آخر الأخبار

عون يريد إنهاء المؤسسات الرديفة... هل تستطيع الدولة أن تحلّ محلها؟

شارك

حين قال رئيس الجمهورية جوزاف عون إن "ال لبنان يين تعبوا من الدويلات والمؤسسات الرديفة"، وضع في عبارة واحدة هدفًا يتجاوز بكثير، في معناه السياسي المباشر، النقاش الدائر حول حصرية السلاح. فـ"المؤسسة الرديفة" قد تكون قوة أمنية خارج الدولة، لكنها قد تكون أيضًا شبكة استشفاء أو تعليم أو مساعدات أو توظيف، أو جهة تتولى خدمة يفترض أن يحصل عليها المواطن من مؤسسة عامة.

في لبنان، لم تنشأ هذه البنى كلها بالطريقة نفسها، ولا تؤدي الدور نفسه. بعضها جزء من نفوذ الأحزاب والطوائف، وبعضها تمدد لأن الدولة نفسها تركت مساحات فارغة. ولم تقتصر هذه الظاهرة على حزب أو طائفة أو منطقة، وإن اختلف حجمها ووظيفتها من مكان إلى آخر. فعلى مدى سنوات، اعتاد اللبناني أن يبحث خارج المؤسسات العامة عن الكهرباء والتعليم والاستشفاء والعمل والمساعدة الاجتماعية، وأن يمر في حالات كثيرة عبر الحزب أو الزعيم أو الجمعية أو القطاع الخاص للحصول على ما يفترض أن يكون حقًا عامًا.

لهذا تبدو دعوة عون إلى إنهاء "المؤسسات الرديفة" أصعب عند الانتقال من الشعار إلى التنفيذ. فإنهاء الدويلة يمكن أن يبدأ بقرار سياسي يتعلق بالسلاح والسلطة، أما إنهاء "المؤسسات الرديفة" فيتطلب أن تكون المؤسسة الأصلية موجودة وقادرة على الحلول مكانها. بمعنى آخر، فإن الدولة التي تريد استعادة موقعها لا يكفي أن تطلب من البديل التراجع، بل عليها أن تدخل بنفسها إلى المكان الذي سيتركه، وأن تقدم للمواطن سببًا عمليًا يجعله لا يحتاج أصلًا إلى ذلك البديل.

من هنا يصبح السؤال أوسع من مصير السلاح نفسه: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد الوظائف التي انتقلت خلال عقود إلى المؤسسات الموازية، أم أن إنهاء "الرديف" قبل بناء الأصل قد يترك المواطن أمام الفراغ نفسه؟

الدولة ليست بندقية واحدة

يشكل احتكار الدولة للقوة المسلحة أحد أكثر معايير السيادة وضوحًا، ولذلك يتقدّم ملف السلاح اليوم على بقية الملفات. غير أن حصرية السلاح لا تنتج وحدها دولة مكتملة الوظائف. فالدولة لا تصبح قوية فقط لأن القوة المسلحة أصبحت في يد مؤسسة واحدة. قدرتها تقاس أيضًا بما يحدث للمواطن عندما يمرض، أو يرسل أولاده إلى المدرسة، أو يبحث عن وظيفة، أو يحتاج إلى القضاء، أو يطالب بالكهرباء والمياه والضمان الاجتماعي.

هذا هو الجانب الذي جعل النموذج اللبناني أكثر تعقيدًا من مجرد ازدواج عسكري. فالبلاد عاشت طويلًا مع أكثر من "دولة" وظيفية. وبهذا المعنى، فإن المواطن الذي يحصل على الكهرباء من مولد خاص، والتعليم من مدرسة خاصة، والاستشفاء من جهة حزبية أو تأمين خاص، والعمل بواسطة شبكة سياسية، لا يعيش فعليًا داخل منظومة خدمات عامة متكاملة، حتى لو بقي خاضعًا قانونيًا لسلطة الدولة.

من هنا، فإن إنهاء "الرديف" يبدأ بتعريف الوظيفة التي يؤديها. حين تكون هناك مؤسسة موازية في الأمن، تحتاج الدولة إلى مؤسسة أمنية قادرة. وحين توجد شبكة موازية في الصحة أو التعليم أو الدعم الاجتماعي، يصبح المطلوب بناء خدمة عامة تستطيع استيعاب الحاجة نفسها. وإلا فإن النقاش ينتقل من احتكار الدولة لوظائفها إلى مجرد إلغاء الجهة التي تؤديها.

لماذا بقي "الرديف"؟

لم تولد البنى الرديفة في لبنان من فراغ. فقد أسهمت الحرب الأهلية في تحويل الأحزاب والطوائف إلى مزودي خدمات في مناطق نفوذها، ثم استمرت الظاهرة بعد انتهاء الحرب ضمن نظام سياسي حافظ على جزء كبير من شبكات الزبائنية. وبهذا المعنى، فإن ضعف الإدارة المركزية، وغياب سياسات اجتماعية مستقرة، وتفاوت التنمية بين المناطق، كلها عوامل أبقت الحاجة إلى الوسيط السياسي قائمة.

جاء الانهيار المالي منذ عام 2019 ليضاعف المشكلة. خسرت رواتب القطاع العام جزءًا كبيرًا من قيمتها، وتراجعت قدرات الإدارات والمؤسسات، وازداد اعتماد الناس على التحويلات والجمعيات والجهات الخاصة وشبكات المساعدة المختلفة. لم تعد المشكلة أن هناك من ينافس الدولة على تقديم الخدمة فقط؛ ففي قطاعات كثيرة أصبحت الدولة نفسها الطرف الأضعف في المنافسة.

لهذا، لا يمكن التعامل مع المؤسسات الموازية كما لو أنها مجرد جسم يمكن نزعه من معادلة مكتملة. بعضها يستمد قوته من السياسة، لكن بعضها الآخر يستمد وجوده من حاجة اجتماعية حقيقية. إزالة السبب السياسي لا تلغي تلقائيًا الحاجة التي صنعت المؤسسة، ما لم تظهر الدولة في اليوم التالي لتقديم البديل.

الجيش أول امتحان للدولة

تظهر المفارقة بوضوح في المؤسسة العسكرية. تطلب السلطة من الجيش توسيع انتشاره جنوبًا، واستكمال مهمات حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما تتزايد المسؤوليات المرتقبة مع اقتراب انتهاء ولاية " اليونيفيل ". بالتوازي، يتحضر لبنان للمشاركة في اجتماع باريس المقرر في 17 أيلول تمهيدًا ل مؤتمر دولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي.

الدعوة الفرنسية نفسها تتحدث عن الحاجة إلى توفير المعدات والتدريب والموارد وبناء القدرات. ويبرز في هذا السياق تأكيد وزير الداخلية بعد لقائه عون أن حشد هذا الدعم يشكل ركيزة لتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها. المعنى هنا شديد الوضوح: لبنان يريد للمؤسسات الرسمية أن تتولى الوظيفة الأمنية، لكنه لا يزال يحتاج إلى الخارج كي يساعده على تمويل القدرة المطلوبة لأدائها.

لا ينتقص ذلك من الجيش، إنما يحدد حجم المهمة أمام السلطة السياسية. فالمؤسسة التي يراد لها أن تتحمل جانبًا أساسيًا من مهمة بسط سلطة الدولة جنوبًا تحتاج بدورها إلى تمويل خارجي كي تتمكن من أداء مهماتها، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من محدودية الموارد ومن ضغط الإنفاق بعد سنوات من الانهيار والحرب.

الجنوب يكشف المعادلة كاملة

في الجنوب تحديدًا، يمكن مشاهدة الفارق بين استعادة الأرض واستعادة وظيفة الدولة. الحكومة وضعت خلال الأسابيع الماضية خططًا لعودة الأهالي إلى عدد من القرى، من إصلاح المنازل المتضررة وتأمين وحدات سكنية جاهزة إلى دعم بدلات الإيجار واستعادة الخدمات الأساسية. كما طرحت احتياجات البلديات التي يفترض أن تحمل العبء اليومي للعودة وإدارة البلدات.

هذا المسار هو الامتحان العملي لفكرة "لا مؤسسات رديفة ". انتشار الجيش لا يكفي إذا عاد السكان إلى بلدة لا تستطيع بلديتها إزالة الأنقاض، ولا تصلها الخدمات، ولا يستطيع أهلها إصلاح منازلهم أو استعادة مصادر رزقهم. في هذه اللحظة تحديدًا يظهر الحزب أو الجمعية أو الجهة المانحة لتملأ المكان، وتعيد إنتاج المؤسسة الموازية حتى من دون قرار سياسي مسبق.

المشكلة أن الدولة نفسها تدخل هذا الامتحان بموارد محدودة. الاجتماع الوزاري الأخير بحث صراحة في شح الأموال وضرورة زيادة الإيرادات، فيما أحالت وزارة المال مشروع موازنة 2027 إلى مجلس الوزراء. بذلك يلتقي ملفان يبدوان منفصلين: حصرية الدولة من جهة، وقدرتها على تمويل نفسها من جهة أخرى. فلا يمكن مطالبة المؤسسات الرسمية بتوسيع حضورها في الأمن والإعمار والخدمات مع إبقائها عاجزة ماليًا عن أداء هذه المهمات.

المطلوب ليس فراغًا باسم الدولة

تضع عبارة عون الأحزاب أمام معادلة واضحة: مكانها داخل الدولة لا إلى جانبها. لكنها تضع السلطة في المقابل أمام مسؤولية مماثلة. فالدولة التي تطلب من القوى السياسية الانسحاب من وظائف اكتسبتها عبر عقود مطالبة بأن تتقدم هي إلى هذه المساحات، وأن تفصل حق المواطن في الأمن والتعليم والصحة والمساعدة عن هويته السياسية والطائفية.

لهذا قد يكون النجاح في حصرية السلاح بداية المشروع لا نهايته. الامتحان التالي سيكون في البلدة والمدرسة والمستشفى والإدارة والضمان والبلدية، وفي قدرة الخزينة على تمويل هذه المؤسسات من دون إبقائها رهينة المساعدات أو الوساطات.

المشكلة لا تقف عند بقاء "المؤسسة الرديفة". فقد تنجح الدولة في إزاحتها من مكان ما، ثم تكتشف أنها لا تملك ما تضعه مكانها. عندها يتغير اسم الفراغ، ولا يتغير السبب الذي صنعه.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا