عاد الدور السوري في لبنان إلى واجهة النقاش الإقليمي، مع دراسة جديدة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات رأت أن التطورات المتسارعة في المنطقة قد تمنح دمشق موقعاً محورياً في المرحلة المقبلة.
وتغوصُ الدراسة في طبيعة هذا الدور، والملفات التي قد يشملها، وتطرح أربعة سيناريوهات محتملة تتراوح بين التنسيق الأمني وحماية استقرار لبنان، وصولاً إلى أدوار أوسع ترتبط بمستقبل التسويات الإقليمية.
وتبحث دراسة "الدور السوري: حاجة إقليمية واختبار لبناني"، للباحث شفيق شقير، في مركز الجزيرة للدراسات، مستقبل الدور السوري في لبنان، معتبرة أن لبنان يشكل الساحة الأكثر واقعية لاختبار طبيعة هذا الدور، نظراً إلى الترابط الجغرافي والأمني والاقتصادي والاجتماعي بين البلدين.
وقالت الدراسة إن تجربة ما بعد اتفاق الطائف أظهرت أن دمشق جمعت بين أداء دور إقليمي وهيمنة سياسية وأمنية على لبنان، إلا أن الظروف الحالية تجعل استعادة ذلك النموذج أمراً غير ممكن ولا مرغوباً، في حين تبرز الحاجة إلى دور سوري جديد يقوم على التنسيق بين الدولتين لمعالجة الملفات المشتركة، مثل أمن الحدود، والتهريب، واللاجئين، والتفاوض مع
إسرائيل ، بعيداً من الوصاية.
واعتبرت الدراسة أن زيارة
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى
بيروت شكلت خطوة مهمة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، لكنها لم تتحول بعد إلى رؤية سورية متكاملة لإدارة العلاقة الخاصة التي تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة.
وحددت الدراسة أربعة مجالات رئيسية للحاجة إلى
سوريا في لبنان، تشمل الأمن وضبط الحدود ومكافحة تهريب السلاح والمخدرات، ودعم الاستقرار السياسي ومؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون الاقتصادي عبر إعادة تنظيم الاتفاقيات الثنائية وتطوير قطاعات النقل والطاقة، إضافة إلى معالجة الملفات الاجتماعية المرتبطة باللاجئين والطوائف والعائلات الممتدة بين البلدين.
وفي ما يتعلق بمستقبل الدور السوري، طرحت الدراسة أربعة سيناريوهات محتملة، ويتمثل السيناريو الأول في مواجهة مباشرة مع "
حزب الله "، إلا أنها اعتبرته الأقل احتمالاً والأكثر كلفة، بسبب محدودية القدرات العسكرية والاقتصادية
السورية ، وما قد يستتبعه من انخراط إيراني وتصعيد إقليمي.
أما السيناريو الثاني، فرجحت الدراسة أنه الأكثر واقعية في المدى القريب، ويقوم على دور أمني غير مباشر يركز على ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح والمقاتلين، وتبادل المعلومات والتنسيق مع
الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، بما يحد من إعادة بناء قدرات "حزب الله" من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويقوم السيناريو الثالث على احتمال تدخل سوري سياسي أو أمني، وربما عسكري لاحقاً، إذا تعرضت الدولة
اللبنانية لخطر الانهيار، بهدف حماية مؤسساتها والحفاظ على التوازن الداخلي واستمرار مسار التسوية، مع التحذير من احتمال تحول دمشق مجدداً إلى طرف في النزاع، واستحضار تجربة الوصاية السورية السابقة.
أما السيناريو الرابع، فيتمثل في أن تصبح سوريا أحد الضامنين لشيعة لبنان ضمن إطار إقليمي ودولي، بما يضمن أمنهم وعودتهم إلى مناطقهم، مقابل تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل، والانتقال تدريجياً من ضمانة السلاح إلى ضمانة الدولة والتسوية الإقليمية، وهو سيناريو يتطلب توافقاً إقليمياً ودولياً وقبولاً لبنانياً واضحاً.
وخلصت الدراسة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية يتمثل في الجمع بين الدور الأمني السوري على الحدود والدور السياسي الداعم لاستقرار المؤسسات اللبنانية، فيما يبقى أي تدخل عسكري مباشر أو اضطلاع دمشق بدور الضامن الشامل مرتبطاً بتطورات أمنية وإقليمية أوسع.