برز في الساعات الماضية التي اعقبت تعثر الهدنة الممددة، إصرار السلطة السياسية على أولوية وقف الحرب مهما بلغت التنازلات السياسية أو الأكلاف الداخلية، وهو ما عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون بسؤاله عمّا إذا كان أحد لا يزال قادرًا على تحمّل كلفة الحرب
وقال: إن الإطار الذي وضعه
لبنان للمفاوضات يتمثّل بالانسحاب
الإسرائيلي ووقف إطلاق النار وانتشار الجيش على الحدود وعودة النازحين والمساعدات الاقتصادية أو المالية للبنان، أما ما يتم تناوله خلاف ذلك، فهو غير صحيح"، وأضاف: "واجبي وانطلاقاً من موقعي ومسؤوليتي أن أقوم بالمستحيل وبما هو أقل كلفة كي أوقف الحرب عن لبنان وشعبه، ولقد اختبرنا الحروب وإلى أين أوصلت لبنان، فهل من أحد يستطيع تحمّل كلفتها بعد؟".
ونقلت «الشرق الأوسط» من مصدر سياسي مطلع أن الإدارة الأميركية تقف الآن أمام توفير جرعة من الدعم لعون بعدما استجاب لطلبها الدخول بمفاوضات مباشرة مع
إسرائيل ، ورفع مستوى التمثيل، وإشراك عسكريين، ما يقوي موقفه في وجه الحملات التي يتزعمها «حزب الله» بتمسكه بالمفاوضات غير المباشرة، وما يتطلبه ذلك من ممارسة الضغط على إسرائيل لإلزامها بتثبيت وقف النار، ما يشكل إحراجاً للحزب ما لم يتجاوب معه.
ولفت المصدر إلى أن إصرار الحزب على أن تكون إسرائيل هي البادئة بالالتزام يكمن، من وجهة نظره، في أنه «يسوّق» لحاضنته السياسية والشعبية موقفاً معنوياً بذريعة أنه أجبرها على الرضوخ لطلبه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان من تجريف للبلدات، وتدمير ممنهج للمنازل، وتهجير السكان.
وسأل المصدر «حزب الله» عن صمته حيال المساعي الرامية لوقف النار، والتمسك برفض المفاوضات المباشرة، وفتح النار على اجتماع العسكريين المرتقب في «البنتاغون» يوم 29 أيار الحالي، وقال إن «حزب الله» يترقب الوضع على الجبهة الإيرانية في حال تعثرت المفاوضات، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تجدد الحرب.
ولم تستبعد المصادر تصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، إلا إذا قررت واشنطن ممارسة ضغوط كبيرة لإلزام إسرائيل بوقف النار، مقابل أن يتدخل برّي لدى الحزب لانتزاع موافقته، ولا سيما أنه القائل: «أعطوني وقف النار والباقي علينا»، وهو ما أكده باتصالاته المفتوحة بعون.
وأشار المصدر إلى أن الحزب يتجاهل أي إشارة لوقف النار؛ لأنه مُصرّ على ربط مصير لبنان بإيران، ويخشى بالتالي أن يؤدي وقف النار إلى تشريع الأبواب أمام حل قد ينهي الحرب.
كشف المصدر أن المسار الأمني سيناقش إمكانية التوصل لجدول زمني لانسحاب إسرائيل من الجنوب، في مقابل تعهد الحكومة بتطبيق حصرية السلاح على مراحل من دون أن تلجأ إلى السلاح لنزعه من «حزب الله». وأكد أن واشنطن اقترحت إمكانية إنشاء لواء خاص من الجيش اللبناني للانتشار في جنوب الليطاني، لكنه لا يزال مدار بحث وتقييم داخل المؤسسة العسكرية بالتواصل مع
عون.
ولم يستبعد المصدر ضم ضابط برتبة عالية إلى الوفد اللبناني المفاوض، على أن يشارك في الاجتماع المخصص للبحث في المسار الأمني، مرجحاً أن يقع الخيار على قائد منطقة عمليات جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، باعتبار أنه يمتلك الخبرة الميدانية، ولديه إلمام كافٍ بهذه المنطقة التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني، وصولاً إلى الحدود الدولية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل من الجنوب.
كما لم يستبعد أن يُدرج على جدول أعمال الاجتماع كل ما يتعلق بانتشار الجيش في الجنوب، وضرورة تجهيزه وتدعيمه لبسط سلطة الدولة، بالتلازم مع وضع جدول زمني لسحب سلاح «حزب الله»، متوقعاً في الوقت نفسه أن ينبثق عن الاجتماع، وربما لاحقاً، تشكيل لجنة ثلاثية أميركية - لبنانية - إسرائيلية، تكون بمنزلة لجنة ارتباط توكل إليها مهمة متابعة تنفيذ الاتفاق، والتدخل في حال حصول خروقات من الطرفين.
الموقف الاسرائيلي
أما الموقف الإسرائيلي، فعكسه السفير الإسرائيلي في
الأمم المتحدة داني دانون في حديث لقناة 14
الإسرائيلية ، إذ لفت إلى أن "هناك فجوة غير مقبولة بين ما نسمعه من الحكومة
اللبنانية ، التي ترسل ممثلين للمحادثات في واشنطن ويتحدثون عن أمور جوهرية ومهمة، وبين القدرات على الأرض، ولا يمكننا الاعتماد على أحد، فقط على الجيش الإسرائيلي. هذا هو الواقع، لا اليونيفيل، ولا القوات الدولية، ولا القوات الأوروبية، ولا حتى قوات الحكومة اللبنانية؛ هم ببساطة غير قادرين على فعل شيء. الطرف الوحيد القادر في النهاية على إبعاد "
حزب الله " هو الجيش الإسرائيلي".
تزامنت هذه المواقف مع بقاء الوضع الميداني على حاله، إذ لم يُترجم تمديد اتفاق وقف النار لـ45 يومًا على الأرض. ووجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً إلى سكان حاروف، برج
الشمالي ودبعال ثم إلى برج الشمالي. وشنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات على زوطر الشرقية وصديقين وحانويه وقانا وتبنين، ومجدل زون، ومجمعاً سكنياً وتجارياً على أوتوستراد دير الزهراني. وكانت العمليات امتدت إلى البقاع أيضاً. فعند منتصف الليل، استهدف الجيش الإسرائيلي بصاروخ موجّه شقة تقطنها عائلة فلسطينية في دورس عند أطراف مدينة بعلبك، ما أدى إلى مقتل قائد تنظيم حركة الجهاد الإسلامي في البقاع وائل محمود عبد الحليم وابنته.
وبعد ظهر أمس أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض 3 مسيّرات في الجليل الأعلى أطلقت من لبنان.