عندما تم اعتقال الرجل القوي في فنزويلا، نيكولاس مادورو ، بشكل مفاجئ في يناير/ كانون الثاني من العام الجاري، أشاد بعض أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما حدث، بوصفه نموذجا يمكن انتهاجه لمواجهة أنظمة أخرى معادية لواشنطن. وبهذا الشأن صرح السيناتور الجمهوري من ولاية تكساس تيد كروز بأنه "من الممكن تمامًا" إسقاط الأنظمة في إيران وكوبا باتباع نفس الأسلوب والمنهجية. وبعدها أعلن ترامب أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين أبلغه بأن أي نزاع مع إيران "أمر يسهل كسبه". غير أن عددا من الأصوات تعالت من خلف الكواليس تحذر من نقص في الذخائر، وضعف دعم الحلفاء، ما سيجعل أي مواجهة مع طهران أكثر خطورة بكثير من العملية التي نجحت في فنزويلا، مع احتمال تكبد خسائر أمريكية كبيرة.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "كلاينه تسايتونغ" النمساوية (24 فبراير/ شباط 2026) بشأن ما أسمته "حيرة" الرئيس الأمريكي بشأن عدم استسلام إيران لحد الآن وكتبت معلقة "حشد دونالد ترامب القوة العسكرية الأمريكية الأكبر في الشرق الأوسط منذ أكثر من عشرين عامًا. والآن انضمت إليها حاملة الطائرات "يو. إس.إس جيرالد آر. فورد"، أكبر سفينة حربية في العالم. في المقابل تقف منظومة الدفاع الجوي الإيرانية القديمة والمتهالكة، وبعد الحرب ضد إسرائيل في العام الماضي، باتت أكثر ضعفًا بثغراتها التي لا تعد ولا تحصى. من وجهة نظر عسكرية محضة، لا تملك إيران ما يمكن أن تواجه به الولايات المتحدة. لكن النظام الإيراني لا يحتاج إلى الفوز في حرب محتملة، بل يكفيه فقط أن ينجو منها. وفرصه في ذلك أفضل مما تفترضه الحكومة الأمريكية".
على عكس نيكولاس مادورو، تبدو محاصرة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والقبض عليه بنفس الطريقة الهوليودية، عملية بالغة الصعوبة. فهو محاط بنخبة الحرس الثوري الإيراني، ضمن بنية أمنية متماسكة بُنيت وخُططت للحيلولة دون أي "ضربة قطع الرأس" أو عملية اعتقال مفاجئة. خلال أزمات سابقة، لجأ المرشد الأعلى إلى مواقع آمنة، واقتصرت اتصالته على دائرة ضيقة من مقربيه الموثوقين جدا. ورغم عمره المتقدم (86 عامًا) ووضعه الصحي الهش، فإنه من المستبعد قبوله بالاستسلام. وأي محاولة جدية لاعتقاله ستؤدي، على الأرجح إلى مقاومة إلى الرمق الأخير. في فنزويلا، كان الجيش والدائرة المقربة من مادورو يعانيان انقسامات داخلية، وضغطً دوليا بفعل العقوبات، وافتقار لدعم من قوى عالمية كبرى. هذا الوضع سهل عملية سريعة مدعومة بانشقاقات، أسهمت في إزاحته من السلطة. أما إيران، فتمتلك نظامًا أكثر رسوخا وتعقيدا. مؤسساتها السياسية والعسكرية والدينية متجذرة بعمق في بنية الدولة والمجتمع، ما يجعل إضعافها أو إسقاطها بعملية واحدة أو بضربة خاطفة أمرا بالغ الصعوبة.
وفي هذا السياق كتبت صحيفة "برلينه مورغن بوست" الألمانية (17 فبراير معلقة) "يعتقد المرشد الأعلى الإيراني أنه قادر على حساب خطوات دونالد ترامب بدقة: فالرئيس الأميركي يلوح باستخدام "أسطوله الجميل"، وينشر آمالا بتغيير النظام. لكنه حتى الآن تردد في شنّ الهجوم. وهو تردد في محله، فمهما تمنى المرء للشعب الإيراني نهاية نظام الملالي، فليس من المؤكد أن ينهار هذا النظام بضربة عسكرية، ولا أن يفتح الطريق تلقائيا أمام تحول ديمقراطي. بل إن خطر الانزلاق إلى حرب أهلية، أو حتى قيام دكتاتورية عسكرية يقودها الحرس الثوري، يظل كبيرًا. إن ضربة خاطفة تستهدف رأس النظام، كما يتصورها بعض الاستراتيجيين في واشنطن، قد تنتهي إلى فوضى عارمة. أما تدخل عسكري بري واسع النطاق، فمن المرجح أن يواصل ترامب تجنبه، فالتجارب في العراق وأفغانستان تمثل تحذيرًا كافيًا. ومن الحكمة أن يستخلص الرئيس الأميركي دونالد ترامب العبر الاستراتيجية، وأن يركز هدفه التفاوضي بصرامة على إنهاء البرنامج النووي الإيراني. إذ لا ينبغي لنظام الملالي، تحت أي ظرف، أن يحصل على القدرة على امتلاك السلاح الذري".
وفق مصادر إيرانية رفيعة، فقد كلف خامنئي علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، ودائرة ضيقة من المستشارين السياسيين والعسكريين الموثوقين، بوضع خطط تكفل بصمود الجمهورية الإسلامية أمام حرب أمريكية طويلة المدى، وايضا محاولات اغتيال قد تستهدف القيادة العليا، بما في ذلك خامنئي نفسه. وذكرت نفس المصادر أنه تم إحداث أربع طبقات خلافة لكل منصب عسكري أو حكومي أساسي، كما طلب من كبار المسؤولين تحديد أربعة بدلاء محتملين لهم في حال مقتلهم. وتم تقليص صلاحيات اتخاذ القرار إلى دائرة داخلية صغيرة لضمان استمرارية القيادة في حال انقطاع الاتصالات أو اغتيال المرشد. وبخلاف فنزويلا ، تستعد إيران منذ أشهر لاحتمال توجيه ضربات عسكرية أمريكية جديدة، حتى في الوقت الذي تواصل فيه المفاوضات النووية وتسعى رسميًا إلى اتفاق يجنبها الحرب.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "هامبورغر آبندبلاند" الألمانية (24 فبراير) معلقة "أي ضربة أميركية جديدة ضد إيران لن تكون استعراضا للقوة، بل خطأ مكلفا لا ضرورة له. أولا، عسكريا: يمكن للقنابل تدمير منشآت، لكنها لا تمحو المعرفة المتراكمة، ولا الخبرات البشرية، ولا تكسر الإرادة السياسية. وحتى الضربة التي وقعت في يونيو/ حزيران 2025 لم تعالج جوهر المشكلة. وأي هجوم إضافي لن يفعل أكثر من تأجيلها مرة أخرى. لكن الثمن سيكون باهظا: مخاطر جديدة على الجنود الأميركيين، استنزاف إضافي للمعدات والذخائر، وأهداف جديدة مفتوحة أمام الرد والانتقام. ثانيا، من الناحية السياسية: ستؤدي الضربة إلى تقوية المتشددين في طهران، حتى وإن كانوا أضعف مما كانوا عليه قبل عام.
وستتضاءل أي بقايا لاستئناف الحوار (..) ثالثا، استراتيجيا: نادرا ما تبقى الضربة المحدودة محدودة. تستطيع إيران الرد بطرق غير مباشرة، عبر الصواريخ، أو من خلال حلفائها، أو باستهداف دول الجوار، أو الملاحة البحرية، أو البنية التحتية للطاقة. وعندها ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام مستوى جديد من التصعيد، وأمام السؤال ذاته من جديد: مزيد من القنابل؟ أم انسحاب بلا نتيجة؟" تقول الصحيفة.
تبدو الرهانات الإقليمية في الحالة الإيرانية أكبر بكثير من نظيرتها في فنزويلا. فقد بنت طهران على مدى عقود شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في الشرق الأوسط، ما يُعقد أي مواجهة عسكرية معها. ومن أبرز هؤلاء الوكلاء حزب الله اللبناني، الحوثيون في اليمن، الميليشيات الشيعية في العراق وبعض الفصائل الفلسطينية المسلحة. وفي حال أي تصعيد عسكري، قد تفتح جبهات متعددة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. علاوة على أن أي انهيار للحكومة المركزية في طهران قد يخلق فراغًا في السلطة يزعزع استقرار المنطقة بأسرها. إضافة إلى أن الهجوم على إيران أكثر تعقيدا من جغرافيا ولوجستيا مقارنة بفنزويلا. ففنزويلا قريبة من الأراضي الأمريكية، وتقع ضمن نطاق قواعد أمريكية في الكاريبي وجنوب الولايات المتحدة.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "سمي" السلوفاكية (24 فبراير) معلقة "إذا نظرنا لعدد المرات التي وجه فيها ترامب إنذارات نهائية ثم عاد وأجلها، فلا شيء يدعو مبدئيا للقلق. فباستثناء فنزويلا، يبدو أنه كان ينسى مواعيده دائمًا. غير أن الأمر مختلف هذه المرة، فالحشد الهائل للقوات البحرية لا يمكن ببساطة التراجع عنه أو سحبه بسهولة. على الأقل ليس من دون تنازل إيراني واضح يستطيع ترامب أن يقدمه بوصفه نصًا (..) لكن إذا شنت الولايات المتحدة هجوما كبيراعلى إيران، فهناك سيناريوهان واقعيان: إما أن ينهار النظام سريعا، أو أن تندلع حرب أهلية على غرار ما حدث في سوريا أو ليبيا أو اليمن، بكل ما يحمله ذلك من فوضى وزعزعة استقرار للمنطقة بأسرها. لذلك فإن المخاطر الحقيقية لا تتعلق فقط بهجمات إيرانية مضادة محتملة، بل بالمأزق الأكبر: ماذا سيحدث بعد النصر؟ فكما أظهرت التجارب في العراق وأفغانستان، فإن الانتصارات العسكرية غالبا ما تمهّد لموجة من الإسلاموية المتشددة تعقبها موجات هجرة جديدة (..) وحتى الحلفاء الإقليميين لواشنطن، مثل السعودية، دعت إلى ضبط النفس".
تحرير: يوسف بوفيجلين
المصدر:
DW