في أروقة وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن ، لم يكن إعلان تمديد جولة المحادثات الخامسة بين لبنان وإسرائيل ليوم إضافي (الجمعة 26 حزيران) مجرد تفصيل لوجستي أو تأخير بروتوكولي. هذا "اليوم الإضافي" يختزل في طياته واحدة من أعقد عمليّات هندسة الأمن الإقليمي، حيث تحاول الدبلوماسية الأميركية حياكة ترتيبات أمنيّة حدوديّة بين بيروت وتل أبيب، في ظلّ مظلة أكبر وأكثر تعقيدًا: "مذكرة إسلام آباد" المبرمة بين واشنطن و طهران .
لذلك فإنّ مسار التفاوض الشائك مع دلالات التمديد لليوم الاضافي يظهّر أن الشيطان يكمن بالتفاصيل.
فلم تفشل المحادثات يوم أمس الخميس لكي تُمدد، بل وصلت إلى "عنق الزجاجة" التقني. ممّا يعني أن الفريقين (عبر الوسيط الأميركي) قد تجاوزا النقاش في المبادئ العامة لوقف إطلاق النار، ودخلا في التفاصيل الميدانية شديدة التعقيد: آلية المراقبة، التموضع الجديد للجيش اللبناني، دور قوات " اليونيفيل " بمهام معدّلة، وعمق المنطقة المنزوعة السلاح. وهذا يتطلب صياغات قانونيّة دقيقة لا تحتمل التأويل.
وفي حين أن المأزق الإسرائيلي بالتفاوض تحت مظلة مرفوضة يشكل عامل ضغط على إسرائيل التي تجلس حول الطاولة وهي في حالة انفصام استراتيجي. فمن جهة، تصنّف حكومة تل أبيب التفاهم الأميركي-الإيراني (مذكرة إسلام آباد) كـ"كارثة"؛ كونه لم يلحظ تجريد " حزب الله " من سلاحه واكتفى بـ"تجميد" الوضع. ومن جهة أخرى، تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع لبنان لأنّ جيشها منهك، واقتصادها ينزف، والغطاء الأميركي لحرب مفتوحة قد رُفع بموجب التفاهم مع طهران.
الى ذلك فإنّ لبنان لا يبدو أكثر ارتياحًا مع الارتباك السيادي اللبناني الداخلي أيضًا، فالوفد اللبناني المفاوض يعيش مفارقة قاسية. هو يقاتل دبلوماسيًّا لوقف التدمير الإسرائيلي الممنهج للبلد، لكنه يدرك أن هذا "السلام" الموعود لم يُصنع في بيروت، بل هبط بمظلة التفاهم الأميركي-الإيراني. هذا التفاهم يحمي لبنان من الإبادة، لكنه في الوقت عينه يجعل الحزب أكثر التصاقًا بطهران، ويمنحه شرعية "أمر واقع" دوليّة للاحتفاظ بسلاحه كجزء من المنظومة الردعيّة الإيرانيّة، مما يسلب الدولة اللبنانية ورقة السيادة وقرار السلم والحرب.
في هذا المشهد، تبرز افتراضات شائعة يجب تحدّيها وتحديد عيوبها، ونبدأ بمواطن ضعف المنطق حيث الافتراض بأن "نجاح المفاوضات الحدودية سيجلب استقرارًا دائمًا للبنان" هو ضعيف منطقياً. والترتيبات الحدودية الجاري بحثها هي إجراءات "تكتيكيّة" لفكّ الاشتباك، بينما الصراع بنيوي. وربط أمن لبنان بتفاهم أميركي-إيراني هشّ (قابل للانهيار عند أيّ تغيير في الإدارة الأميركية) يجعل الاستقرار اللبناني بمثابة قنبلة موقوتة، وليس سلاماً مستداماً.
أمّا لجهة الادعاءات غير المدعومة، نقرأ أن مزاعم بعض النخب في تل أبيب بأن "إسرائيل يمكنها التنصل من الاتفاق واستئناف الحرب متى شاءت لأنها لم توقع مذكرة إسلام آباد"، غير مدعوم بالواقع اللوجستي؛ فاستمرار الحرب يحتاج إلى جسر جوي أميركي للذخائر وضوء أخضر سياسي، وكلاهما بات مقيدًا بتعهدات واشنطن لطهران بإيقاف العمليات العسكرية.
في لبنان، يبرز الانحياز العاطفي المزدوج. فريق يرى في وقف إطلاق النار "انتصارًا إلهيًّا" وكسرًا للعدو، متجاهلاً حجم الدمار الهائل والتهجير وانهيار مقوّمات الدولة. وفريق آخر يرى فيه "استسلامًا وتسليمًا للبلد لإيران"، متجاهلاً أن البديل الميداني كان استمرار التدمير الممنهج لبيروت دون أفق. كِلا الانحيازين يعميان البصيرة عن الحقيقة الجيوسياسيّة: لبنان مجرد تفصيل في صفقة كبرى.
أما الزوايا الغائبة المصنّفة عمياء، ما يغيب عن التغطيات هو "اليوم التالي اقتصادياً". المحادثات في واشنطن تركّز على الأمن والسلاح والحدود، لكنها تتجاهل تمامًا كلفة إعادة إعمار جنوب لبنان وتأهيل بنيته التحتيّة. وغياب التعهدات الماليّة الواضحة يعني أن وقف إطلاق النار سيترك لبنان في حالة "موت سريري" اقتصادي.
خريطة المواقف الدولية والإقليمية
تتوزع النظرة إلى مجريات يوم الجمعة الحاسم في واشنطن وفقًا لحسابات دقيقة لكل عاصمة:
1. واشنطن (الوسيط المستعجل):
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تضغط بشراسة لإنجاز الترتيبات الحدودية اللبنانية-الإسرائيليّة لتقديمها كـ"أولى ثمار" التفاهم الأكبر مع إيران. واشنطن تريد إغلاق جبهة لبنان تماماً للتفرغ لترتيبات مضيق هرمز وسوق الطاقة قبل الانتخابات النصفيّة. بالنسبة لواشنطن، باتت التفاصيل اللبنانيّة الداخلية (سلاح الحزب) مؤجّلة طالما أنّ أمن حدود إسرائيل الشماليّة قد ضُمِن موقتاً.
2. طهران (الرابح المرتاح تمامًا):
تراقب القيادة الإيرانية مجريات واشنطن بارتياح المنتصر. إذ فرضت طهران وقف الحرب عبر الطاولة الأميركية، وحمت درعها المتقدم (حزب الله) من الاجتثاث. بالنسبة اليها، أي ترتيبات حدودية تلتزم بها الحكومة اللبنانية هي مقبولة، طالما أنّها لا تتضمن بنداً دولياً ملزماً بنزع سلاح الحزب. طهران تستخدم المشهد لإثبات أنها "ضابط الإيقاع" الوحيد القادر على لجم أو إشعال الجبهات.
3. تل أبيب (الممتعض المضطر):
حكومة بنيامين نتانياهو تعيش أسوأ كوابيسها. الترتيبات الجاري بحثها لا تلبّي سقف الوعود التي قُطعت للداخل الإسرائيلي (تدمير حزب الله). تل أبيب تحاول في هذا "اليوم الإضافي" من المفاوضات انتزاع مكاسب تكتيكية (مثل حرية التحليق الجوي أو آليّة تفتيش صارمة لليونيفيل) لتسويقها كإنجاز أمني، حفظًا لماء الوجه أمام المستوطنين النازحين من الشمال، وللتغطية على شعورها بالخذلان من الاتفاق الأميركي-الإيراني.
4. الرياض (المراقب الحذر):
المملكة العربية السعودية تتابع المحادثات بحذر شديد. هي تدعم وقف آلة القتل الإسرائيليّة وعودة سلطة الدولة اللبنانية، لكنها تتوجس من أن تكون هذه الترتيبات تكريسًا أميركيًّا لهيمنة حزب الله (وخلفه إيران) على القرار اللبناني. السعودية لن تندفع لتمويل إعادة إعمار لبنان ما لم تلمس مسارًا سياديًّا حقيقيًّا يحد من النفوذ الإيراني، وهو ما لا يبدو متوفرًا في صيغة المحادثات الحالية.
5. باريس (الأم المبعدة):
تشعر فرنسا ، التي تعتبر نفسها "الأم الحنون" للبنان، بتهميش قاسٍ. محادثات واشنطن الحالية أقصت المبادرات الفرنسية السابقة بالكامل. الدبلوماسية الفرنسية تحاول جاهدة الدخول عبر نافذة "دعم وتسليح الجيش اللبناني" ليكون الأداة التنفيذية لأي اتفاق حدودي، سعيًا للاحتفاظ بموطئ قدم أوروبي في معادلة الشرق الأوسط التي احتكرتها واشنطن وطهران.
6. مصر (المنظار الأوسع):
تنظر القاهرة إلى مفاوضات واشنطن من زاوية "الأمن القومي العربي الشامل". وهي ترحب بوقف إطلاق النار لمنع انزلاق المنطقة لحرب إقليمية تؤثر على قناة السويس، لكنها تقرأ بقلق بالغ تكريس "نموذج الميليشيا المحميّة دوليًّا". مصر تخشى أن ينسحب نموذج الاعتراف الأميركي بنفوذ حزب الله في لبنان على تعاطي واشنطن مع الحوثيين في اليمن، مما يهدد أمن البحر الأحمر بشكل دائم.
7. باكستان (عراب التسوية):
إسلام آباد، التي لعبت دورًا محوريًّا في هندسة المذكرة بين طهران وواشنطن، تعتبر نجاح المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية دليلاً على نجاح وساطتها الكبرى. باكستان ترى في صمود الاتفاق مصلحة اقتصادية حيوية لها (ضمان انخفاض أسعار النفط)، وتعزيزًا غير مسبوق لمكانتها الجيوسياسيّة كـ"جسر موثوق" بين الشرق والغرب.
في الخلاصة الاستراتيجية، نجد ان تمديد محادثات واشنطن ليوم إضافي ليس مؤشّرًا على انهيارها، بل هو مخاض عسير لولادة "وثيقة تعايش مسلح" بين لبنان وإسرائيل. هذه الترتيبات لن تصنع سلامًا دافئًا، ولن تحل معضلة السيادة اللبنانية المفقودة، ولن تمنح إسرائيل الأمان المطلق الذي تنشده. إنها ببساطة عملية "تسكين ألم" ضرورية فرضتها توازنات القوى الجديدة التي أفرزتها مذكرة "إسلام آباد"؛ حيث ارتضت القوى العظمى تجميد الصراع على حدود لبنان، تاركةً الجمر يشتعل تحت رماد التسويات بانتظار الجولة القادمة.
المصدر:
النشرة