لا تبدو الأزمة القائمة بين لبنان وإسرائيل محصورة بمسألة الانسحاب من النقاط التي تصفها تل أبيب بـ"المناطق الحساسة" أو "التجريبية"، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة المقاربة الإسرائيلية لـ"اتفاق الإطار" برمّته. فالمؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن إسرائيل تتعامل مع الاتفاق باعتباره أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، مستفيدة من المماطلة في تنفيذ التزاماتها، ومن استمرار عملياتها العسكرية جنوباً، بما يثير تساؤلات جدية حول حقيقة نياتها وحدود التزامها بأي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية.
وفي ظل هذه المعادلة، يجد لبنان نفسه أمام استحقاقات تفاوضية معقدة، فيما تتزايد المخاوف من أن يتحول الاتفاق إلى إطار يمنح إسرائيل حرية الحركة، من دون أن يحقق للبنان الانسحاب الكامل أو الضمانات التي يطالب بها.
وعليه، تدخل المفاوضات
اللبنانية - الإسرائيلية مرحلة جديدة مع اقتراب انعقاد الجولة السادسة في روما في 15 و16 الجاري. غير أن أهمية هذه الجولة لا تكمن في مكان انعقادها أو في جدول أعمالها التقني، بل في قدرتها على الإجابة عن سؤال أساسي: هل انتقل "اتفاق الإطار" إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، أم أنه لا يزال رهينة الحسابات الإسرائيلية؟
وفيما أبلغ لبنان
الولايات المتحدة موافقته على المشاركة في جولة المفاوضات المرتقبة مع إسرائيل في روما، تشير المعلومات إلى أن الوفد اللبناني سيقتصر على الجانب الدبلوماسي، من دون أي تمثيل عسكري، فيما ستُخصص الجولة لبحث الجوانب الأمنية والعسكرية المرتبطة باتفاق الإطار، بمشاركة خبراء عسكريين واختصاصيين في الملفات التقنية واللوجستية، في إطار استكمال النقاشات التنفيذية للاتفاق.
وفي ما يتعلق بملف الانسحاب التجريبي، تشير المعطيات إلى أن الصورة لا تزال غير محسومة، في ظل مساعي إسرائيل إلى فرض مقاربة مختلفة تقوم على إدراج قرى ومناطق غير محتلة، يقع بعضها شمال نهر الليطاني، ضمن نطاق الانسحاب المقترح.
وتقول أوساط سياسية إن لبنان الرسمي ينظر إلى هذه الجولة باعتبارها محطة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بعدما أبلغ الوسطاء أن أي تقدم في المفاوضات يجب أن يسبقه تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، وفي مقدمتها الانسحاب من المناطق التي يفترض أن تشكل المرحلة التجريبية الأولى. ويستند هذا الموقف إلى قناعة بأن نجاح أي مسار تفاوضي يتطلب إجراءات عملية تعيد بناء الثقة، لا الاكتفاء بتبادل التعهدات أو تأجيل تنفيذ البنود الأساسية.
كما تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن لبنان يتمسك بموقف يعتبر أن تنفيذ الاتفاق يبدأ بانسحاب إسرائيلي فعلي وغير مشروط، يتيح للجيش الانتشار الكامل وممارسة صلاحياته على كامل الأراضي التي تخليها قوات الاحتلال، بعيداً عن أي اختبارات أو شروط سياسية أو أمنية إضافية.
وتشير المعطيات إلى أن التحضيرات الميدانية بلغت مراحل متقدمة، سواء على مستوى الجيش ، الذي أعد خطط الانتشار والوحدات المكلفة بتنفيذها، أو على مستوى اللجان العسكرية التي تنسق تفاصيل المرحلة الأولى. إلا أن اكتمال الاستعدادات لا يعني بالضرورة أن القرار السياسي قد حُسم، إذ لا تزال هوية المناطق المشمولة وآلية تنفيذ الانسحاب ونطاقه الفعلي موضع أخذ ورد بين الوسطاء والأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة "فرانس برس" عن مسؤول عسكري أميركي قوله إن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) ستتولى التنسيق بين لبنان وإسرائيل بشأن المناطق التجريبية، فيما يجري حالياً إعداد خرائط لمناطق تجريبية إضافية في لبنان، معتبراً أن الولايات المتحدة ستتواصل قريباً مع الشركاء الدوليين لمساعدة الحكومة اللبنانية
على استعادة سيادتها.
في المقابل، تبدو المقاربة الإسرائيلية مختلفة. فعلى الرغم من الحديث عن إعداد جيش الاحتلال
الإسرائيلي خططاً تنفيذية للانسحاب، فإن تل أبيب تحرص على إبقاء هذه الخطوة ضمن إطار أمني يخضع لشروطها، لا باعتبارها التزاماً نهائياً بموجب الاتفاق.
لذلك، يجري التعامل مع الانسحاب بوصفه إجراءً قابلاً للمراجعة، يترافق مع ترتيبات تتيح للقوات الإسرائيلية العودة إلى المناطق التي ستنسحب منها إذا رأت أن الظروف الأمنية تستدعي ذلك، وهو ما يفرغ الانسحاب من مضمونه السياسي والقانوني.
وفي موازاة ذلك، أعلن
وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، أن برلين وباريس تعتزمان إطلاق مبادرة مشتركة تهدف إلى دعم السلام في لبنان. وقال فاديفول في مقابلة صحافية: "نحن، ألمانيا وفرنسا، نريد صياغة سياسة مشتركة تجاه لبنان من أجل زيادة فرص تحقيق السلام في
الشرق الأوسط ". ولم يقدم الوزير أي تفاصيل إضافية بشأن المبادرة، التي يُتوقع الإعلان عنها خلال اجتماع المجلس الوزاري الألماني - الفرنسي المقرر عقده في 17 تموز.
وعلى خط داخلي آخر، يستعد مجلس النواب لعقد جلسة تشريعية عامة، في ظل جدول أعمال مزدحم يضم نحو 38 مشروعاً واقتراح قانون، تتداخل فيها الملفات المالية والاجتماعية مع
القضايا القضائية والإصلاحية. ويتصدر جدول الأعمال قانون العفو العام، إلى جانب ملفات مالية ملحة، أبرزها مشروع فتح اعتماد إضافي لتغطية الزيادات المقررة لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، فضلاً عن مشاريع تتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، وقانون الإعلام، وتعليق المهل القانونية والقضائية.
وفي هذا الإطار، يرأس رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم غد اجتماع هيئة مكتب المجلس لبحث الصيغة النهائية لجدول أعمال الجلسة، تمهيداً للدعوة إلى انعقادها.