آخر الأخبار

المناطق التجريبية في الجنوب.. اختبار للجيش أم فخّ للسيادة؟

شارك
تتقدّم فكرة "المناطق التجريبية" في الجنوب إلى صدارة النقاش الدائر حول الجولة الخامسة من مفاوضات واشنطن ، لا بوصفها تفصيلًا تقنيًا في مسار طويل ومعقد، إنما لأنها تختبر واحدة من أكثر النقاط حساسية في الملف اللبناني: موقع الجيش في أي تسوية مقبلة، وحدود قدرته على تحويل شعار بسط سلطة الدولة إلى واقع ميداني في منطقة لا تزال محكومة بحسابات الحرب والانسحاب والسلاح والضمانات.
في ظاهرها، تبدو الفكرة مدخلًا عمليًا لتحريك الجمود. تنسحب إسرائيل من مناطق محددة، يتسلم الجيش اللبناني السيطرة عليها، تُزال المظاهر المسلحة غير الشرعية، وتصبح هذه المساحات نموذجًا أوليًا لما يمكن تعميمه لاحقًا على نطاق أوسع. غير أنّ جوهر الطرح لا يقف عند هذه الصورة المبسطة، لأنّ كل طرف ينظر إلى "المناطق التجريبية" من زاوية مختلفة، ويحاول أن يستثمرها في اتجاه لا يشبه بالضرورة قراءة الطرف الآخر.
لبنان الرسمي يجد في الطرح فرصة لإعادة تثبيت حضور الدولة في الجنوب واستعادة جزء من السيادة المعلّقة بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط ومناطق حدودية. إسرائيل تقرأ الصيغة كاختبار لقدرة الجيش اللبناني على منع عودة أي بنية عسكرية لـ" حزب الله " إلى المناطق التي تنسحب منها. أما واشنطن فتسوّقها كحل وسط بين مطلب إسرائيل بالحصول على ضمانات أمنية، وسعي الدولة اللبنانية إلى استعادة السيطرة على أرضها.
عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح الجيش في قلب المعادلة: قوة سيادية مطلوبة لبنانيًا، وضمانة أمنية مطلوبة خارجيًا، ومؤسسة لا تستطيع أن تتحمل وحدها أثقال تسوية لم تنضج سياسيًا بعد.
ورقة سيادة أم امتحان مفروض؟
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، تحمل "المناطق التجريبية" إغراءً واضحًا. فبعد أشهر طويلة من الحرب والاستنزاف والتدمير والنزوح، تبدو أي صيغة تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي وانتشار الجيش خطوة يمكن البناء عليها. من هذه الزاوية، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بالمفاوضات، بل بإعادة وصل الجنوب بالدولة عبر المؤسسة العسكرية، وبإعطاء الأهالي إشارة أولية إلى أن الأمن يمكن أن ينتقل تدريجيًا من منطق الجبهة المفتوحة إلى منطق السلطة الشرعية.
غير أنّ هذه الفرصة محاطة بشروط ثقيلة. فالفكرة لا تطرح انتشار الجيش في فراغ سياسي، ولا في منطقة عادية، إنما في بيئة يراها الإسرائيلي جزءًا من أمنه الحدودي، وتراها واشنطن مساحة اختبار لقدرة الدولة على ضبط السلاح، فيما يراها "حزب الله" جزءًا من مسار ضغط يهدف إلى انتزاع تنازلات منه قبل وقف الاعتداءات والانسحاب الكامل. لذلك، لا يدخل الجيش إلى هذه المعادلة كقوة تنفيذية فقط، بل كطرف تُحمَّل خطواته دلالات تتجاوز قدراته العسكرية المباشرة.
هنا يكمن التعقيد الحقيقي. فإذا نجحت التجربة، ستُقدَّم بوصفها دليلًا على قدرة الجيش على تولي المسؤولية في الجنوب، وربما كمدخل لتوسيع انتشاره ورفع منسوب الثقة الدولية به. أما إذا تعثرت، لأي سبب سياسي أو أمني أو ميداني، فقد تُستخدم النتيجة للتشكيك في قدرة الدولة على ملء الفراغ، أو لتبرير استمرار إسرائيل في احتلال نقاط لبنانية تحت عنوان الحاجة إلى ضمانات إضافية. بهذا المعنى، لا تكون "المناطق التجريبية" اختبارًا لإسرائيل وحدها، ولا للحكومة اللبنانية وحدها، إنما امتحانًا مبكرًا للجيش داخل تسوية لا يملك وحده شروط نجاحها.
حين يصبح الدعم امتحانًا للسيادة
المشكلة الثانية في الطرح تتصل بطبيعة الدعم الخارجي وحدوده. فواشنطن لا تكتفي، وفق الصيغ المتداولة، بالحديث عن انتشار لبناني في مناطق محددة، إنما تربط هذا الانتشار بتدريب وتدقيق وضمانات تتصل بالوحدات التي ستتولى المهمة، وبمدى استقلالها عن أي نفوذ لـ"حزب الله".
قد يبدو هذا الأمر مفهومًا في منطق التفاوض الأميركي والإسرائيلي، لكنه يفتح لبنانيًا سؤالًا حساسًا: هل يُدعَم الجيش كي يمارس سيادته، أم يُراقَب كي يثبت صلاحيته أمام الخارج؟
لا يمكن للبنان أن يرفض مبدأ الدعم للجيش، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي أثقلت المؤسسة العسكرية وأضعفت قدراتها اللوجستية والعملياتية. كما أنّ أي انتشار جدي في الجنوب يحتاج إلى تجهيز وتدريب وتنسيق وغطاء سياسي داخلي ودولي. لكنّ الخط الفاصل بين الدعم والوصاية يبقى دقيقًا، خصوصًا إذا ارتبط انتشار الجيش بمعايير يحددها الخارج، أو إذا تحوّل نجاحه إلى شرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي أوسع. عندها تصبح المؤسسة العسكرية أمام معادلة شائكة: أن تؤدي مهمة سيادية لبنانية، فيما تُقاس نتائجها بعيون إسرائيلية وأميركية.
يزيد النقاش حول مستقبل "اليونيفيل" والدور الدولي المقبل في الجنوب من حساسية هذه المعادلة. فالمطلوب لبنانيًا ليس استبدال وصاية بوصاية أخرى، ولا نقل إدارة الجنوب من معادلة السلاح غير الشرعي إلى معادلة الرقابة الخارجية. المطلوب أن يكون الدعم الدولي عامل تمكين للجيش لا بديلًا عن القرار الوطني، وأن يكون الانتشار اللبناني مقدمة لانسحاب إسرائيلي واضح لا صيغة تسمح لإسرائيل بالبقاء في نقاط حدودية بحجة انتظار نتائج التجربة.
في المحصلة، قد تكون "المناطق التجريبية" فرصة جدية لإعادة الاعتبار إلى دور الجيش في الجنوب، وفتح باب عملي أمام استعادة الدولة لمساحات فقدت حضورها فيها بفعل الحرب والاحتلال وتعدد مراكز القرار. لكنها قد تتحول أيضًا إلى فخ تفاوضي إذا صارت وسيلة لتحميل الجيش مسؤولية سياسية أكبر من قدرته، أو لتحويل الانسحاب الإسرائيلي من التزام واجب إلى مكافأة مشروطة بحسن الأداء اللبناني. لذلك، لا يتوقف نجاح هذه الصيغة على دخول الجيش إلى الأرض فقط، بل على الجواب عن سؤال أعمق: هل يدخلها بقرار سيادي واضح، أم يدخلها تحت سقف اختبار دائم يرسم الآخرون معاييره ونتائجه؟

لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا