الدولة تريد ضرائب أكثر... لكن من يدفع؟
في بلد يحتاج إلى إيرادات لتمويل الدولة والخدمات و إعادة الإعمار ، لا تكمن المسألة في مقدار ما يدفعه ال لبنان ي فقط، بل في مدى اتساع القاعدة التي تدفع، وفي ما إذا كانت القواعد نفسها تنطبق على الجميع.
حين تحتاج الدولة إلى المال، يكون الحل الأسهل في الظاهر هو البحث عن إيرادات إضافية. لكن السؤال الأصعب يأتي بعدها مباشرة: من أين سيأتي هذا المال؟
في لبنان، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد رفع ضريبة أو استحداث رسم. فالمالية العامة خرجت من سنوات من الانهيار، بينما تفرض إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية والإنفاق على مؤسسات الدولة حاجات متزايدة، في وقت يحاول الاقتصاد استعادة نشاطه ضمن ظروف شديدة الصعوبة.
وفي 18 أيلول 2026، قال صندوق النقد الدولي إن مشروع موازنة 2027 يستهدف وضعًا متوازنًا ويتضمن إجراءات لتعزيز الامتثال الضريبي، لكنه أشار أيضًا إلى أن زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12 في المئة، التي أقرها مجلس الوزراء في الأصل لتمويل زيادات الأجور والتقاعد التي أُقرت في شباط، لم تدخل حيز التنفيذ بعد. وشدّد الصندوق على ضرورة تعزيز الإيرادات ضمن إطار مالي متوسط المدى، محذرًا من زيادة الإنفاق من دون موارد مقابلة.
وفي الوقت نفسه، أظهر البنك الدولي أن تحسن المالية العامة خلال 2025 ارتبط جزئيًا بتحسن الامتثال الضريبي وزيادة تحصيل الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، قبل أن تبدأ الضغوط بالارتفاع مجددًا مع زيادة الحاجات الإنسانية وإعادة الإعمار وتباطؤ نمو الإيرادات خلال 2026.
هنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر دقة: هل يحتاج لبنان فعلًا إلى ضرائب أكثر، أم يحتاج أولًا إلى دولة تستطيع تحصيل الضرائب المستحقة بصورة أكثر اتساقًا؟
من يدفع؟
المواطن الذي يعمل ضمن النظام الرسمي يعرف عادةً أن للدولة وصولًا مباشرًا إلى دخله أو مشترياته أو معاملاته. الضريبة قد تكون على الراتب، أو على الأرباح، أو على الاستهلاك عبر ضريبة القيمة المضافة، أو على العقار وغيرها من الرسوم والضرائب. لكن الاقتصاد لا يتكون من هذا الجزء وحده.
هناك أنشطة أصغر، وأعمال فردية، ومهن حرة، ومعاملات نقدية، وشركات أو أفراد قد لا تظهر حركة أعمالهم كاملة في السجلات التي تعتمد عليها الإدارة العامة. وليس معنى ذلك أن كل نشاط خارج القطاع المنظم يتهرب من الضريبة، كما لا يمكن اعتبار كل عمل نقدي مخالفًا للقانون. لكن اتساع التعامل النقدي وصعوبة رصد بعض الأنشطة يجعل عملية التحصيل أكثر تعقيدًا.
وصندوق النقد دعا لبنان منذ سنوات إلى تعزيز تطبيق القواعد الضريبية والجمركية، فيما اعتبر في شباط 2026 أن زيادة الإيرادات تحتاج إلى مزيج من تحسين التحصيل وإصلاح السياسة الضريبية. كما ربط بين الحد من الاقتصاد النقدي وبين استعادة الثقة ب النظام المصرفي وإعادة تشغيل الوساطة المالية.
وتكشف الإجراءات اليومية ل وزارة المالية جانبًا من حجم المهمة. فالوزارة تخصص على موقعها الرسمي قسمًا بعنوان «المكلفين المراد تبليغهم» وتنشر لوائح لهذه الحالات لعام 2026 ولسنوات سابقة، استنادًا إلى قانون الإجراءات الضريبية الذي يجب اللجوء إلى التبليغ العلني عندما لا يكون عنوان المكلف أو مركز عمله معروفًا للإدارة. هذه اللوائح لا تمثل إحصاءً لحجم التهرب الضريبي ، لكنها تعكس صعوبة الوصول الإداري إلى بعض المكلفين.
ومن هنا تظهر المشكلة الحقيقية: عندما تكون الدولة أكثر قدرة على تحصيل الضريبة من موظف أو شركة واضحة البيانات، وأقل قدرة على الوصول إلى نشاط يصعب رصده، يصبح الالتزام نفسه عاملًا في تحديد حجم العبء الذي يتحمله كل مكلف.
وهذا ليس عدلًا ضريبيًا بالمعنى الاقتصادي.
فالعدالة لا تعني أن يدفع الجميع المبلغ نفسه؛ بل أن يخضع أصحاب المداخيل والأنشطة المتشابهة لقواعد متقاربة، وأن تتناسب المساهمة مع القدرة والتكليف الذي يحدده القانون.
إقتصاد خارج العين
المشكلة لا تتعلق فقط بمن يدفع الضريبة ومن لا يدفعها. هناك سؤال آخر: ماذا يحدث عندما يتحول جزء من النشاط الاقتصادي إلى مساحة يصعب على الدولة قياسها؟
في هذه الحالة، تصبح الدولة أقل قدرة على معرفة حجم بعض الأسواق، وأقل قدرة على تقدير الإيرادات، وتواجه صعوبة أكبر في التخطيط للإنفاق.
وتزداد المشكلة عندما يتسع الاقتصاد النقدي. فصندوق النقد اعتبر أن تقليص التعامل النقدي بصورة مفرطة يحتاج إلى عودة القطاع المصرفي للعمل بصورة سليمة، لأنّ الاقتصاد الذي يعتمد بكثافة على النقد يصعّب تتبع المعاملات ويضعف قدرة النظام المالي على تحويل المدّخرات إلى تمويل للقطاع الخاص. لكن المسألة ليست مالية فقط. الشركة التي تسجل أعمالها وتدفع ضرائبها وتتحمل كلفة الكهرباء والموظفين والضمان وتطبق المتطلبات القانونية، تنافس شركة أخرى في السوق نفسها. فإذا كان الجزء الثاني يعمل خارج بعض هذه الالتزامات أو لا يظهر كامل نشاطه أمام الدولة، يصبح الفارق بينهما أكثر من مسألة محاسبية؛ يتحول إلى فارق في كلفة الإنتاج والمنافسة.
وهنا يمكن للضريبة أن تصبح اختبارًا لنزاهة السوق نفسه.
فالشركة النظامية لا تطلب بالضرورة ضريبة أقل؛ قد تطلب ببساطة أن تعرف أن منافسها يخضع للقاعدة ذاتها.
ولهذا فإن تحسين التحصيل لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره وسيلة لزيادة دخل الخزينة. يمكن أن يكون أيضًا وسيلة لإعادة تنظيم السوق، وإخراج الأنشطة القابلة للدمج في الاقتصاد الرسمي من المنطقة الرمادية التي تجعل المنافسة غير متكافئة.
وقد أشار البنك الدولي إلى أن تحسن التحصيل الضريبي والجمركي ساهم في دعم المالية العامة خلال 2025، وهو ما يدلّ على أن زيادة الموارد يمكن أن تأتي جزئيًا من تحسين الأداء داخل النظام القائم، لا من رفع المعدلات فقط.
وهذه نقطة تستحق التوقف أمامها، لأن النقاش العام يميل أحيانًا إلى اختزال السياسة الضريبية في سؤال واحد: كم سترتفع الضريبة؟ لكن السؤال الاقتصادي الأهم قد يكون مختلفًا: كم من الإيرادات يمكن للدولة أن تحصل عليها من القاعدة الحالية لو أصبحت الجباية أكثر كفاءة؟ والفرق بين السؤالين كبير. الأول يتعامل مع جيوب المكلفين الموجودين أصلًا داخل النظام. والثاني يبحث عن مقدار ما يمكن للدولة أن تستعيده من ضعف الإدارة والامتثال واتساع الاقتصاد النقدي.
عدالة الجباية
إذا أراد لبنان زيادة إيراداته بصورة مستدامة، فالمسألة لا تستطيع أن تتوقف عند نسب الضرائب. تحتاج الدولة إلى إدارة ضريبية قادرة على استخدام البيانات، وربط السجلات، ورصد المعاملات، وتسهيل التصريح والدفع، وملاحقة المخالفات بانتظام، مع وجود آليات اعتراض واستئناف واضحة. كما تحتاج إلى نظام يجعل الامتثال أقل كلفة على المكلف وأكثر صعوبة على من يقرر مخالفة القانون.
وهنا يصبح التحول الرقمي مهمًا. فالخدمات الإلكترونية التي توفرها وزارة المالية تشمل تقديم بعض التصاريح والطلبات الضريبية، وتساعد على تقليص الاحتكاك المباشر بالإدارة وتحسين القدرة على تتبع المعاملات. كما تتيح الوزارة الوصول إلى نماذج الضرائب وبعض إجراءاتها عبر منصتها الإلكترونية.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
إذا كانت القاعدة القانونية غير واضحة، أو كانت معدلات الضرائب تتبدل بصورة متكررة، أو كانت معاملة المكلف تختلف تبعًا لموقعه أو قدرته على الوصول إلى الإدارة، فإن التحول الرقمي لن يحل المشكلة الأساسية.
الثقة الضريبية تحتاج إلى عقد واضح: الدولة تجمع، والمواطن يعرف لماذا يدفع، وإلى ماذا تذهب الأموال، ويعرف أن من يحقق النشاط نفسه يخضع للقواعد نفسها. ومن هذه الزاوية، تصبح الضرائب جزءًا من علاقة الدولة بالمجتمع، لا مجرد مورد للخزينة.
وهذا العقد يحتاج إلى توازن دقيق. فالدولة التي تطلب من الناس المزيد من الإيرادات في وقت تتراجع فيه قدرتهم الشرائيّة عليها أن تبرهن أيضًا أن الأموال ستستخدم بكفاءة، وأن الإنفاق العام يخضع للرقابة، وأن زيادة الإيرادات ليست بديلًا عن إصلاح الهدر والإنفاق غير المنتج. وفي المقابل، لا يمكن للاقتصاد أن يطالب بدولة قوية وخدمات أفضل وإعادة إعمار وتمويل عام، ثم يتعامل مع الالتزام الضريبي باعتباره عبئًا يمكن تجنبه متى أمكن.
الدولة تحتاج إلى إيرادات، والاقتصاد يحتاج إلى قواعد، والمواطن يحتاج إلى شعور بأن القاعدة عادلة. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال في لبنان: كيف نفرض ضرائب أكثر؟ بل: كيف نبني نظامًا ضريبيًا يصل إلى قاعدة أوسع، ويحصّل بصورة أكثر عدالة، ويكلف النشاط المنتج أقل قدر ممكن من التشوّه، ويعيد إلى المواطن شيئًا ملموسًا في مقابل ما يدفعه؟ وهنا تصبح زيادة الإيرادات نتيجة محتملة للإصلاح، لا الهدف الوحيد منه.
فلبنان لا يحتاج ببساطة إلى خزينة تجمع أموالًا أكثر. إنه يحتاج إلى دولة تعرف اقتصادها بصورة أفضل، وتعرف من يعمل فيه، وما الذي يكسبه، وما الذي يدفعه، وما الذي يحصل عليه في المقابل.
قد يكون الطريق الأسرع إلى إيرادات إضافية هو رفع نسبة ضريبيّة. لكن الطريق الأكثر استدامة يبدأ من مكان آخر: توسيع القاعدة، تحسين الإدارة، تقليص الاقتصاد النقدي، مكافحة التهرّب، وتثبيت قواعد يعرفها الجميع.
لأنّ المشكلة في النهاية ليست في أن يدفع اللبناني للدولة. المشكلة عندما يشعر أن التزامه يجعله في موقع أضعف من شخص لا تراه الدولة أصلًا. الدولة العادلة ليست التي تطلب من مواطنيها أن يدفعوا أكثر، بل التي تستطيع أن تقول لهم بوضوح: القاعدة واحدة، والجباية واحدة، والمسؤولية واحدة.
وعندها فقط تتحول الضريبة من فاتورة يتهرب منها الناس متى استطاعوا إلى جزء من العلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة.