قبل أسبوعين فقط، انتهت المناقشة العامة لسياسة الحكومة في مجلس النواب بتجديد الثقة بها بـ68 صوتًا، مقابل 12 صوتًا بحجب الثقة وامتناع نائبين. وجاء ذلك بعدما طلب رئيس " التيار الوطني الحر " النائب جبران باسيل طرح الثقة على التصويت، قبل أن تحسم الأكثرية النتيجة لمصلحة الحكومة. لكنّ تكتل " لبنان القوي" لم يستسلم، فعاد إلى المجلس نفسه، وهذه المرّة من مدخل مختلف.

إنه "مرصد الحكومة" الذي خصّصه التكتل لمقارنة ما ورد في البيان الوزاري بما يعتبره حصيلة فعلية بعد 19 شهرًا على تشكيل الحكومة. وبالفعل، عرض التكتل ما قال إنها 64 مخالفة للبيان الوزاري، موزعة على ملفات سياسية واقتصادية ومالية وخدماتية. والأهم أن باسيل أعلن أن العمل يتضمن أكثر من 50 سؤالًا واستجوابًا موجهًا إلى الحكومة، وقال إنه ينتظر عقد جلسة استجوابات، بعدما جاءت بعض الأجوبة، وفق روايته، غير كافية، فيما لم يصل بعضها الآخر.

بذلك، لا يبقى "المرصد" مجرد مؤتمر يعرض اعتراضات سياسية، وإنما يطرح سؤالًا عمّا سيحدث لهذه الملفات داخل المجلس. فمعركة الثقة حُسمت لمصلحة الحكومة، أما الأسئلة والاستجوابات فتفتح مسارًا مختلفًا: مساءلة ملفات ووزراء واحدًا واحدًا، بدل وضع سياسة الحكومة كلها أمام تصويت واحد. فهل تصل أسئلة "مرصد الحكومة" إلى جلسة استجواب فعلية، أم تبقى المساءلة عند حدود الأسئلة المكتوبة والمؤتمرات السياسية؟

من البيان الوزاري إلى دفتر حساب

يصف باسيل البيان الوزاري بأنه "صك" تعقده الحكومة مع مجلس النواب للحصول على الثقة، ولذلك يبني التكتل جزءًا أساسيًا من اعتراضه على المقارنة بين ما تعهدت به الحكومة وما يعتبر أنها نفذته فعليًا. سياسيًا، تبدو المقارنة مفهومة لأن الحكومة نالت الثقة على أساس بيانها، لكن وصف كل تفاوت بين التعهد والنتيجة بأنه "مخالفة" يحتاج إلى تمييز. فبعض البنود يتعلق بهدف لم يتحقق بعد، وبعضها بخيار سياسي يختلف التكتل معه، فيما يتعلق بعضها الآخر بإجراءات يمكن قياسها وفق آليات وقواعد محددة.

ويظهر الفرق في الملفات التي طُرحت. ففي الكهرباء، ينتقد التكتل نتائج السياسة الحكومية وما يعتبره تراجعًا في التغذية، بينما دافع رئيس الحكومة نواف سلام في المناقشة العامة في 16 أيلول عن مسار يقوم على إعادة هيكلة القطاع وتطبيق القانون الناظم له. أما في التعيينات، فقال سلام إن الحكومة اعتمدت آلية تجعل الكفاءة والأهلية معيارًا للاختيار، مع إقراره بأن التطبيق لا يزال يصطدم بقيود المحاصصة الطائفية. هنا يصبح الخلاف أكثر قابلية للفحص: يمكن مقارنة كل تعيين بالآلية التي أعلنتها الحكومة نفسها، بدل الاكتفاء بحكم سياسي عام على أدائها.

وفي رده على المناقشة العامة، لم ينكر سلام أن عددًا من النتائج المطلوبة لم يتحقق، وربط جزءًا من التعثر بالظروف الصعبة والحرب، ثم قدّم أجوبة على ملفات محددة. وفي نهاية الجلسة قال إن ضيق الوقت لم يسمح له بالإجابة عن كل الأسئلة والملاحظات، وإن الحكومة ستجيب خطيًا عن مسائل أخرى. واليوم يقول باسيل إن بعض الأجوبة لم تصل أو لم تكن كافية. ولا يتضح ما إذا كانت هذه الأجوبة هي نفسها التي تحدث عنها سلام في الجلسة. لكن التباين بين الموقفين ينقل النقاش إلى جوهر الرقابة النيابية: هل تنتهي المسألة عند جواب مكتوب، أم يتحول الخلاف على مضمونه إلى استجواب داخل المجلس؟

من حجب الثقة إلى مساءلة الملفات

يعطي النظام الداخلي لمجلس النواب النائب حق توجيه سؤال خطي إلى الحكومة أو إلى أحد الوزراء. وعلى الحكومة أن تجيب خلال مهلة أقصاها 15 يومًا من تسلم السؤال، مع إمكان طلب تمديد المهلة إذا كان الجواب يحتاج إلى تحقيق أو جمع معلومات. وإذا لم يصل الجواب ضمن المهلة، أو لم يقتنع النائب به بعد مناقشته، يستطيع تحويل السؤال إلى استجواب. ويقدَّم الاستجواب بدوره خطيًا إلى رئيس المجلس فيحيله إلى الحكومة، التي تملك أيضًا مهلة أقصاها 15 يومًا للجواب، قبل أن ينص النظام على إدراجه في أول جلسة مخصصة للاستجوابات بعد وصول الجواب أو انتهاء المهلة.

لكن وجود هذه السلسلة في النظام لا يعني أن الجلسة تنعقد تلقائيًا فور اكتمالها. فالمادة 136 تنص على تخصيص جلسة للأسئلة والأجوبة أو للاستجوابات أو للمناقشة العامة بعد كل ثلاث جلسات عمل على الأكثر، فيما تتولى هيئة مكتب المجلس وضع جدول أعمال الجلسات، ويحدد رئيس المجلس مواعيدها. وهنا تظهر الحلقة التي لا يملكها صاحب الاستجواب وحده: يمكن للنائب أن يسأل وأن يحوّل سؤاله إلى استجواب، ويمكن للحكومة أن تجيب أو تنقضي مهلة جوابها، لكن وصول الملف إلى النقاش العلني يرتبط أيضًا بعقد الجلسة وإدراجه على جدول أعمالها.

ويظهر أرشيف المجلس المنشور لماذا يستحق هذا التفصيل التوقف عنده. فهو يوثق أسئلة تحولت إلى استجوابات بعد انقضاء مهلة الجواب، كما في حالات عام 2012، ويظهر أن أصحابها كانوا يطلبون بعدها إدراجها في أول جلسة مخصصة للاستجوابات وفق المادة 133. ولا يكفي الأرشيف المتاح للجزم بندرة محددة زمنيًا لجلسات الاستجواب أو تحديد آخر جلسة عُقدت، لكنه يوضح أن تسجيل الاستجواب ووصوله إلى القاعة العامة مرحلتان منفصلتان في المسار الرقابي.

ثلاثة أطراف واختبار واحد

لا تشير نتيجة تصويت الثقة الأخيرة إلى أن "مرصد الحكومة" يشكل طريقًا مباشرًا إلى إسقاط الحكومة، ولا تحتاج قيمة الأسئلة والاستجوابات إلى أن تُقاس بهذا الهدف وحده. فالأداة الرقابية تبدأ أهميتها عندما تدفع الحكومة أو الوزير إلى جواب رسمي على مسألة محددة، يمكن تسجيله والعودة إليه ومقارنته لاحقًا بما تحقق.

من هنا، يصبح اختبار "المرصد" موزعًا على ثلاثة أطراف: التكتل الذي أعلن امتلاكه عشرات الأسئلة والاستجوابات وعليه أن يستكمل تقديمها وفق الأصول، والحكومة التي تُلزمها المهل بالجواب، ورئاسة المجلس وهيئة مكتبه، اللتان يتوقف عليهما موعد الجلسة وجدول أعمالها. وبين هذه المراحل سيتحدد ما إذا كان المؤتمر بداية مسار رقابي متواصل داخل المجلس، أم يبقى محطة سياسية جديدة لا تصل ملفاتها إلى المناقشة العلنية.