل هذا القانون، مسلطا الضوء على آليات تطبيقه، وطابعه التمييزي، والفئات التي يشملها.
وكان مركز عدالة قد تقدم للمحكمة العليا في إسرائيل بالتماس ضد القانون نيابة عن مؤسسات وأعضاء كنيست من العرب.
ويتطرق الحوار إلى المسار القضائي المعقد الذي بدأ بالفعل، عقب تقديم التماسات من مؤسسات حقوقية لوقف تنفيذ القانون، في ظل توقعات بإجراءات طويلة ومتعددة المراحل.
كما يناقش إمكانية التوجه إلى المحاكم الدولية، والخيارات القانونية المتاحة للضغط من أجل إلغاء القانون.
وفيما يلي نص الحوار:
ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام على شخص يَقتل عمدًا في ظل ظروف قانون مكافحة الإرهاب. بمعنى آخر، إذا كان القتل متعمدا لأسباب جنائية عادية، فلا يسري عليه القانون. أما إذا كان القاتل ذا دوافع أمنية أو خلفية سياسية معادية لدولة إس رائيل، فيطبق عليه القانون ويصبح العقاب الإعدام.
ويتميز القانون بصرامته اتجاه ظروف تنفيذ القتل، حيث يمنع القاضي من الأخذ بأي ظرف مخفف بعين الاعتبار. لا يسمح القانون للسلطة التقديرية باستخدام مراعاة الظروف الشخصية للمتهم. كل حالة يجب البتّ فيها.. القاعدة هي الإعدام. والاستثناء نادر جدا ويستلزم مبررا قويا ومصداقية خاصة تحول دون تنفيذ الإعدام.
كما ينص القانون على حظر تقديم استرحام أو تخفيف العقوبة من قبل الحاكم العسكري في الضفة الغربية. ويجب تنفيذ عقوبة الإعدام خلال مدة لا تتجاوز 90 يوما من صدور الحكم. خلال هذه الفترة، لا يسمح للمدان أو المحكوم عليه باللقاء مع أهله أو عائلته، وهو ما يعكس الصرامة المطلقة في تطبيق هذا القانون.
وبالتالي، يقتصر تطبيق القانون على العمليات التي تنفذ بعد هذا التاريخ فقط، ولا يشمل الأسرى أو المعتقلين الموجودين حاليا في السجون الإسرائيلية، مهما كانت طبيعة الأعمال التي ارتكبوها قبل سن القانون.
عمليا إذا طبق القانون فتنفيذه سيكون على الأقل بعد سنتين أو ثلاثة. الإجراءات قبل تنفيذ العقوبة تبدأ بالاعتقال والتحقيق، يليهما تقديم لائحة اتهام، ثم المحاكمة، وبعدها استئناف وأخيرا انتظار فترة تصل إلى 90 يوما قبل تنفيذ الحكم. وهذا التسلسل يعني أن أول حالة تنفيذ محتملة قد تستغرق بين عامين وثلاثة أعوام على الأقل بعد تاريخ ارتكاب الجريمة.
في حال طبق القانون سيطبق على الجميع، أما الأسرى العرب القدامى داخل السجون فلن يطلبق عليهم، كما أنه لن يشمل أسرى النخبة من قطاع غزة.
عنصرية المشرع الإسرائيلي لم تهتم بالتطرق لهذه الحالة. قانون الإعدام لا يميز بين القاصرين والكبار، إلا أن هناك قوانين عامة خاصة بالقاصرين تمنع تطبيق القوانين العادية عليهم وتفسيرها ينفي عقوبة الإعدام.
هذا يعني أن أي قانون عادي لا يمكن تطبيقه مباشرة على القاصرين ما لم ينص على خلاف ذلك بشكل واضح. وبناء على ذلك، من المرجح أن يفسر قانون الإعدام على أنه لا يسري على القاصرين، إذ إن القانون نفسه لا يحتوي على نص صريح ومباشر يشير إلى إمكانية تطبيقه عليهم، مما يعزز موقف الحماية القانونية لهم.
تطبيق القانون على النساء الحوامل اللاتي هن في أشهر متقدمة من الحمل قضية معقدة حيث لم يتطرق القانون نفسه إلى هذه الجزئية. ولكون الدافع لهذا القانون عنصريا وانتقاميا لم يكن هناك تفكير في هذه الحالات لأن الدافع الوحيد هو قتل الفلسطينيين.
تعتبر المرأة الحامل شخصا واحدا، لكن تنفيذ العقوبة في هذه الحالة قد يؤثر في الجنين أيضا، مما يجعل الأمر مختلفا عن الحالات العادية.
القانون لم يحدد طريقة التعامل مع هذه الحالة، ولم يوضح ما إذا كان سيتم تأجيل التنفيذ إلى ما بعد الولادة أو اتباع أي إجراء خاص. وبالتالي، يبقى هذا الأمر غير محدد رسميا. ومن المحتمل أن ينظر إليه بشكل خاص عند التطبيق مع ضرورة وجود تفسير قضائي يراعي الحالة الحساسة.
يتضمن قانون الإعدام وجهين أساسيين يتعلقان بمناطق التطبيق والأشخاص المشمولين به:
الوجه الأول، ينص على أنه على الحاكم العسكري في الضفة الغربية تنفيذ العقوبة عبر المحاكم العسكرية التابعة له. ويحدد سكان الضفة الغربية بأنهم ليسوا مواطنين ولا مقيمين إسرائيليين، بل من المسجلين في السجلات الإحصائية للسلطة الفلسطينية. وبذلك، يستثني القانون المستوطنين اليهود الإسرائيليين من تطبيقه، إذ عرفهم بشكل منفصل عن الفلسطينيين في الضفة.
الوجه الثاني يتعلق بالخط الأخضر. حيث يسري القانون على أي شخص يرتكب جريمة قتل متعمدة بدوافع معادية لدولة إسرائيل أو الشعب اليهودي. هذا التحديد يجعل القانون عمليا قابلا للتطبيق على فلسطينيي 48 داخل إسرائيل، حتى لو كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية، بينما لا يشمل اليهود حتى في حال ارتكابهم أعمال قتل ضد الفلسطينيين.
فعلى سبيل المثال، إذا قام يهودي إسرائيلي بقتل فلسطيني داخل حيفا أو الناصرة أو يافا لأسباب عنصرية، فإن القانون لا يسري عليه لأنه لم يكن الدافع ضد الشعب اليهودي أو الدولة. أما الفلسطيني الحامل للجنسية الإسرائيلية الذي يرتكب عملية قتل ضد يهودي، فيطبق القانون عليه مباشرة، بذريعة أن الدافع قومي ومعاداة لليهود.
وبذلك يظهر جليا أن القانون يستهدف الفلسطينيين فقط، سواء في الضفة الغربية أو داخل الخط الأخضر، مع استثناء اليهود من أي مساءلة بموجبه.
ساهمت عدة ظروف سياسية في تمرير هذا القانون في الوقت الحالي:
كل هذه الظرف تقول إن حياة الفلسطينيين تعتبر مهدورة ومباحة. هذه البيئة العنصرية القاتلة التي هيأت لتشريع قانون الإعدام. هذه هي الوضعية التي وصفها الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين باستباحة حياة الناس وجعل قتلهم مسموحا به وبدون عقاب.
يرى القانون أن حياة الفلسطيني لا قيمة لها. وهو ما يظهر أيضا من حالات الإعدام الميداني للفلسطينيين المشتبه في قيامهم بعمليات، حيث تنفذ دون محاكمة أو مساءلة.
وبالتالي، يهدف هذا القانون إلى تقنين هذه الممارسات رسميا، وجعل تطبيقها على الفلسطينيين قانونيا وعلنيا. باستعارة من الفيلسوف أغامبين: هنا قوننة ما لا يقونن. أي قانون غير قانوني.
على الرغم من إقرار القانون بأغلبية 62 صوتا داخل الكنيست، كان هناك 48 صوتا معارضا، وامتناع عضو واحد، حيث واجه القانون معارضة من جهات مختلفة داخل إسرائيل، بما في ذلك ما يعرف بـ"الدولة العميقة"، مثل المستشارة القضائية للحكومة، وقادة الأجهزة الأمنية والجيش، وكذلك مكتب وزير القضاء الذي أبدى تحفظات على بعض بنود القانون.
لا تعود هذه المعارضة إلى دوافع إنسانية أو دفاع عن حقوق الفلسطينيين. بل ترتبط باعتبارات أمنية ودولية:
نقابة الأطباء كانت الوحيدة التي أكدت أن المشاركة في تنفيذ الإعدام تتعارض مع أخلاقيات مهنة الطب والقوانين الدولية التي تحظر قتل الإنسان. كما اتخذت نقابة أطباء صحة الجمهور موقفا مشابها.
هذا القانون يختلف عنها من عدة جوانب:
الطبيعة الزمنية: حيث إن معظم قوانين الإعدام في العالم قديمة جدا، ويشهد العالم اتجاها متزايدا نحو إلغاء العقوبة أو الحد من استخدامها. لذلك ينظر إلى سن إسرائيل قانونا جديدا للإعدام في القرن الحادي والعشرين كخطوة متطرفة غير مألوفة ومعادية للاتجاه العالمي العام.
نطاق التطبيق: إذ تسري القوانين عادة على جميع المواطنين دون تمييز على أساس دين أو عرق، خلافا للقانون الإسرائيلي، الذي يستهدف الفلسطينيين، مما يمنحه طابعا تمييزيا مقارنة بالقوانين الأخرى. حتى قانون الإعدام الأمريكي في فترة العبودية سار ضد البيض والسود. كذلك في جنوب أفريقيا في فترة الأبرتهايد. لذلك، فهذا قانون الإعدام الوحيد بالعصر الحديث الذي يستهدف عرقا واحدا.
لذا ففي رأيي أن تسميته "عقوبة الإعدام" لا تعكس طابعه العنصري بل تضعه شرعيا مثل باقي القوانين. الهدف الفعلي من القانون هو تقنين الإعدام الميداني للفلسطينيين لذلك يجب أن يسمى بقانون قتل الفلسطينيين.
بعد إقرار القانون، تم تقديم التماس للمحكمة العليا بواسطة مركز عدالة، باسم عدد من المؤسسات الحقوقية ونواب عرب في الكنيست. طلب قاضي المحكمة من النيابة العامة تقديم ردها الرسمي حتى مايو/أيار، مع توضيح موقفها بشأن وقف تنفيذ القانون لحين البت النهائي.
ومن المتوقع أن تستغرق الإجراءات وقتا طويلا، بدءا من جلسة أولية أمام ثلاثة قضاة، مرورا بإصدار أمر احترازي، ثم إحالة القضية إلى هيئة قضائية موسعة، قبل الوصول للقرار النهائي، الذي قد يصدر بعد عدة أشهر وربما بعد الانتخابات المقبلة.
رغم أن هذه المحكمة تقر سياسات عنصرية ضد أبناء شعبنا فمع ذلك يرجح أن يتم إبطاله، فهذا السيناريو متوقع نتيجة لموقف الدولة العميقة.
حتى هذه المرحلة، لم تصدر المحكمة أمرا احترازيا بوقف التنفيذ. لكن غياب القرار لا يدعو للقلق لسببين:
الأول: تطبيق القانون يتطلب وقتا طويلا يشمل التحقيق، والمحاكمة، وتقديم الاستئناف، ثم مهلة 90 يوما قبل التنفيذ. لذلك، من غير المتوقع أن يطبق القانون حاليا.
الثاني: نظرا لأن أحكام الإعدام لا تحتمل الخطأ، إذ لا يمكن التراجع عنها في حال تبين لاحقا وجود خلل أو خطأ قضائي، لذلك لن يطبق في ظل الإجراءات القضائية المطولة بطبيعتها التي ستستغرق على الأقل سنة كاملة بعد انتخابات الكنيست.
توجد صلاحية للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في هذا القانون لكونه جريمة ضد الإنسانية:
لذلك يمكن الطعن في القانون على المستوى الدولي.
يركز الالتماس على عدم جواز تطبيق القانون الإسرائيلي على الفلسطينيين في الضفة الغربية، إذ إن تطبيقه يعد خطوة شبيهة بالضم، ويتعارض مع قواعد القانون الدولي للاحتلال.
وبموجب هذه القواعد، لا يجوز فرض تشريعات الكنيست على السكان الواقعين تحت الاحتلال، خاصة إذا كانت تمس حقوقهم الأساسية.
كما أن المحكمة العليا لم تقر حتى الآن تطبيق القوانين الإسرائيلية بشكل مباشر على الفلسطينيين في الضفة، مما يعزز موقف الالتماس.
تنفيذ الإعدام شنقا على الأسرى الفلسطينيين يمثل تحديا كبيرا. إذا حصل ذلك، من المتوقع أن تكون الردود الجماهيرية هائلة ومتنوعة وعلى قدر الحدث. تتخللها مظاهرات واسعة وخطوات احتجاجيه عالمية ودولية. قد تتحول أيام الإعدامات إلى أيام وطنية. وتتحول الأسماء إلى رموز وطنية. ويستلهم منها الأدب والشعر والغناء والفن الفلسطيني. وأعمق وأكثر بكثير مما حدث مع جدار الفصل العنصري.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة