مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، يعود ملف الأقساط في المدارس الخاصة إلى الواجهة، لكن هذه المرة وسط معادلة أكثر تعقيدًا: زيادات تتحدث لجان الأهل عن 15 الى 20 في المئة، وحتى 30 في المئة في بعض المدارس، في مقابل إدارات تؤكد أن كلفة التعليم ارتفعت وأن نسبة تحصيل الأقساط لا تزال بعيدة عن المئة في المئة. وبين الفريقين، يبقى الأهل أمام السؤال الأصعب: كم بات يكلف تعليم أولادهم، ومن يراقب فعلياً الموازنات التي تُبنى على أساسها الأقساط؟
وفي هذا الإطار، تشير رئيسة اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان لمى الطويل إلى أن عددًا من المدارس في لبنان يمتنع عن إعطاء إفادات للتلاميذ، لافتة إلى أننا "نقوم بتحويلهم إلى لجنة التحكيم ، والقضاة يصدرون الأحكام للافراج عن الإفادات مقابل تعهد الأهل بتقسيط القسط وليس التهرب منه".
وتحذّر الطويل من أن استمرار هذه المشكلة قد تكون لها تداعيات أبعد من الخلاف المالي بين الأهل والمدارس، قائلة: "إذا لم نقم بذلك سنذهب إلى تسرّب مدرسي حقيقي".
وتوجّه الطويل انتقادًا مباشرًا إلى وزارة التربية ، معتبرة أن "الوزيرة، وبما خص القطاع الخاص، غير موجودة ولا تقوم بأي شيء"، ومؤكدة أنه "لا يوجد ضبط للأقساط ولا تدقيق بالموازنات، وكأن القطاع الخاص ليس قسمًا من الوزارة".
وتكشف عن "وجود ارتفاع في الأقساط يصل إلى ما بين 15 و20 في المئة، بل إلى 30 في المئة في بعض المدارس"، مشيرة إلى أن الإدارات المدارس لم تبرّر للجان الأهل، بحسب قولها، أسباب هذه الزيادات بصورة كافية.
وتضيف: "دائمًا ثمة حجة بالأساتذة، رغم أن الأقساط تجاوزت مستويات العام 2019"، معتبرة أنه رغم ارتفاع أسعار المحروقات وسائر النفقات التشغيليّة، فإن ذلك "لا يبرّر ارتفاع الأقساط إلى هذه الدرجة".
في المقابل، يقدّم الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر قراءة مختلفة للمشهد. ويؤكد أن "الظرف صعب، ولا يوجد قرار عام بالزيادات لا على مستوى الاتحاد العام للمدارس الكاثوليكية ولا على مستوى المدارس الكاثوليكية"، موضحًا أن كل مدرسة تواجه واقعًا ماليًّا مختلفًا.
ويكشف نصر أنه "حتى نهاية حزيران لم تتخطََّ نسبة التحصيل 65 في المئة، ما يعني أن هناك 35 في المئة من عدم تحصيل في الموازنات بشكل عام"، مشيراً إلى أن "الصندوق بالدولار لم يعد موجودًا، بل أصبح كل ما يدفع، سواء بالليرة أو بالعملة الخضراء، كجزء من القسط، وكل ما تدفعه المدرسة للأساتذة هو الأجر".
لكن الأرقام التي تطرحها لجان الأهل تظهر حجم العبء الذي باتت تتحمله الأسرة. فبحسب الطويل، "المعدل الوسطي هو أربعة آلاف دولار لكل تلميذ اليوم، ما يعني أن من لديه ثلاثة أولاد في المدرسة يحتاج إلى قرابة ألف دولار في الشهر فقط لدفع الأقساط".
وتربط الطويل هذا الواقع بزيادة الضغط على التعليم الرسمي ، متحدثة عن "هجوم على المدارس الرسمية من قِبَل الذين تضرروا في الحرب"، في ظل بحث عدد من العائلات عن بدائل أقل كلفة.
ولا تحصر الطويل المشكلة بحجم القسط، بل تضع الشفافية في إعداد الموازنات في صلب الخلاف. وتقول إن المدارس يفترض أن تعرض موازناتها على لجان الأهل، وأن تكشف حجم الأموال المخصصة للأساتذة، لكي تتمكن اللجنة من دراسة الموازنة وتقسيمها على عدد التلاميذ وتحديد الكلفة الفعلية.
وتذهب أبعد من ذلك، إذ تثير إشكالية الأرقام المتعلقة بأعداد الأساتذة، قائلة إن غياب الربط والشفافية بين صندوق التعويضات والمدارس والجهات الرسمية يسمح، بحسب قولها، بوجود تفاوت بين الأعداد الواردة في الموازنات وتلك المصرح عنها رسميًّا.
وتعطي مثالاً على ذلك بالقول: "تضع المدرسة مثلاً 200 أستاذ في الموازنة، ونكتشف أنها صرحت عن خمسين فقط لصندوق التعويضات"، معتبرة أنه "كلما تضخّمت الموازنة بعدد الرواتب والأجور، ارتفع القسط".
في المقابل، ينفي نصر أن تكون هذه الصورة معمّمة على المدارس الكاثوليكية، مؤكداً أنه "لا توجد لدينا، بالإجمال، مدارس لا توقّع لجان الأهل على موازناتها، وعلى الأغلب حصل توافق بين لجنة الأهل والمدرسة".
ويضع نصر الأزمة أيضًا في سياق الظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان، ولا سيما الحرب وتداعياتها على المدارس. ويردف: "نمر بظروف اقتصادية صعبة، ولدينا مدارس استُهدفت بالقصف مثل مشغرة والنبطية وكل مدارس الجنوب"، مشيراً إلى أن وجود "17 مدرسة كاثوليكية قريبة من الحدود تأثرت بالحرب".
ويضيف أن "وضع بقية المدارس لا يزال غير مستقر حتى تاريخه، ولا تزال مساهمة الدولة للمدرسة على القديم بـ10 دولارات، ولدينا الوضع الاقتصادي السيّئ ومداخيل الأهل المحدودة".
وبحسب نصر، فإن اجتماع هذه العوامل يدفع المدارس إلى إعادة احتساب كلفتها، قائلاً إن "كل هذا يدعونا إلى التفكير بالزيادات على الأقساط، وعلى كل مدرسة أن تقوم بحساباتها على نسبة تحصيلها ، وأي زيادة ستدخل في شهر كانون الأول".
وهكذا يبدو أن معركة الأقساط هذا العام لن تكون مجرد خلاف على نسبة الزيادة. فخلف الأرقام، تبرز ثلاثة ملفات مترابطة: قدرة الأهل على الاستمرار في التعليم الخاص ، قدرة المدارس على تغطية كلفتها والحفاظ على أساتذتها، ودور وزارة التربية في التدقيق والرقابة وضمان الشفافية.
وبين حديث لجان الأهل عن زيادات تصل إلى 30 في المئة وموازنات تحتاج إلى تدقيق، وحديث المدارس عن نسبة تحصيل لا تتجاوز 65 في المئة وعن مؤسسات دفعت ثمناً مباشرًا للحرب، يصبح السؤال الأساسي قبل تثبيت أي زيادة: هل تعكس الأقساط الكلفة الفعلية للتعليم، وهل توجد رقابة قادرة على إثبات ذلك للأهل والمدارس معًا؟
فإذا بقيت الموازنات موضع نزاع، والرقابة موضع تشكيك، ومداخيل العائلات عاجزة عن اللحاق بالكلفة، فلن يكون الخطر ارتفاع القسط وحده، بل انتقال الأزمة من أقساط إلى حق في التعليم!.
المصدر:
النشرة