يتجه لبنان تدريجياً إلى أن يصبح أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وتشابكاً، في مرحلة إقليمية دقيقة تشهد اندفاعة نحو تسويات سياسية وأمنية برعاية أميركية. وبينما تتقدم المفاوضات الأميركية – الإيرانية بحذر نحو بلورة اتفاق شامل، يبرز الملف اللبناني كأحد أبرز ساحات الاختبار، خصوصاً في ظل التباين الحاد حول مستقبل الجنوب بين تمسّك إسرائيلي بالبقاء العسكري داخل الأراضي اللبنانية ، وإصرار لبناني على الانسحاب الكامل، في مقابل ربط إيراني أي تسوية نهائية بإنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان.
في هذا السياق، تؤكد
الولايات المتحدة استمرارها في مسار التفاوض مع
إيران بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي يضع حداً لحالة التصعيد، مع التشديد على ضرورة أن يكون أي تفاهم قابلاً للتحقق وواقعياً. ومع انتقال المحادثات من الإطار العام إلى التفاصيل التنفيذية، دخلت العملية التفاوضية مرحلة أكثر دقة، في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج
النووي
الإيراني ، ومستقبل مضيق هرمز، وترتيبات وقف العمليات العسكرية في لبنان.
ويعكس هذا المسار محاولة أميركية واضحة لإدارة المسارات بشكل متوازٍ، بحيث يجري التفاوض مع إيران من جهة، فيما تتواصل المفاوضات اللبنانية –
الإسرائيلية من جهة أخرى، وهي محادثات مددت جولتها الخامسة في
واشنطن الى اليوم.
وتؤكد الإدارة الأميركية، عبر تصريحات
وزير الخارجية ماركو روبيو، أن ملف دعم إيران لـحزب الله سيطرح في مراحل لاحقة من التفاوض، ما يعكس مقاربة تدريجية للملفات الأكثر تعقيداً . ويوازي ذلك استمرار البحث في ترتيبات ميدانية تتعلق بوقف العمليات العسكرية وإعادة الاستقرار إلى الجنوب اللبناني . في المقابل، تتمسك طهران بترابط الملفات، معتبرة أن أي تهدئة في لبنان لا يمكن فصلها عن الاتفاق الإقليمي الأشمل. وقد شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن وقف إطلاق النار في لبنان جزء أساسي من أي تسوية شاملة في المنطقة، ولا يقل أهمية عن إنهاء المواجهات في ساحات أخرى.
لكن الوضع في جنوب لبنان لم يعد محصوراً في إطار وقف إطلاق النار أو الانسحاب العسكري، بل بات يعكس مواجهة أوسع حول شكل المرحلة المقبلة. فالمسار التفاوضي الجاري يعكس محاولة لإعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي في الجنوب بما يتجاوز تداعيات الحرب الأخيرة. ومن هنا، يتحول الخلاف بين لبنان وإسرائيل من مجرد تباين تقني حول خرائط أو جداول زمنية إلى صراع استراتيجي بين مقاربتين: إسرائيلية تسعى إلى تثبيت نتائج الحرب ضمن تسوية دائمة تفرض وقائع أمنية جديدة، ولبنانية ترفض أي مسار قد يؤدي إلى التطبيع أو إعادة تشكيل التوازنات الداخلية تحت الضغط العسكري.
ورغم التسريبات الأميركية عن تسجيل تقدّم محدود في المفاوضات التي عقدت في واشنطن، لا تزال الملفات الجوهرية عالقة، وفي مقدّمها مسألة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وتواصل
إسرائيل التمسك ببقاء قواتها في ما تسميه المنطقة الأمنية إلى حين نزع سلاح
حزب الله ، في مقاربة تهدف إلى تحويل أي انسحاب محتمل إلى مسار مشروط بإعادة تشكيل الوضع الأمني في الجنوب، لا مجرد تنفيذ لاتفاق وقف إطلاق النار. كما تشدد تل أبيب على ضرورة الحصول على ضمانات أميركية صارمة تمنع عودة الحزب إلى المناطق الحدودية وتحدّ من حركته قرب الخط الأزرق. وفي السياق نفسه، تتمسك بحرية الحركة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع الدفع نحو انتشار تدريجي للجيش اللبناني في مواقع لم يدخلها بعد، والسماح له بالدخول إلى بعض المنشآت قبل استكمال الانسحاب الإسرائيلي.
وقد قوبلت هذه الطروحات برفض لبناني، خصوصاً في ما يتعلق بتلال علي الطاهر شمال نهر الليطاني، بسبب التباين العميق في تفسير طبيعة الترتيبات الأمنية وحدودها، وقدم الوفد اللبناني أكثر من اقتراح لمناطق تجريبية لم يلق قبولاً، مع استمرار الخلاف حول ربط أي انسحاب بنزع سلاح حزب الله. وتمسك الوفد بثوابته الأساسية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي المحتلة، وانتشار
الجيش اللبناني ، وتحرير الأسرى، وإطلاق مسار إعادة إعمار المناطق المتضررة، باعتبارها حزمة مترابطة لا يمكن تجزئتها في أي تسوية محتملة.
وفيما أظهرت المعطيات أن واشنطن سعت إلى بلورة إعلان نوايا بين الأطراف، بالتوازي مع العمل على ترتيبات أمنية ومناطق تجريبية يفترض أن تشكل نماذج اختبار، رغم استمرار الخلاف حول تعريفها وآليات تنفيذها، يمكن القول ان مسار المفاوضات يقترب من إعادة رسم ملامح التوازنات الإقليمية، ما يجعل لبنان مرشحاً للبقاء ضمن أكثر بؤر التفاوض تعقيداً في المرحلة المقبلة.