ما تمّ الاتفاق عليه في سويسرا بين
الولايات المتحدة الأميركية وإيران بخصوص الوضع في
لبنان ، وما جرى بحثه في واشنطن بين الوفدين المفاوضين اللبناني والإسرائيلي، برعاية أميركية، ثمة بعض المشتركات بينهما من حيث الأهداف، من دون أن يعني ذلك بالطبع التوافق على آليات التنفيذ، خصوصًا أن الجانب اللبناني، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية، يصرّ على الفصل ما بين المسارين. وهذا ما يشدّد عليه العماد جوزاف عون من خلال المواقف التي يعلنها يوميًا، مؤكدًا أن التفاوض في واشنطن مستمر ومنفصل عمّا صدر عن اجتماعات سويسرا الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بمتابعة قطرية وباكستانية، وتشديده على أن الدولة
اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض، ولا مجال لتسليم الملف اللبناني إلى طهران.
وبالتوازي مع الموقف اللبناني الرسمي فإن ثمة عملًا أميركيًا لـ "تحرير" لبنان من القبضة
الإيرانية . وهو ما حسمه
وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، من أبو ظبي، بتأكيده أن "ملف لبنان منفصل عن ملف
إيران ، و"أننا نتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية، ولا يمكن إنهاء الأعمال العدائية في المنطقة إذا كان وكلاء إيران يطلقون الصواريخ".
ويبدو أن هذا الفصل الذي يحرص عليه الجانب اللبناني الرسمي لا ينفصل عن محاولة أوسع لإعادة ضبط موقع لبنان داخل التوازنات الإقليمية المتحركة، بحيث لا يكون جزءًا من أي تفاهمات تُصاغ فوق طاولات دولية أو إقليمية بمعزل عن القرار السيادي للدولة اللبنانية. فإصرار الرئيس جوزاف عون على حصر التفاوض بالدولة اللبنانية وحدها يعكس مقاربة تعتبر أن أي التفاف على المؤسسات الرسمية من شأنه أن يضعف موقع لبنان التفاوضي، ويعيد إنتاج أزمات سبق أن دفع اللبنانيون أثمانها في مراحل سابقة.
في المقابل، تبدو واشنطن منخرطة في مسار مزدوج: من جهة، إدارة التفاوض مع إيران في سياق أوسع يتعلق بإعادة ضبط النفوذ الإقليمي وتفادي انفجار واسع في المنطقة، ومن جهة ثانية، الدفع باتجاه تثبيت مسار مباشر مع الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الشرعية الوحيدة لأي تفاهمات تتصل بوقف الأعمال العدائية وترتيبات الجنوب. ومن هنا يكتسب تصريح وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أهمية خاصة، ليس فقط لجهة المضمون، بل لجهة التوقيت، إذ يعكس مقاربة أميركية أكثر حدّة في الفصل بين المسارات، وربط الاستقرار في لبنان بقدرة
الدولة على الإمساك الكامل بالقرار الأمني والسياسي.
لكن هذا الفصل المعلن بين "الملف اللبناني" و"الملف
الإيراني " لا يلغي حقيقة الترابط غير المباشر بينهما، إذ يدرك جميع الأطراف أن أي تفاهمات كبرى في سويسرا لن تمرّ من دون أن تترك أثرها على الساحة اللبنانية، سواء عبر تهدئة ميدانية على الحدود الجنوبية، أو عبر إعادة تعريف دور القوى المحلية في معادلة الصراع والردع. وبالتالي، فإن لبنان، رغم محاولته التمايز الرسمي، يبقى في قلب المعادلة لا على هامشها.
وفي هذا السياق، تتقاطع الحسابات الدولية والإقليمية عند نقطة واحدة: منع انفجار الجبهة اللبنانية وتحويلها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الرسائل بين واشنطن وطهران وتل أبيب. إلا أن هذا الهدف، على أهميته، يبقى مشروطًا بمدى قدرة الداخل
اللبناني على التماسك، وتحصين موقع الدولة في مواجهة الضغوط المتناقضة، سواء تلك التي تدفع نحو التصعيد أو تلك التي تفرض مسارات تسوية قد لا تتطابق بالكامل مع الأولويات الوطنية.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على أكثر من سيناريو، من التهدئة التدريجية إلى التصعيد المحسوب، فيما يبقى الثابت الوحيد أن لبنان لم يعد ساحة معزولة عن المفاوضات الكبرى، بل بات جزءًا عضويًا من هندسة التسويات التي يُرسم إطارها في الخارج وتُختبر نتائجها على أرضه.