وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مطار بكين العاصمة في الثالث عشر من أيار 2026، يحمل في حقيبته الدبلوماسية أزمة اقتصادية خانقة وحرباً مستعرة في الشرق الأوسط. حطت الطائرة الرئاسية وسط أجواء مشحونة، حيث كان بانتظاره استقبال بروتوكولي باذخ صمّمته القيادة الصينيّة بدقة متناهية. مئات الأطفال يلوحون بالأعلام، وعرض عسكري مهيب في ساحة "تيانانمين"، وزيارة خاصة لـ" معبد السماء "؛ كل هذه المشهدية كانت، في عرف خبراء الدبلوماسيّة، محاولة صينيّة ذكية لامتصاص اندفاعة ترامب عبر دغدغة رغبته الاستعراضيّة في التعظيم الشخصي، قبل الانتقال إلى الغرف المغلقة حيث تُدار لغة المصالح الباردة.
مشهدية دون اختراق
في هذا السياق، ندخل في عمق الكواليس، وخلف النوافذ العريضة لقاعة الشعب الكبرى، لتحليل البيانات الرسمية الصادرة عن الطرفين خطوة بخطوة، ليتّضح أنّ القمة كانت "استعراضيّة أكثر منها جوهريّة". على الرغم من إعلان الزعيمين عن صياغة "رؤية جديدة لعلاقة بناءة ذات استقرار استراتيجي"، إلا أن التدقيق في تفاصيل المحادثات يكشف عن غياب أي تفاهمات مكتوبة أو اتفاقيات ملزمة في القضايا الحيويّة الثلاث: حرب إيران ، أمن تايوان وسباق الذكاء الاصطناعي . لقد نجح الجانبان في وضع "مكابح" موقّتة لمنع الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر، لكنهما فشلا في ردم الهوة السحيقة بين مشروعين كونيين متناقضين.
فخ مضيق هرمز
وقد شكل الملف الإيراني الخطوة الأولى؛ فبينما كان ترامب يأمل في انتزاع تعهد صيني صريح بدعم الحصار الأميركي على طهران والضغط لإعادة فتح مضيق هرمز، واجه جداراً صينياً صلباً. فالرئيس الاميركي حاول إقناع نظيره الصيني بأن مصلحة بكين الاقتصادية تكمن في استقرار أسواق النفط وتأمين ممرات الملاحة.
إلا أنّ خفايا الموقف الصيني تشير إلى أن التنين، الّذي استقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبيل القمة بأيام، وضع بلاده ونفسه في موقع "الوسيط المتوازن" لا الحليف التابع لواشنطن. حيث رفضت الصين التضحية بعلاقاتها الاستراتيجية مع طهران، واكتفى الرئيس شي جين بينغ بابتسامة دبلوماسية ووعود عامة بالعمل على التهدئة، تاركاً ترامب يغادر دون الصيد الثمين الذي كان يرجوه لإنهاء حرب الاستنزاف في الشرق الأوسط.
تحذير تايوان الصارم
الخطوة الثانية في التشريح السياسي كانت جبهة تايوان، وهنا انتقلت بكين من الدفاع إلى الهجوم. إذ كشفت المحاضر الرسمية للخارجية الصينيّة أن الرئيس شي وجّه لترامب تحذيراً هو الأشد صرامة منذ سنوات، مطالباً إياه بـ"توخي الحذر الشديد".
وقد أبلغت بكين الوفد الأميركي بعبارات قاطعة أن اللعب بورقة استقلال تايوان سيعني حتماً "الصدام والمواجهة العسكرية المباشرة" بين القوتين. ولم يجد ترامب، الرازح تحت وطأة الجبهة الإيرانية المفتوحة، مساحة للمناورة أو الرد العسكري الحازم، مما اعتبره مراقبون تراجعاً ضمنياً لواشنطن أمام التصلب الصيني في عمق المحيط الهادئ.
صراع عصب التقنية
الى ذلك، تمثلت الخطوة الثالثة في معركة التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي. ولدعم موقفه، اصطحب ترامب معه إيلون ماسك و تيم كوك ، في محاولة لإغراء بكين بصفقات تجارية ضخمة وفتح الأسواق المالية الصينية مقابل وقف بكين لعمليات الاختراق التكنولوجي والسيطرة على المعادن النادرة.
لكنّ النتيجة جاءت متواضعة للغاية؛ حيث تم الاتفاق فقط على إنشاء "لجنة مشتركة لسلامة الذكاء الاصطناعي" تمنع خروج الأنظمة العسكرية الذكيّة عن السيطرة العفويّة، دون إحراز أيّ تقدم في ملف التعريفات الجمركيّة المفروضة على الصادرات الصينية، أو القيود الأميركيّة الحادّة على تصدير الرقائق الإلكترونية الدقيقة لبكين.
رؤية الإدارة الأميركية
أمّا لجهة منظور واشنطن، كما روّج له ترامب وفريقه الإعلامي فور مغادرتهم الصين، الّذي حاول تسويق الزيارة كـ"انتصار تاريخي هائل". يرى الرئيس الاميركي أن مجرد إجبار الصين على الجلوس إلى الطاولة والبحث في ملفات إيران وفتح قطاعها المالي هو دليل على نجاح استراتيجية "الضغط الأقصى" التي يتبناها.
بالنسبة للبيت الأبيض، تعدّ هذه القمة أداة تكتيكية حاسمة لتهدئة رعب الأسواق الأميركية المضطربة قبل الانتخابات النصفيّة المقرّرة في تشرين الثاني المقبل؛ حيث يطمح ترامب إلى إقناع الناخب الأميركي بأنه قادر على إدارة العلاقة مع التنين الصيني من موقع القوة، محققاً صفقات تجارية "فنطزيّة" تحمي الوظائف الأميركية.
منظور القيادة الصينية
في المقابل، تقرأ بكين المشهد بعقليّة "لاعب الشطرنج" الذي يربح بالنقاط لا بالضربة القاضية. فرؤيتها، التي عكستها افتتاحيات الصحف الرسميّة المحسوبة على الحزب الحاكم، تنظر إلى القمّة كنجاح استراتيجي لها في "احتواء الاندفاعة الأميركية" وتأطيرها تحت سقف ما يسمى "الاستقرار البنّاء".
فالصين تدرك أن ترامب يمر بلحظة ضعف ميداني جراء النزيف في الشرق الأوسط، ولذلك استغلّت حاجته للتهدئة لتثبيت خطوطها الحمراء في تايوان وبحر الصين الجنوبي، دون أن تقدم أي تنازل جوهري في ملف عقوباتها أو دعمها المستتر لروسيا وإيران. بالنسبة لها، كانت القمة فرصة ذهبية لإثبات أنّ "الأحادية القطبية الأميركية" قد دُفنت في مياه هرمز، وأن النظام العالمي الجديد يُصاغ اليوم في أروقة بكين.
مستقبل التوازن الدولي
يقودنا هذا التشريح خطوة بخطوة إلى استنتاج رئيسي: قمة بكين في أيار الجاري لم تكن صكّ سلام، بل كانت "اتفاقيّة هدنة موقّتة بين محاربين" يدرك كل منهما أنّ كلفة الصدام الشامل في هذه اللحظة ستعني انهيار الاقتصاد العالمي بأكمله.
في الخلاصة نجحت الدبلوماسية في منع الانفجار، لكنها تركت فتيل الأزمات مشتعلاً تحت الرماد. سيبقى العالم يراقب ما سيسفر عنه خريف هذا العام، وتحديداً في تشرين الأول وتشرين الثاني المقبلين، لمعرفة ما إذا كانت "عقلانية إدارة المخاطر" التي تم التوافق عليها في بكين ستصمد أمام طموحات التنين الصيني وتقلبات الاستراتيجيّة الأميركيّة.
المصدر:
النشرة