اختار وزير الطاقة والمياه جو صدي هذا التوقيت ليعلن أنه سيطلب من مجلس الوزراء إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة على المحروقات أو تعليقه. خطوة قد تخفف جزءًا من السعر، لكنها تفتح في المقابل سلسلة أسئلة تتجاوز الرسم نفسه: لماذا الآن؟ وماذا عن بقيّة الكلفة؟ والأهم، هل يمكن معالجة فاتورة الطاقة التي يدفعها اللبناني من باب سعر الصفيحة وحده، فيما كهرباء الدولة لا تزال محدودة ومعامل إنتاج خارج الخدمة؟

هذه الأسئلة يطرحها رئيس تجمع أصحاب المولدات عبدو سعادة من زاوية مختلفة. فبالنسبة إليه، المشكلة ليست فقط في سعر ليتر المازوت أو البنزين، بل في حلقة تبدأ من كيفية تسعير المحروقات، وتمر بعدد ساعات التغذية الرسميّة، وتنتهي عند فاتورة المولد التي يتحملها المشترك.

"طلبنا جدول التسعير ولم نحصل عليه"

يبدأ سعادة عبر "النشرة" من سؤال بسيط: على أي أساس يصل سعر المحروقات إلى المستويات الحالية؟

ويقول: "عندما وصل سعر برميل النفط في فترة سابقة إلى 120 دولارًا، كان سعر صفيحة البنزين نحو 14 دولارًا. اليوم البرميل بين 105 و107 دولارات، فلماذا صفيحة البنزين 30 دولارًا"؟. قائلًا: "هناك ما هو أبعد من الضرائب، لا أعرف ما هو، اسألوا لتعرفوا"!.

والأهم أنه يكشف أن المطالبة لم تبقَ في إطار السؤال الإعلامي: "طالبناهم بجدول التسعير، كيف يسعّرون المحروقات، ولم يعطونا إياه".

وزارة الطاقة سبق أن شرحت آلية تركيب الأسعار والعناصر الثابتة والمتحركة التي تدخل فيها، لكن كلام سعادة يطرح مسألة أخرى تتعلق بإتاحة التفاصيل التي تسمح بمقارنة السعر العالمي بالسعر النهائي، ومعرفة وزن كل عنصر في الصفيحة التي يشتريها المستهلك.

ومن هنا يصبح إعلان صدّي عزمه طلب إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة أكثر من مجرد اقتراح مالي. فإذا كان الوزير يعتبر اليوم أن أحد مكونات السعر يستوجب المراجعة بسبب العبء الذي يتحمله المواطن، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال عن بقية المكونات أيضًا، وعن سبب اختيار هذا التوقيت تحديدًا لإعادة النظر في الرسم.

المشكلة ليست في الصفيحة وحدها

سعادة ينقل النقاش سريعًا من محطة الوقود إلى معامل الكهرباء. فبالنسبة إلى أصحاب المولدات، لا يمكن مناقشة كلفة المازوت بمعزل عن عدد الساعات التي يضطر فيها المولد إلى العمل. وكلما تراجعت تغذية كهرباء لبنان ، ارتفع عدد ساعات التشغيل واستهلاك الوقود، وانتقلت الكلفة في النهاية إلى المشترك.

ويتابع: "أنتم تعطون ساعتين في اليوم وهناك معملان أطفأتموهما، ولديكم الفيول المتوفّر بهبة من الكويت. فلماذا لا تُشغّل المعامل"؟

ثم يضع معادلة مختلفة لخفض فاتورة المولد: "إذا أمّنتم 12 ساعة ونحن 12 ساعة تخّف الفاتورة إلى النصف. هذه الفوضى تتحمل وزارة الطاقة مسؤوليتها".

وهنا لا يتحدث سعادة عن إجراء إداري لتخفيض تعرفة المولد، بل يعيد أصل المشكلة إلى كمية الكهرباء التي تنتجها الدولة: إذا زادت التغذية الرسمية، تتراجع تلقائيًا ساعات تشغيل المولد واستهلاك المازوت والفاتورة المترتبة عليه.

الفيول موجود ولكن...

حديث سعادة عن الهبة الكويتية ليس من دون أساس. فالمعطيات الرسمية تظهر اتفاقًا لتوريد نحو 88 ألف طن متري من الغاز أويل لمعملي دير عمار والزهراني، موزعة على شحنتين، واحدة بنحو 44 ألف طن مقدمة مجانًا من الكويت، والثانية يشتريها لبنان. وكان صدّي قد أعلن أن الشحنة المجانية تؤمّن نحو ثلاثة أسابيع من الاحتياجات.

لكن الصورة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى معملي الذوق والجية. فالوزارة نفسها أعلنت أن نزاعًا قضائيًا بين مؤسسة كهرباء لبنان والشركة المشغّلة يحول دون تشغيلهما، فيما أُلغيت مناقصة سابقة لتشغيل وصيانة المحركات العكسية بسبب عدم ورود عروض قبل إطلاق مناقصة جديدة.

وهذه المعطيات تفسّر إداريًا جانبًا من التوقف، لكنها لا تنهي السؤال الذي يطرحه سعادة. فإذا كانت المشكلة في عقد تشغيل أو نزاع قضائي وليست فقط في توافر الوقود، فإلى متى يمكن أن تبقى قدرة الإنتاجية الكهربائية خارج الخدمة فيما لا يحصل اللبناني إلا على ساعات محدودة من التغذية؟

فالنتيجة بالنسبة إلى المستهلك واحدة: المعمل الذي لا ينتج يعني كهرباء أقل من الدولة، ممّا يعني مدّة أطول للمولد، والمزيد من المازوت وفاتورة أعلى.

من الـ300 ألف إلى الفاتورتين

هنا تحديدًا تصبح الـ300 ألف ليرة جزءًا صغيرًا من صورة أكبر. فالمواطن لا يواجه سعر البنزين وحده، بل منظومة كلفة مترابطة: يدفع لكهرباء لبنان، ومن ثم للمولد بسبب نقص التغذية، ويتأثر سعر فاتورة المولد بسعر المازوت الذي تحدده الدولة نفسها.

لذلك فإن إعلان إزالة رسم الـ300 ألف يطرح سؤالًا أبعد من مقدار الانخفاض الذي قد يسجله سعر الصفيحة: هل تبدأ معالجة كلفة الطاقة من حذف رسم، أم من كشف أكثر تفصيلًا لكيفية التسعير وزيادة إنتاج الكهرباء وإعادة القدرات المعطّلة إلى الشبكة؟

فالـ300 ألف قد تختفي من جدول الأسعار بقرار حكومي، لكن ساعات العتمة وكلفة المازوت والمعامل الخارجة من الخدمة لن تختفي معها.