آخر الأخبار

لبنان وذاك الروسيّ الكبير

شارك

كانَ ذَلِكَ صَباح 18 نَوَّارِ 1907.

وَكانَ الكاتِبُ الروسِيُّ الكَبيرُ إيفان اليكسييفيتش بوينينُ Иван Алексеевич Бунин، مَن سَيَفوزُ بِجائِزَةِ نوبِلَ لِلآدابِ العامَ 1933، في السابِعَةِ والثَلاثينَ.

وَكانَ هائِماً في رِحلَةِ حَجٍّ وَزَوجَتَهُ فيرا.

هُنا كَتَبَ مَقالَتَهُ الخالِدَةُ: "مَعبَدُ الشَمسِ" Храм солнца، التي سَيَنشُرُها مَعَ قَصائِدَ نَثرِيَّةٍ بَينَ عامَي 1907-1911 في كِتابِهِ "ظِلُّ الطائِرِ" Тень птицы.

وَمِنَ الهُنا إستَوحى عُنوانَ الكِتابِ مِن سِفرِ المَزاميرَ، حَيثُ الطائِرُ رَمزُ الحِمايَةِ الإلَهِيَّةِ والظِلُّ الإلَهِيُّ مَعاً: "إحفَظني حِفظَ الحَدَقَةِ، إنسانَ العَينِ وَبِظِلِّ جَناحَيكَ أُستُرني." (مَزمورُ 17/8). وَ"يُظَلِّلُكَ بِريشِهِ وَتَعتَصِمُ تَحتَ أجنِحَتِهِ، وَحَقُّهُ يَكونُ لَكَ تِرساً وَدِرعاً." (مَزمورُ 91/4) وَ...

وَلِلهُنا، إستَقَّلَ القِطارَ مِن بَيروتَ الى... بَعلَبَكَّ. في الإستِراحَةِ، ظَهَرَت قُبالَتَهُ "قِمَّةُ صِنّينَ الفِضِيَّةِ". فَكَتَبَ: "كانَت تَفوحُ رائِحَةُ الثَلجِ، وَجِدارُ المَحَطَّةِ الصَغيرِ الرَماديّ الحَجَريّ مُغَطَّى بِالأُقحوانِ المُتَفَتِّحِ القُرمُزِيّ." وَعِندَ ضَهرِ البَيدَرِ، كَتَبَ: "هُنا بُرودَةٌ جَبَلِيَّةٌ حَقيقِيَّةٌ... نَحنُ الآنَ بَينَ أعلى لبنانَ الغَربيّ وَنُطِلُّ عَلى لبنانَ الشَرقيّ." وَحينَ بُلوغِهِ "السَهلَ المُبارَكَ"، سَيَكتُبُ: "لَيسَ عَبَثاً أن تَرويَ أساطيرُ إنَّ الفِردَوسَ كانَ هُنا بِالذاتِ، ها هوَ الطينُ نَفسُهُ الَذي خَلَقَ اللهُ مِنهُ آدَمَ." وَبَلَغَ البَعلَبَكَّ: "رَأيتُ مِن بَعيدٍ شَيئاً مُذهِلاً: واحَةٌ خَضراءٌ كَثيفَةٌ مِن بَساتينَ وَحَورَ تَمتَدُّ وَسطَ الواديَ (...)، وَفَوقَها سِتَّةُ عَمالِقَةٍ مِنَ الرُخامِ، كَأنَّهُمُ مُعَلَّقونَ في الهَواءِ."

وَفي النَوَّارِ،

عَصْفُ رَعدِ لبنانَ يُفاجِئُهُ: "كانَ البَرَدَ يَقصِفُ النَوافِذَ أَلْتَشَوَّشَت رؤيَتُها، وَيَطيرُ وَيَقفِزُ عَلى الأرضِ. كانَ بَعلُ، مِن خَلفِ عُلُوِّ السَحابِ، يَرمي بِجَلالٍ رَنيناً وَقَصفاً في الجِبالِ تُرَدِّدُهُ بِكَآبَةٍ، ما جَعَلَ البُروقَ البَنَفسَجِيَّةَ تَندَفِعُ خائِفَةً."

في الهَدأةِ، يَجولُ في "مَعبَدِ الشَمسِ": "الأعمِدَةُ ذاتُ السُمكِ المُوَحَّدِ مِنَ الأسفَلِ لِأعلى تَعودُ لِأقدَمِ مِنَ العَصرِ الكلاسيكيّ اليونانيّ، لِعَصرِ "السَلَفِ البَدْئيّ" أَلْكانَ يَبني لِعِبادَةِ إلَهٍ واحِدٍ (بَعلُ الشَمسِ) قَبلَ أن تَتَعَدَّدَ الآلِهَةُ وَتَتَشَظّى." وَيَزيدُ: "تَحتي سورٌ بَناهُ أبناءُ الشَمسِ. سورٌ سَتَبقى حِجارَتُهُ هُنا بِلا حِراكٍ حَتَّى نِهايَةِ العالَمِ..."

هوَ الإدراكُ في المُطلَقِ، أَلْمِنهُ لبنانُ، بَلَغَهُ ذاكَ الروسِيُّ الغَريبُ بوينينُ، فَتَبِعَهُ في عَظَمَةِ تَكامُلِهِ، مِن بَيروتَ الى بَعلَبَكَّ، مِن فِكرِ أبنائِهِ الى تَكامُلِهِمِ رؤيَةً. أهوَ كَمالُ كيانِيَّةِ لبنانَ، جُهداً خالِصاً مُنبَثِقاً وَمُحْيّياً لِثالوثِيَّةٍ: البَشَرُ، الطَبيعَةُ، الحَجَرُ؟

مُعايَنَةُ المُختارِ

بوينينُ، ذاكَ الروسِيُّ الكَبيرُ-الغَريبُ، مِن أورثوذُكسِيَّةِ إيمانِهِ، بَلَغَ، في حَجِّهِ الأرضيّ، حَقَّ لبنانَ في حَقيقَتِهِ.

هوَ أكثَرُ مِن شاهِدٍ. هوَ مُعايَنَةُ المُختارِ مِن الفَوقِ: لبنانُ.

لَهُ، في اليومِ التالي ‒النَوَّارُ 19‒، سَيَنظُمُ قَصيدَتَهُ الخالِدَةُ: "مَعبَدُ الشَمسِ".

"سِتَّةُ أعمِدَةٍ مِن رُخامٍ مُذَهَّبِ،

وَوادٍ أخضَرُ لامَحدودُ،

لبنانُ المُكَلَّلُ بِالثَلجِ والسَماءِ الزَرقاءِ.

(...).

هُنا فَرَحُ الأيّامِ الفَتِيَّةِ:

أنسِجَةٌ بَطريَركِيَّةٌ مَلَكوتِيَّةٌ،

وَصُفوفٌ طولِيَّةٌ مِن ثُلوجٍ وَصُخورٍ

تَتَمَدَّدُ رِداءَ صَلاةٍ مُبَقَّعٍ عَلى لبنانَ،

فَوقَ الجِبالِ الجَبّارَةِ.

تَحتَها المَراعيُ والبَساتينُ الخُضرُ،

وَصَخبُ ماءٍ حَثيثٍ زَبَرجَدِيٍّ،

شَهيٌّ كَنَسيمِ الجِبالِ. فيهِ الشِفاءُ.

تَحتَها مَحَطَّةُ الإنسانِ الأوَّلِ،

مَنسِيَّةً خاوِيَةً مَهجورَةً،

لَكِنَّ رِواقَها يُضيءُ بِشَمسٍ لا تَغيبُ.

بَوّابَتاها مُشَرَّعَتانِ عَلى عالَمٍ مَسحورٍ."

ألُبنانُ-القُدسِيُّ هِبَةٌ إلَهِيَّةٌ لِلخَليقَةِ الزائِلَةِ، يُكَرِّسُ دَيمومَتَها في حِكمَةِ الخَلقِ المُنكَشِفَةِ جَوهَراً كامِلاً، مُتَرابِطاً، وافِراً، بَينَ العواصِفِ والقِمَمِ؟

هوَ لبنانُ-بَداءَةُ-البَدءُ، روحُ اللهِ وَكَينونَتُهُ... حَتَّى إنقِضاءِ العالَمِ!

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا